تتصاعد المخاوف في العراق ودول أخرى من استهداف المنشآت النووية الإيرانية أو الرد الإيراني بقصف المنشآت النووية "الإسرائيلية"، لما ستنتجه تلك الضربات من تلوث إشعاعي نووي يصل مداه إلى المناطق والدول المجاورة بما فيها العراق.

وأثيرت المخاوف من تكرار كارثة "تشيرنوبل" جراء استمرار القصف "الإسرائيلي" على المواقع النووية الإيرانية وإعلان تل أبيب عن أن الهدف من عمليتها العسكرية ضد طهران هو تدمير المنشآت النووية.

وتمتلك إيران بنية تحتية نووية كبيرة، تضم منشآت بحثية متعددة ومخزونا من اليورانيوم المخصب، الذي تم تخصيب جزء منه إلى مستويات قريبة من تلك المستخدمة في تصنيع الأسلحة النووية، وتتوزع المواقع النووية بين 4 أفرع رئيسية هي مواقع التخصيب، ومراكز الأبحاث والمفاعلات النووية، ومناجم اليورانيوم.

كما تمتلك إيران مفاعلا نوويا وهو مفاعل بوشهر والذي يعد مفاعلا سلميا لأغراض إنتاج الطاقة الكهربائية ويقع على ضفاف الخليج العربي وهو الأقرب للعراق من المواقع الأخرى التي يجري فيها تخصيب اليورانيوم.

وأعلن الاحتلال الإسرائيلي شن هجمات على مواقع نووية في نطنز وأصفهان وأراك وطهران ذاتها، وتقول إنها "تهدف إلى منع إيران من صنع قنبلة ذرية"، فيما أفادت الوكالة الدولية للطاقة الذرية بوقوع أضرار في منشأة تخصيب اليورانيوم في نطنز، وفي المجمع النووي في أصفهان، بما في ذلك منشأة تخصيب اليورانيوم، وفي منشآت إنتاج أجهزة الطرد المركزي في كرج وطهران.

واستهدفت الاحتلال أيضا موقع أراك، المعروف أيضا باسم خُنداب، وهو مفاعل أبحاث يعمل بالماء الثقيل قيد الإنشاء، وهو نوع من المفاعلات قادر على إنتاج البلوتونيوم بسهولة ويمكن استخدامه، مثل اليورانيوم المخصب، في صنع نواة قنبلة ذرية.

العراق بعيد عن خطر التلوث النووي

ومع تلك التطورات، شرعت الحكومة العراقية بتفعيل محطات رصد الإشعاع النووي في عدة محافظات عراقية، ذلك تزامناً مع تصاعد المواجهات العسكرية في المنطقة، وازدياد المخاوف مع حدوث تسرب في الإشعاع النووي، إذ سارع العراق لحماية أجوائه من مخاطر الإشعاع النووي، من خلال تفعيل غرفة الطوارئ تحسبا لأي طارئ.

وأكدت الهيئة الوطنية للرقابة النووية والإشعاعية، عدم رصد أي مؤشرات خطرة حتى الآن، فيما أشارت إلى إعداد خطة من 3 محاور أحدها إقليمي لمواجهة أي خطر اشعاعي.

وقال معاون رئيس الهيئة الوطنية للرقابة النووية والإشعاعية في العراق صباح الحسيني في حديث لشبكة "الساعة": إن "الهيئة تواصل متابعة الموقف من خلال شبكة الإنذار المبكر المنتشرة في أنحاء العراق، وهي شبكة حديثة وفعالة".

وأوضح الحسيني أن "الحدود العراقية تراقب باستخدام بوابات الفحص الإشعاعي، إذ تقرأ الخلفيات الإشعاعية وتُرسل مباشرة إلى المحطات المركزية في مكاتب الهيئة".

وأضاف أن "العمل في هذه المرحلة ينقسم على قسمين: الرصد والاستجابة، فالعراق يمتلك منظومات حديثة قادرة على رصد وتشخيص أي ارتفاع في الخلفية الإشعاعية، وحتى الآن، ومع الضربات التي استهدفت منشآت داخل إيران، لم يسجل أي خلل أو زيادة في النشاط الإشعاعي على الأراضي العراقية".

