فاجأت استقالة أعضاء المحكمة الاتحادية الأوساط الرسمية والشعبية في العراق، إذ بسببها تبقى العديد من الملفات المهمة والمصيرية معلقة ومنها ملف الانتخابات البرلمانية ورواتب موظفي إقليم كردستان إلى جانب الطعون المقدمة في اتفاقية خور عبد الله الموقعة مع الجانب الكويتي.

وكان الأبرز في مفاجأة الاستقالة عدم تقديم القضاء سببا واضحا لتلك الاستقالة، الأمر الذي يرجح الرأي القائل بالخلافات بين أعضاء ورئيس المحكمة من جهة، والضغوط التي تمارس على المحكمة لتسيسها وخضوعها المحتمل لرغبات السلطة التنفيذية.

والخميس 19 حزيران، قدم 6 أعضاء في المحكمة الاتحادية العليا مع 3 قضاة احتياط استقالاتهم من المحكمة التي تعد أعلى سلطة قضائية في العراق.

وقبل الاستقالة أرجأت المحكمة الاتحادية العليا في العراق النظر في الطعنين المقدَّمين من الرئيس العراقي عبد اللطيف رشيد، ورئيس الوزراء محمد السوداني، في قرار بطلان قانون تصديق اتفاقية تنظيم الملاحة في خور عبد الله بين حكومتي العراق والكويت.

وفيما سبق، تقدم الرئيس العراقي ورئيس الوزراء، في منتصف شهر نيسان الماضي، بطعنين منفصلين أمام المحكمة في قرارها ببطلان قانون الاتفاقية، مطالبيْن بالعدول عنه وإعادة الاعتبار للقانون.

وحدّدت المحكمة 22 أبريل الماضي موعداً للنظر في الدعوتين، ثم أرجأته إلى 30 منه، ثم عادت لترجئه إلى 22 يونيو الحالي، لتعود وتُقدم الموعد إلى أمس الخميس، ولتقرر تأجيل الجلسة إلى 25 يونيو.

وتتكون المحكمة الاتحادية من 9 قضاة رئيسيين من ضمنهم رئيس المحكمة الاتحادية، إلى جانب 4 قضاة احتياط، ولا يمكن للمحكمة البت في القرارات إلا بمشاركة 9 من القضاة، وهو ما يجعل الاستقالة الأخيرة لـ 9 من قضاة الاتحادية معطلة للمحكمة وعملها.

وبسبب القوانين المعمول الخاصة بتنظيم عمل المحكمة الاتحادية، فإن استقالة القضاة ستقدم إلى رئيسها والذي بدوره يقدمها لرئيس مجلس القضاء الأعلى، ومن حق الأخير الموافقة عليها أو التريث بالموافقة لحين معرفة الأسباب والدوافع أو إحالتها لهيئة الإشراف القضائي للبت في الطلب.

 وفي حال نفذت الاستقالة وتم الموافقة عليها فتعرض على رئيس الجمهورية لإصدار مرسوم جمهوري بذلك، ثم يصار إلى تقديم مرشحين جدد لسد الشواغر في مقاعد قضاة المحكمة والذين يتم تقديمهم واختيارهم من قبل رؤساء مجلس القضاء والمحكمة الاتحادية والإشراف القضائي والإدعاء العام، وبعد ذلك يتم عرض المرشحين الذين يتم اختيارهم إلى رئيس الجمهورية لإصدار مرسوم جمهوري بهم تمهيدا لمزوالة أعمالهم.

لكن القوانين المنظمة لعمل المحكمة الاتحادية لا تتضمن تفاصيل خاصة بإستقالة قضاتها واختيارهم ضمن مدة زمنية محددة، إذ إن المحكمة تعمل وفقا قوانين سُنّت قبل كتابة الدستور العراقي عام 2005 ومن ثم عدلت بطريقة مؤقتة، الأمر الذي يدفع الأمور الحالية نحو فراغ دستوري ومشكلة قانونية واضحة خاصة مع توقف سير العديد من الملفات بمصادقة المحكمة الاتحادية وأبرزها نتائج الانتخابات.

أسباب استقالة القضاة

لم يقدم قضاة المحكمة الاتحادية أسبابا محددة وراء طلب الاستقالة، ولكن مصادر قضائية أفادت بأن الاستقالات تأتي على خلفية خلافات متراكمة بين مجلس القضاء الأعلى والمحكمة الاتحادية بسبب الشد والجذب وإلغاء القرارات وتفعيل أخرى، بقضايا متفرقة من بينها قضايا خلفت مشكلات في العلاقة، مثل العفو العام الذي ألغت العمل به المحكمة الاتحادية فيما أرجعته إلى العمل سلطة مجلس القضاء الأعلى، ثم قضية النزاع على خور عبد الله بالبصرة مع الكويت، وأخيراً قضية قانون التقاعد.

وبحسب تلك المصادر فأن "القرار هو طريقة احتجاج من قضاة المحكمة الاتحادية على سياسات مجلس القضاء الأعلى، لا سيما وأن المحكمة تعتبر أن قراراتها غير قابلة للتمييز، لكن رئيس محكمة التمييز الاتحادية القاضي فائق زيدان (نفسه رئيس مجلس القضاء الأعلى)، أقدم أخيراً على تعطيل قوانين بتت بها المحكمة الاتحادية وكان آخرها قانون التقاعد".

لكن نواب في البرلمان أكدوا أن استقالة القضاة كانت نتيجة الضغوط الكبيرة التي تُمارس على المحكمة في قضية خور عبدالله.

