انتهت حرب الـ 12 يوما بين "إسرائيل" وإيران، بعد أن فرضت الولايات المتحدة الأمريكية رغبتها ووضعت شروطها وأعلنت عن وقف القتال، ليبدأ طرفي الحرب بعد ذلك بتبني خطاب النصر على الآخر بغض النظر عن الخسائر التي تكبدتها طهران وتل أبيب والأهداف المحققة من الهجمات الصاروخية والقصف المتبادل الذي وصف بالأعنف منذ الغزو الأمريكي للعراق وأفغانستان مطلع القرن الحالي.

ورغم ادعاء كل من الكيان الإسرائيلي وإيران النصر وذلك عبر الاحتفالات الرسمية التي أقامتها سلطات الكيان وإيران في الساحات العامة، إلا أن نهاية الحرب بعد التدخل الأمريكي تؤكد هيمنة وسيادة أمريكية كاملة على الشرق الأوسط، حتى وصف بعض الخبراء والمراقبين أن المنتصر الوحيد من المعركة الحالية هي الولايات المتحدة، أما إيران و"إسرائيل" فالأقرب أنهما خرجا بأنصاف الحلول، نصف الربح ونصف الخسارة.

ويرى محللون أن الاتفاق الذي أعلنه ترامب ربما يمثل أفضل صيغة لجميع الأطراف المنخرطة في الصراع، وأن تلك الأطراف خرجت رابحة بنسب متفاوتة، فالولايات المتحدة برهنت لخصومها على تفوقها العسكري من خلال استعراض القوة الذي تمثل في الضربة التي استهدفت المنشآت النووية الإيرانية.

الخسائر الإيرانية

على الصعيد الإيراني، خسرت طهران عددا من القادة العسكريين من الصف الأول خاصة في اليوم الأول للهجمات الإسرائيلية.

وخسرت إيران خلال الحرب نحو 650 شخصا وأصيب الآلاف، ومن بين القتلى كبار القادة العسكريين، على رأسهم رئيس الأركان محمد حسين باقري، وقائد الحرس الثوري حسين سلامي، فضلا عن قائد مقر خاتم الأنبياء علي شادماني بعد أيام قليلة على تعيينه، وغيرهم العشرات.

فيما أكد مصدر "إسرائيلي" أن "بلاده اغتالت ما يقارب 30 قائداً عسكرياً إيرانياً رفيعاً، كما اغتالت إسرائيل أكثر من 17 عالماً"، وفق ما أفادت وسائل إعلام إسرائيلية.

وأيضا تضررت المنشآت النووية الإيرانية، التي تعرضت للتدمير بشكل كامل أو جزئي، حسب الرواية الإسرائيلية، خاصة مع الضربات التي وجهتها الولايات المتحدة لـ 3 منشآت نووية وهي (فوردو وأصفهان ونطنز).

لكن الأهم في استهداف المنشآت النووية الإيرانية يتمثل بضياع جهد سنوات طويلة لإنشاء هذه المواقع النووية والذي كلف طهران المليارات، ولا شك أن إعادة بنائها إذا حصل سيكلفها باهظاً.

يضاف إلى ذلك، الخسائر الاقتصادية الكبيرة في إيران والدمار في البنية التحتية نتيجة الهجمات الإسرائيلية.

الخسائر "الإسرائيلية"

أما في "إسرائيل"، فقد خسرت نحو 30 قتيلا إلى جانب 592 مصاب، بحسب إعلام السلطات الإسرائيلية، في حين قدرت كلفة إصلاح المباني المتضررة في الكيان لاسيما تل أبيب وحيفا وبئر السبيع بحسب صحف غربية وإسرائيلية بنحو 1.3 مليار دولار.

وكلفت الحرب "إسرائيل" مئات المليارات من الدولارات يوميا، إذ تعتبر كلفة الصواريخ الاعتراضية التي تتصدى للصواريخ والمسيرات الإيرانية كبيرة جداً، وتصل تكلفتها إلى 200 مليون دولار يوميًا، وفق تقديرات خبراء.

فنظام "مقلاع داود" الذي يسقط الصواريخ قصيرة وطويلة المدى، كلف حوالي 700 ألف دولار في كل مرة تم تنشيطه، وفقًا ليهوشوا كاليسكي، الباحث الأول في معهد دراسات الأمن القومي في تل أبيب.

وقال كاليسكي إن نظام أرو 3، وهو نظام آخر استخدم خلال المواجهات، لإسقاط الصواريخ الباليستية بعيدة المدى، كلف حوالي 4 ملايين دولار لكل اعتراض واحد، حسب ما نقلت صحيفة "وول ستريت جورنال".

أما النسخة الأقدم من أرو، المعروفة باسم أرو 2، فكلف حوالي 3 ملايين دولار لكل اعتراض.

من المنتصر والخاسر؟

ويرى الباحث والمحلل السياسي مصطفى العبيدي أن جانبي الحرب لم يحققا النصر، وخرجا بأقل صورة من صور الهزيمة، في حين أكد أن إسرائيل خسرت أكثر من إيران سياسيا وإعلاميا، بينما إيران خسرت أكثر من جهة تلقيها ضربات قاتلة.

وقال العبيدي في حديث لشبكة "الساعة": إن "الخسارة الإسرائيلية الأكبر تظهر بوضوح من خلال تعرض صورتها عن القوة العسكرية إلى الاهتزاز، بعد أن أخفقت القبة الحديدية في اعتراض الصواريخ الإيرانية، وبسبب ذلك تحولت مدنها ولأول مرة في تاريخها إلى مواقع للاستهداف الصاروخي يراها العالم أجمع طيلة فترة الهجمات المتبادلة"، منوها إلى أن "الضربات الإيرانية تسبب بانتهاك الهيبة الإسرائيلية التي حاولت بنائها طيلة العقود الماضية".

وأضاف أنه "تظهر الصورة الثانية من الإخفاق الإسرائيلي في فشلها في تحقيق هدفها من الضربات العسكرية، فالغرض المعلن منها كان تدمير البرنامج النووي الإيراني وهو ما عجزت عنه تل أبيب طول فترة المواجهة، لحين تدخل الولايات المتحدة التي نفذت عملية تدمير المنشآت والبرنامج النووي الإيراني بحسب إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب".

وعلى الجانب الآخر، أكد العبيدي أن "الخسارة الإيرانية تتمثل في خسارتها الصف الأول من قيادتها العسكرية والتي كانت العامل الأساس في القبضة الإيرانية على الشرق الأوسط".

 وبين أن "العالم كله شاهد تراجع النشاط الإيراني في المنطقة بعد اغتيال قاسم سليماني بضربة أمريكية في بغداد مطلع 2020"، لافتا إلى أن "الضربات الحالية ستكون أكثر وقعا وتأثيرا على إيران من خلال استهداف القيادة والسيطرة العسكرية".

وتابع العبيدي: أن "الخسارة الثانية التي تلقتها إيران خلال الحرب هي خسارة الملف النووي الإيراني"، مرجحا: "تدميره في الضربات الأمريكية، فيما شكك بالرواية الإيرانية التي تتحدث عن نقل اليورانيوم إلى مواقع آمنة".

 وشدد على أنه "وفي حال صحة الرواية الإيرانية فإن النووي الإيراني باتت مجددا تحت أعين الولايات المتحدة وإسرائيل، وتحت رحمة صواريخها".

وختم العبيدي حديثه بالإشارة إلى أن "الحرب أظهرت هشاشة الوضع الداخلي الإيراني، وحجم الاختراق الإسرائيلي للداخل الإيراني وقدرة أمريكا وإسرائيل على التحرك داخل إيران وصولا لقتل المرشد علي خامنئي وتغيير النظام، غير أن واشنطن غير مخططة لموضوع تغيير نظام طهران في الوقت الحالي، ولو أرادت ذلك لحققته خلال أيام معدود"، حسب تعبيره.

أمريكيا المنتصر الأكبر

من جانبه يرى الأكاديمي والمحلل السياسي حسام الطحان أن الولايات المتحدة هي المنتصر الأكبر في الحرب الأخيرة.

وقال الطحان في حديث لشبكة "الساعة": إن "الولايات المتحدة الأمريكية أكبر المنتصرين إذ اختصر ذلك نائب الرئيس الأمريكي الذي قال (قضينا على المشروع النووي الإيراني من دون أن يصاب جندي أمريكي واحد، وهو بذلك يعبر عن حالة البراغماتية الأمريكية ".

وأضاف: أن "إيران ومن حيث ترتيب المنتصرين في المعركة تأتي في المركز الثاني، بعد أن سحبت البساط من تحت أقدام إسرائيل التي ذهبت بعيداً في أهدافها وعملت على إسقاط النظام عن طريق إثارة الداخل الإيراني، لذلك ضحى النظام الإيراني بمشروعه النووي مقابل ضمان البقاء في السلطة وهو سلوك براغماتي أيضاً ".

وأوضح الطحان أن "إسرائيل أخر المنتصرين لأنها استطاعت القضاء على جزء لا بأس به من الترسانة الإيرانية، وقتلت عدداً كبيراً من العلماء والقادة العسكريين الذين يصعب على إيران تعويضهم في زمن قريب ".

ونوه إلى أن "خلاصة ما جرى يؤكد أن أمريكا ليست أداة بيد إسرائيل، وليس بالضرورة أن تلتقي الرؤية الأمريكية مع الرؤية الإسرائيلية، وأن الخلاصة الأخرى تشير إلى أن نظرية المسرحية لم يعد لها وجود إلا في مخيلة بعض المؤدلجين الذين لا يستطيعون مغادرة هذه الفكرة ".

أما الخلاصة الثالثة بحسب الطحان فهي أن "إيران قاتلت وحدها ولم يقدم لها الدعم من أي طرف مثل روسيا والصين لذلك لا أحد يستطيع أن يتاجر بهذا الإنجاز الإيراني البحت ".