يجرم القانون العراقي الإساءة للرموز الدينية ومحاولة تأجيج الخطاب الطائفي الذي من شأنه تهديد الاستقرار الأمني والسلم المجتمعي في البلاد، غير أن العراق يشهد تصاعدا ملحوظا في الخطاب الطائفي والإساءة المتعمدة لرموز المسلمين (السنة) نتيجة لغياب العقوبات والإجراءات الرادعة تجاه مثل هكذا نوع من الخطاب.
ويتصاعد الخطاب التحريضي ضد الرموز الدينية في كل عام مع اقتراب ودخول شهر محرم والذي يشهد طقوسا وممارسات دينية للطائفة الشيعية أبرزها إحياء ذكرى استشهاد الإمام الحسين بن علي.
وخلال الأسابيع الماضية، ومع اقتراب موعد انطلاق الحملة الإعلامية للأحزاب استعداداً للانتخابات المقررة في 11 نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، لجأت قوى سياسية وجماعات مسلّحة تمتلك أجنحة سياسية، إلى استغلال وسائلها الإعلامية ومحلليها وصحافييها ومراقبيها، لإطلاق خطابات عنصرية وإقصائية وطائفية باعتبارها وسيلة للتحشيد.
في وقت يواجه فيه القضاء والادعاء العام انتقادات حادة بسبب عدم تحركهما لضبط تلك المواقف والتصريحات، والتي تكون غالباً مصحوبةً بلغة تحريض وكراهية، رغم أن هذه الخطابات لا تجد مريدين ولا مؤيدين.
ومنتصف شهر حزيران الجاري ألقى شاعر شعبي من جنوب العراق (عبد الحسين الحاتمي) قصيدة في مرقد ديني بمحافظة ميسان تهجم فيها على السيدة عائشة زوجة الرسول محمد عليه السلام وأصحابه المقربين (أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان)، كما تضمنت القصيدة على التحريض عبر إطلاق عبارات الثأر وغيرها من العبارات المسيئة.
كما شهدت العاصمة بغداد اقتحام سيارات يستقلها مسلحون لمنطقة العامرية التي يسكنها غالبية سنية وقاموا بإطلاق عبارات السب والشتم ضد رموز المسلمين السنة وكبار صحابة الرسول وزوجاته، كما تقتحم مجموعات مسلحة بين حين وآخر مناطق عديدة في بغداد وتعمد إلى ممارسات استفزازية عبر التطاول والتجاوز على رموز المسلمين.
وأثارت تلك الممارسات ردود فعل غاضبة في الشارع السني، وسط صمت حكومي واضح، وتجاهل من القوى والفاعليات الشيعية المتنفذة في الدولة، إذ لم تبادر الأولى بالتحرك لاعتقال الأشخاص الذين يحاولون إهانة الرموز الدينية، فيما لم يصدر عن الثانية حتى بيانات إدانة أو استنكار لتلك الممارسات، وهو ما وصفه مراقبون بأنه السبب الأبرز في تمادي تلك الأصوات واستمرارها في إساءتها ومحاولتها إثارة الشعارات التحريضية المذهبية والطائفية، لا سيما في الفترات الحساسة التي يشهدها الشرق الأوسط.
وخلال اليومين الماضيين، ضجت مواقع التواصل الاجتماعي بحملة واسعة للتنديد بتلك الإساءات والتجاوزات، وأكد مدونون وناشطون أن تلك الشعارات من شأنها تمزيق الصف الوطني، وفيما شددوا على أن الإساءة للرموز الدينية ليست حرية شخصية، بل جريمة يعاقب عليها القانون العراقي النافذ، دعوا السلطات إلى التحرك العاجل لمحاسبة الشاعر عبد الحسين الحاتمي وغيره من مطلقي شعارات التحريض والإساءة الطائفية.
وتنص القوانين العراقية على تجريم الطائفية والتحريض عليها وإثارة النعرات التحريضية بين مكونات الشعب، إضافة إلى تجريم الإساءة للرموز الدينية أو توجيه الإهانة لهم، كما يؤكد الخبير القانوني والمحامي عامر الدليمي، الذي يشير إلى أن المشكلة في عدم فاعلية تلك القوانين وعدم ردعها للمخالفين هو الانتقائية في تنفيذها، إذ يكون التنفيذ في الغالب عبر سياسة الكيل بمكيالين، حسب تعبيره.
وقال الدليمي في حديث لشبكة "الساعة": إن "الإساءة للرموز الدينية المقدسة لدى كافة الطوائف المعترف بها في العراق تعد جريمة يعاقب عليها القانون، حيث نصت المادة الـ 372 خامسا من قانون العقوبات العراقي (يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على ثلاث سنوات او بالغرامة من أهان علنا رمزاً او شخصاً هو موضع تقديس وتمجيد واحترام لدى طائفة دينية)"، مبيناً أن "تلك الإهانات لا يمكن تبرر تحت مسمى حرية العقيدة وحرية الرأي وان كانتا مكفولتين بموجب الدستور".