وقال عضو اللجنة القانونية النيابية، النائب رائد المالكي، في بيان ورد لشبكة "الساعة": إن "الحكومة وجهات عليا أخرى تسعى إلى تحويل المحكمة الاتحادية إلى أداة مطيعة، لتنفيذ قراراتها تحت ذريعة حماية المصالح العليا"، مشددا على أن "هذا الوضع لا يمكن السكوت عليه".

وعد المالكي أن "معظم القيادات المتصدية للشأن السياسي قد فشلت في بناء دولة مؤسسات حقيقية، تقوم على احترام سيادة الدستور وتطبيق القانون"، ولفت إلى أن "النواب سيباشرون مشاورات مع زملائهم لتشكيل موقف موحد تجاه هذه الأزمة، التي وصفها بأنها سابقة خطيرة في مسيرة القضاء العراقي".

وتعود الاستقالة، وفقًا لمصادر، إلى خلافات بين الأعضاء ورئيس المحكمة جاسم العميري بسبب محاولته تسييس المحكمة وانفاذ الضغوط والإملاءات السياسية عليها، لاسيما وأن العميري قد طلب بكتاب رسمي لرئاسة البرلمان يتطلب دعوة المحكمة الاتحادية لاجتماع مع قادة الكتل السياسية لبحث الإشكاليات داخل المحكمة، لكن رئيس البرلمان محمود المشهداني رفض ذلك الطلب وأكد أن الاجتماع لا يعالج الإشكاليات داخل المحكمة، إنما يمس استقلال القضاء ويخل بالفصل بين السلطات.

 وقال المشهداني في وثيقة اطلعت عليها شبكة "الساعة": إن "طبيعة عمل المحكمة يجب أنْ تبقى مستقلة ومحايدة ولا يجوز التدخل فيها من جهات تنفيذية أو تشريعية أو رقابية"ـ

وأشار إلى أن "معالجة الخلافات أو التفسيرات المتباينة للنصوص الدستورية ليست من تخصص الهيئات المشتركة أو الاجتماعات العامة، بل هي من صلب عملِ المحكمة دستوريا"، كما شدد على أنّ "السلطة القضائية سلطة مستقلة لا تخضع لرقابة أو توجيه من أي جهة أخرى".

وأيد الرأي الأخير النائب السابق والسياسي مشعان الجبوري الذي وصف استقالة القضاة تمثل صرخة لرفض تحويل المحكمة الاتحادية إلى إداة بيد الأحزاب السياسية.

وقال الجبوري في تغريدة على منصة "X": إنه "في سابقة خطيرة، طلب رئيس المحكمة الاتحادية من رئيس البرلمان أن تجتمع القوى السياسية للفصل في نزاعه مع محكمة التمييز وهو ما يمثل خرقا فاضحا للدستور".

 وأوضح أن "رفض المشهداني للطلب أحبط محاولة جاسم العميري وضع القضاء في يد الأحزاب"، مشيرا إلى أن "استقالة القضاة تمثل صرخة شرف ضد جر المحكمة إلى ميدان السياسة".

وعلى الرغم من حديث بعض السياسيين الكرد عن أن استقالة القضاة وتعطيل عمل المحكمة جاء لتأجيل حسم موضوع صرف رواتب موظفي إقليم كردستان، غير أن مصادر قضائية نفت تلك المعلومات واكدت عدم صلتها بملف الاستقالة.

تداعيات الاستقالة

وحذر نواب وقانونيون من تأثيرات تعطيل عمل المحكمة الاتحادية على أصل إدارة الدولة، وتأجيل الانتخابات البرلمانية المقررة في تشرين الثاني المقبل.

وقال النائب عامر عبد الجبار في بيان ورد لشبكة "الساعة": إن "تقديم 9 قضاة أستقالاتهم من المحكمة الاتحادية قد ينذر بعواقب وخيمة على أصل إدارة الدولة، ويشكل سابقة خطيرة في تاريخ القضاء الدستوري العراقي، حيث ستتجاوز التأثيرات الدستورية كل من (الشرعية الدستورية، والاستقرار المؤسسي، والتوازن بين السلطات)".

وأوضح عبد الجبار بأن "الاستقالة الجماعية لهذا العدد من القضاة يمثل تهديداً مباشراً لإنعدام تحقيق النصاب اللازم لانعقاد المحكمة والاستمرار بعملها وهو ركيزة أساسية ضمن المنظومة القضائية بالمستويات الدستورية العليا الضامنة للعملية الديمقراطية في العراق وآلية الدفاع عن حقوق الشعب العراقي داخلياً وخارجياً".

من جهته، حذر مركز حقوقي عراقي من خطورة قبول استقالات قضاة المحكمة الاتحادية العليا خلال الفترة الراهنة مع إقبال البلاد على إجراءات تشريعية في نهاية العام الحالي ممثلة بالانتخابات.

وقال حازم الرديني، رئيس المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان، في بيان، إنه "لا يمكن إجراء الانتخابات البرلمانية القادمة في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 دون وجود أعضاء المحكمة الاتحادية؛ لأن الدستور العراقي نصّ على أنه من اختصاص المحكمة الاتحادية المصادقة على نتائج الانتخابات النيابية النهائية".

وأضاف أنه "بخلاف ذلك، تدخل البلاد في فراغ تشريعي لانتهاء عمر مجلس النواب بموجب المادة 49 من الدستور، والتي حددت عمره بأربع سنوات من تاريخ انعقاد أول جلسة، وتتحول الحكومة إلى تصريف أعمال".