وتابع الحسيني: "فيما يخص الاستجابة، هناك خطة وطنية مفعلة للتصدي لحالات الطوارئ، وغرفة الطوارئ في حالة انعقاد مفتوح كل يوم سبت، ويتم تفعيل الخطط الوطنية فور وقوع أي حادث محتمل"، وأشار إلى "وجود خطة إقليمية أيضًا لمواجهة الطوارئ، يشارك فيها العراق إلى جانب عدد من الدول العربية، وتم اعتمادها ضمن خطة الأزمات والحوادث في جامعة الدول العربية، وأقرت كذلك من قبل الوكالة الدولية للطاقة الذرية في أيلول 2024".

وبعث الحسيني برسالة اطمئنان أكد فيها أن "الوضع حتى الآن آمن، ولا توجد أي مؤشرات على خطورة إشعاعية ناتجة عن الأحداث الجارية"، وأعلن استمرار الهيئة في "الرصد وتفعيل الخطط الوطنية والإقليمية في حال حدوث أي طارئ إشعاعي أو نووي فيما ذكر بضرورة عدم استغلال التوعية في ملف متابعة ومراقبة التلوث الإشعاعي في مجال نشر الشائعات والأخبار الكاذبة والتي من شأنها زرع الرعب والخوف داخل المجتمع وفي صفوف العراقيين".

ونوه الحسيني إلى أن "الهيئة تراقب الأنشطة الإشعاعية منذ الحرب الروسية الأوكرانية، وكذلك تتابع الأوضاع بشأن وجود مواقع نووية عديدة في دول الجوار كإيران وتركيا والإمارات والسعودية وكذلك الكيان الإسرائيلي"، مبينا أن "العراق لم يسجل أي تسرب إشعاعي منذ بدء الضربات العسكرية على إيران".

وشدد الحسيني على أن "العراق في مأمن من احتمالية وصول الإشعاعات والتأثيرات النووية جراء ضرب جميع المواقع النووية الإيرانية"، لافتاً إلى أن "تأثير تلك الضربات واستهدفت قلب المفاعلات لن يؤثر على العراق لبعد المسافة من جهة ولوجود تلك المواقع على مستوى في عمق الأرض وهو ما يجعل تأثير تفجيرها محلياً على الجانب الإيراني فقط".

وزاد إن "التخوف من انفجار المفاعلات النووية وخصوصا منشآت التخصيب الإيرانية مبالغ فيه، لأن النتائج غالبا ما تكون محلية في محور 5 كم من موقع التفجير وربما يصل إلى 30 كم، إلا في حال انصهار قلب المفاعل الذي سيترتب عليه تشكيل سحابة من المواد المشعة، ولكن رغم ذلك لن يكون انتقالها ووصولها إلى العراق بسرعة أو بسهولة كما يروج البعض".

وقال موضحًا: "في حال تعرّض منشأتَي نطنز أو فوردو، حيث يُخصب اليورانيوم سواء بمستواه الطبيعي أو بدرجات منخفضة، لهجوم يؤدي إلى تدمير قلب المفاعل، فقد يتسبب ذلك بانبعاث غازات كيميائية خطرة تؤثر بشدة على المناطق القريبة، وقد تكون قاتلة هناك ومع ذلك، من غير المرجح أن تمتد آثار هذه المواد إلى العراق".

لكن المسؤول في هيئة الرقابة النووية والإشعاعية العراقية أكد أن "المخاطر الوحيدة التي تهدد العراق ودول المنطقة هي تعرض المفاعل النووي الإيراني في منطقة بوشهر للقصف والتدمير"، مبينا أن "تأثير ذلك سيصل إلى العراق ودول الخليج لقربه جغرافيا من جهة ولأن المفاعل هو يعمل بشكل كامل ويحتوي على اليورانيوم المخصب على عكس المواقع الأخرى التي يجري فيها تخصيب اليورانيوم لحد الآن".

الخطر في مفاعل بوشهر

وبحسب كبير خبراء الوكالة الدولية للطاقة الذرية يسري بو شادي سابقا، فكشف عن أن الخطر الإشعاعي الكبير جراء ضرب المواقع النووية الإيرانية يتمثل في ضرب مفاعل بوشهر.

وقال الخبير يسري بو شادي في تصريحات صحفية تابعتها شبكة "الساعة": إن "الخطر الحقيقي في حال ضرب المواقع الإيرانية النووية يتمثل في استهداف موقع بوشهر لأنه يحتوي على كميات كبيرة من الوقود المنشطر والمستهلك والذي قد يؤدي استهدافه إلى تسرب إشعاعي كبير ويوصل إلى كارثة نووية تشبه كارثة تشرنوبل وهيروشيما".

لكن الخبير يسري بو شادي: "استبعد استهداف مفاعل بوشهر الذي يعمل بشكل كامل، وذلك بسبب إدارته من قبل الجانب الروسي وتواجد الروس فيه، وهو ما يجعل احتمال استهدافه من الجانب الإسرائيلي مستبعدا".

آثار التسرب الإشعاعي النووي

ويلحق التلوث الإشعاعي أضرار سريعة وفتاكة في البشر، بعد وقوعه، خاصة لمن يتعرض لجرعات عالية، وتبدأ أعراض التأثر به من خلال الغثيان الشديد والقيء وفقدان الشعر وتلف نخاع العظام والاحتمالية الكبيرة للوفاة خلال أيام.

كما يسبب التلوث حروقا إشعاعية، تسبب تقرحات جلدية حادة، فضلا عن آثار طويلة الأمد، مثل مرض سرطان الغدة الدرقية بسبب انتشار اليود، وسرطانات الدم والرئة والثدي، وغيرها من الأمراض الخطيرة.

إضافة إلى ذلك، تحدث طفرات جينية تؤثر على الأجيال المستقبلية، وتزيد احتمالات التشوهات الخلقية، فضلا عن الأمراض المزمنة مثل ضعف المناعة وأمراض القلب وإعتام عدسة العين.

كما تسبب الإشعاعات النووية كوارث بيئية عند استقرارها في التربة لعقود وربما لقرون، بشكل يجعل من المستحيل الاستفادة منها.

ويؤدي التلوث الإشعاعي إلى قتل كافة الكائنات الدقيقة في التربة، ويفقدها الخصوبة، ويدمر دعم النباتات، وفي حال زراعة أي محاصيل في تربة ملوثة إشعاعيا، فإن النويدات المشعة تنتقل قبل الجذور، ويلوث المحاصيل بالنتيجة لذلك.

وعلاوة على التربة، الحيوانات التي تتغذى على النباتات في المناطق الملوثة، تنتقل إليها المواد المشعة ما يؤدي إلى إصابتها بالأمراض وتصبح لحومها ملوثة وغير صالحة للاستهلاك.

تأثر العراق بالتلوث

من جانبه توقع الأكاديمي والباحث في مجال البيئة وليد البياتي أن العراق قد يتأثر في حال أسفر استهداف المواقع النووية الإيرانية إلى التلوث والتسرب الإشعاعي.

وقال البياتي في حديث لشبكة "الساعة": إن "التسرب الإشعاعي من المنشآت النووية الإيرانية قد يجعل محافظات العراق الجنوبية كالبصرة وميسان تتأثر بالإشعاع إن كان اتجاه الرياح نحو العراق أي باتجاه الجنوب الغربي"، مشيرا إلى أن "اليورانيوم المنضب يشبه الغبار ويمكن أن ينتقل بالهواء والمياه".

وأكد أن "استمرار اعتماد العراق على الجانب الإيراني في استيراد السلع والمواد الغذائية والخضروات قد يدفع نحو كارثة مستقبلية إذا ما تعرضت المنشآت النووية إلى الاستهداف المباشر"، مشيرا إلى "ضرورة وقف استيراد المواد الغذائية من إيران في الوقت الحالي كإجراء احترازي للحفاظ على سلامة المواطنين".