وأضاف الدليمي: أن "الإهانة هي كل تعبير متعمد يصدر من أي شخص أو كيان ويعتبر مهينا بالنسبة للشخص العادي، فكيف بالطوائف التي تمجد رمزا معينا".
وتابع أن "هذه الجريمة ذات تأثير سلبي خطير على المجتمع لأنها تؤدي إلى إثارة أبناء المجتمع طائفيا بسبب إهانة رموزهم الدينية وأن هذه الآثار تزداد خطورة في زمن الفتنة والحروب".
وبين الدليمي أن "جريمة الإساءة للرموز وإهانتهم في العراق الذي شهد حربا طائفية مريرة وفي وضع يشهد تحشيدا طائفية مع انتشار السلاح بيد الكثير من المحرضين فإن جريمة الإساءة تكون أقرب لجريمة التحريض الطائفية وإثارة الحرب والفتنة الطائفية والتي يعاقب عليها القانون بأشد العقوبات، والتي ربما تصل لعقوبة السجن المؤبد أو الإعدام، في حال تسبب ذلك التحريض والخطاب إلى جرائم قتل".
ونوه الدليمي إلى أن "جريمة اثارة الحرب الاهلية او الاقتتال الطائفي من أخطر الجرائم المقوضة لأمن الدول واستقرارها، لذا جاءت أغلب القوانين العقابية للدول بالعقاب عليها، وقد جرمها قانون العقوبات العراقي في المادة 195، وكذلك في قانون مكافحة الإرهاب في الفقرة الرابعة من المادة 2، وأن المشرع وضح أن الاقتتال الطائفي لا يشمل فقط الأعمال المادية لجريمة القتل وإنما الخطاب الطائفي والتحريض من أجل إثارة الحرب الأهلية".
من جهته يرى الناشط العراقي محمد السالم أن عدم تطبيق القوانين الخاصة بمكافحة الإساءة للرموز الدينية أو التحريض الطائفي تجرع لوجود الانتقائية وغياب العدالة في تطبيق تلك القوانين.
وقال السالم في حديث لشبكة "الساعة": إن "الخطاب الطائفي جريمة خطيرة تمثل تهديدًا للاستقرار والأمن، ويمكن أن يؤدي إلى أعمال عنف وإرهاب"، مشددا على "ضرورة محاربة هذا الخطاب بكل الطرق الممكنة من خلال التوعية والتعليم والتسامح والوحدة الوطنية".
وأضاف السالم: أن "قانون مكافحة الإرهاب لعام 2005 ينص على اعتبار الفتنة الطائفية جريمة إرهابية، وفق المادة الرابعة من القانون، لكن ورغم هذه القوانين، لم يشرع العراق حتى الآن قانوناً خاصا يجرم التحريض أو الخطاب الطائفي، ما يجعل المتهمين بهذه الخطابات يحتالون على النصوص القديمة إذا ما تقدمت جهة ما بشكوى ضدهم".
وتابع أن "استمرار تلك الجرائم والتحريض والإساءات يرجع إلى تطبيق أشد العقوبات القانونية على مكون معين دون آخر، فقانون مكافحة الإرهاب يلاحق به المكون السني في حال حمل السلاح، بينما لا يحاسب حاملي السلاح من المكون الشيعي، وكذلك الحال بالنسبة لخطاب التحريض الطائفي أو إهانة الرموز الدينية".
ودعا السالم السلطات الحكومية والقضائية إلى "أثبات أنهما حكومة وقضاء عراقيين لا طائفيين وذلك من خلال ملاحقة مرتكبي جرائم التحريض والإساءة وتنفيذ أشد العقوبات بحقهم لإثبات هويتها العراقية وأنهما لكل العراقيين من جهة، ولمنع انزلاق البلاد نحو الحرب الأهلية من جهة أخرى".
ومن المفارقات الغريبة بهذا الخصوص، تحرك الوقف الشيعي في العراق، العام الماضي عبر إجراءات وصفها بالدستورية والقانونية تجاه ما عدها "الإساءة إلى الرموز الدينية الشيعية" في الاعمال الدرامية، كردة فعل على ظهور شخصية "مهدي أبو صالح" في المسلسل الاجتماعي "عالم الست وهيبة 2" وهو ما اعتبرته المؤسسة الدينية مساساً بالإمام "المهدي" (الإمام الـ 12 لدى الطائفة الشيعية)، في حين أن المسلسل لم يتعرض من قريب أو بعيد للرموز الدينية، على عكس الإساءات والسب والشتم المباشر لرموز المسلمين "السنة" كزوجات الرسول وأصحابه، ورغم ذلك لم تتحرك أي مؤسسة حكومية رسمية ضد الأصوات المسيئة.
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام