بعد مرور 6 أشهر على الهدنة بين الفصائل العراقية المسلحة والقوات الأمريكية بوساطة الحكومة العراقية، تعود كتائب حزب الله لتضع تلك الهدنة على المحك، إذ لوحت باستئناف عملها العسكري ضد القواعد العسكرية الأمريكية في حال استمر بقاؤها في العراق خلافا لما تم الإعلان عنه من وضع جدول زمني للانسحاب.

إذ هددت كتائب حزب الله العراقية، أحد أبرز الفصائل المسلحة الحليفة لطهران، باستئناف استهداف المصالح العسكرية الأميركية في حال عدم انسحابها وفق ما أعلنت الحكومة العراقية عبر جولات التفاوض السابقة مع واشنطن.

وقال المسؤول الأمني لكتائب حزب الله، أبو علي العسكري، في بيان له: "الكتائب تراقب موضوع انسحاب قوات الاحتلال الأميركي المجرم من العراق والمواقع المتفق عليها مع الحكومة العراقية، وأولها الخروج الكامل من العمليات المشتركة وقاعدة عين الأسد ومعسكر فيكتوريا (المطار)، وإخراج طائراتهم التجسّسية والحربية من سماء العراق".

وشدد على أن "على الجميع تحمل مسؤولياتهم والعمل على إنهاء تسويفات العدو الأميركي، وإلا ستوجه لهم ضربات شديدة تخرجهم تحت النار مجبرين".

وكانت بغداد وواشنطن قد توصلتا، نهاية أيلول / سبتمبر الماضي، إلى موعد رسمي لا يتجاوز نهاية أيلول / سبتمبر 2025 لإنهاء مهمة التحالف الدولي ضد تنظيم "داعش" في البلاد، بعد جولات حوار امتدت لأشهر بين الجانبَين، على إثر تصاعد مطالب الفصائل المسلحة والقوى العراقية الحليفة لإيران بإنهاء وجود التحالف.

وتوقفت عمليات الفصائل العراقية ضد الأهداف والمصالح الأميركية في العراق منذ قرابة عام كامل، لكنها استمرت ضد أهداف في الكيان الإسرائيلي والتي توقفت هي الأخرى نهاية العام الماضي، أثر تغييرات شهدتها المنطقة أبرزها انهيار حزب الله اللبناني وسقوط نظام بشار الأسد في سوريا والاتفاق المؤقت لوقف القتال في قطاع غزة.

ولم يكتفِ بيان القيادي في كتائب حزب الله أبو علي العسكري بالتلويح باستهداف القواعد الأمريكية، بل هاجم إقليم كردستان على خلفية عقوده الأخيرة مع الجانب الأمريكي في مجال الغاز والنفط.

واللافت أن بيان العسكري قد تحدث عن الانتخابات البرلمانية المقبلة، ودعا إلى المشاركة الواسعة فيها، فيما أعلن بوضوح دعم حركة حقوق في الانتخابات ومرشحها حسين مؤنس، وهو ما دفع بعض المراقبين إلى وصف بيان أبو علي العسكري بأنه أحد أنواع التحشيد الانتخابي على اعتبار أنه ربط ما بين استهداف القوات الأمريكية وملف الانتخابات التي من المقرر اجراؤها في الـ 11 من تشرين الثاني المقبل.

لكن المحلل السياسي علي فضل الله المقرب من الفصائل العراقية المسلحة يرى في تهديد العسكري الأخير بأنه تنبيه للجانب الأمريكي بضرورة الالتزام بمواعيد الانسحاب من العراق وعدم الانقلاب على تلك الاتفاقات.

وقال فضل الله في تصريح لشبكة "الساعة": إن "كتائب حزب الله تحترم الهدنة التي تم التوصل إليها بين الجانب الأمريكي والحكومة العراقية وهي ما تزال ملتزمة بها في محاولة منها لترك المجال للحكومة العراقية لممارسة العمل السياسي من أجل إخراج القوات الأمريكية".

وأضاف أن "الكتائب سبق لها مع بعض الفصائل قد خولت الحكومة العراقية بالعمل الدبلوماسي من أجل ترتيب وتنفيذ الاتفاق المبرم مع الجانب الأمريكي في ملف الانسحاب من العراق"، مؤكدا أن "تلويح العسكري باستئناف العمل المسلح ضد المصالح الأمريكي يأتي نتيجة السلوك غير الطبيعي من الجانب الأمريكي وعدم الالتزام بالاتفاقات المسبقة بخصوص الانسحاب العسكري من الأراضي العراقية".

ولفت إلى أن "بيان العسكري يأتي كرسالة إلى الجانب الأمريكي مفادها أنه في حال عدم تنفيذ الاتفاق بشأن الانسحاب فإنه سيتم اللجوء إلى خيارات أخرى ومنها الخيار المسلح والعسكري".

أما عن الموقف من الانتخابات فأشار فضل الله إلى أن "كتائب حزب الله تدعم حركة حقوق القريبة منها في العملية السياسية وتحمل رسالة إلى جماهير الحركة والحزب بضرورة دعم مرشحها في الانتخابات البرلمانية المقبلة".

من جهته يرى الباحث في الشأن السياسي مصطفى العبيدي في تهديدات العسكري الأخيرة مجرد تحشيد إعلامي ودعائي لتحقيق الكسب في الانتخابات البرلمانية المقبلة.

وقال العبيدي في حديث لشبكة "الساعة": إن "الفصائل المسلحة العراقية لا يمكن أن تدخل في مواجهة مع الجانب الأمريكي في هذا التوقيت لأنها تعلم جيدا أن أمريكا بقيادة ترامب ليست أمريكا بقيادة بايدن، كما تعلم جيدا أن الرد الأمريكي عليها سيكون ساحقا وربما يشمل عموم النظام السياسي القائم في العراق".

وأوضح أن "تصريحات أبو علي العسكري تندرج ضمن الدعاية والتحشيد الانتخابي، وأن كتائب حزب الله وغيرها من الفصائل غير جادة في توجيه الضربات للمصالح الأمريكية في هذا التوقيت وأن ما تقوله بهذا الخصوص مجرد شعارات إعلامية لن ترى سبيلها إلى التنفيذ".

ولفت العبيدي إلى أن "تلك الفصائل ربما تكون غير جادة حتى في موضوع سحب القوات الأمريكية من العراق"، مبينا أن "ما ذكره رئيس الوزراء السابق مصطفى الكاظمي مؤخرا يكشف عن أن تلك الجهات تارة تطلب بسحب القوات الأمريكية وتارة ترى ضرورة بقائها، كما أنها تعمل في النهار تحت مظلة الحشد وفي الليل تعمل تحت مظلة الفصائل، وهو ما يعكس ازدواجية موقف الفصائل في هذا الموضوع"، حسب تعبيره.

أما أستاذ العلوم السياسية في جامعة المستنصرية عصام الفيلي فتوقع أن تنخرط الكتائب في العمل المسلح ضد المصالح الأمريكية، لكنه رهن هذا الموقف بنتائج المفاوضات والعلاقة بين الولايات المتحدة وإيران.

وقال الفيلي في حديث لشبكة "الساعة": إن "كتائب حزب الله ستذهب مع التصعيد العسكري ضد الولايات المتحدة في حال المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، فهي ستكون بجانب الأخيرة كونها ترتبط عقائديا بفمهوم ولاية الفقيه".

وأضاف أن "دعوة العسكري للمشاركة في الانتخابات ودعم حركة حقوق ليست بالغريبة على اعتبار أن الكتائب قد شاركت في الحكومة والبرلمان الحالي وأنها جزء من النظام السياسي الحالي"، مبينا أن "الكتائب في دعوة العسكري تؤكد دعم النائب حسين مؤنس الذي عاد مؤخرا إلى الكتائب بعد أن غادرها في الفترة السابقة".

وأوضح الفيلي أن "تهديدات حزب الله تجاه إقليم كردستان ليست بالجديدة أيضا بل تكررت في الفترة الأخيرة بسبب الفجوة الواسعة بين الفصائل المسلحة وسياسة إقليم كردستان وقربه من الولايات المتحدة"، لافتا إلى أن "تلك الفصائل تختار توقيتات الخلافات والتوتر في العلاقة بين بغداد وأربيل لإطلاق التهديدات نحو كردستان كما حصل في فترات سابقة".

وتأتي تهديدات القيادي في حزب الله أبو علي العسكري باستهداف المصالح الأمريكية في وقت تشهد واشنطن وطهران إجراء جولات من المفاوضات بشأن الملف النووي والشروط الأمريكية على إيران.

وشدد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على أن واشنطن لن تسمح لإيران بأن تطور البرنامج النووي الإيراني ولو لأي مرحلة من المراحل.

وكانت واشنطن قد فرضت شروطا على إيران من أجل تجنيبها العمل العسكري، أبرزها الموافقة على تفكيك البرنامج النووي وحل الفصائل المسلحة القريبة من إيران في المنطقة ونزع الأسلحة الصاروخية الإيرانية.