رغم التطورات التكنولوجية وانتشار التعليم، لا تزال ظاهرة السحر والشعوذة تحكم قبضتها على قطاعات واسعة من المجتمع العراقي مستفيدة من هشاشة الوعي النفسي والديني وتراخي الردع القانوني وغياب الخدمات النفسية.
في عمق هذه الظاهرة، تتوالى القصص عن ضحايا دفعهم اليأس والجهل للجوء إلى من يبيعون الأمل مقابل المال، ليجدوا أنفسهم في دوامة من الخسارات المادية والنفسية، دون حماية قانونية رادعة أو تدخل رسمي جاد.
تجارة الوهم
في الثلاثين من عمرها، وجدت علياء نفسها تقف أمام عرّافة، بحثًا عن مخرج من واقع قاسٍ فرضته ظروف أسرية صعبة ومعاناة مزمنة
“وتقول علياء لشبكة "الساعة" إن "زميلتي في العمل عرضت عليّ الذهاب إلى عرافة"، مضيفةً أن "مشكلتي ليست طبيعية بل سحر يمنع زواجي وحياتي وكنت يائسة وصدّقت".
وتابعت أن "العرافة طلبت منها مبلغ 1300 دولار لفك ما وصفته بـسحر قديم فأعطتها نصف المبلغ مقابل بخور وأوراق، ثم طلبت لاحقًا 400 دولار إضافية وهنا بدأت أشك"، مبينةً أن "ما حدث أنني خسرت مالي وثقتي وأدركت أن ما عشته كان وهمًا ولا يمكن لأحد أن يغيّر مصيرك إلا وعيك وربك".
جهل يُفاقم الألم
ولا تزال المفاهيم الخاطئة حول الصحة النفسية تُلقي بظلالها على تعامل كثير من العائلات مع أبنائها وبناتها فعوضًا عن مراجعة الطبيب المختص، يُؤخذ المريض إلى مشعوذ أو "معالج روحاني"، في مشهد يعكس فجوة مرعبة في الوعي والتثقيف.
وتبين الدكتورة بتول عيسى، المختصة في الطب النفسي، لشبكة "الساعة" إن "المشعوذين يجدون بيئة خصبة بين النساء والفتيات تحديدًا، في ظل نقص التثقيف النفسي وضعف الوازع الديني".
وأضافت أن "بعض العائلات لا تزال تفسّر المرض النفسي على أنه (مسّ) أو (سحر) وهذه كارثة"، مؤكدةً أن "العلاج النفسي لا يكون بالبخور، بل بالتشخيص والعلاج العلمي".
وتحذر من أن "استمرار هذا النمط من التفكير يضاعف المعاناة ويؤخر التدخل الصحيح، ويجعل الضحايا عرضة للاستغلال المتكرر".
اضطراب نفسي
من جهته، يرى الدكتور كاظم الحمداني، المتخصص في علم النفس، أن العرافة والشعوذة لا تعبر فقط عن جهل اجتماعي، بل ترتبط بما يسميه قلقًا وجوديًا مزمنًا.
وذكر الحمداني لشبكة "الساعة" أن "الإنسان حين يعجز عن فهم مشكلته أو إيجاد حل لها، يبدأ بالبحث عن أجوبة بأي ثمن، وهنا يتدخل العرّاف ليبيع له وهمًا بأنه يملك كل الإجابات"، مضيفاً أن "هذه الحالة لا تمثل استغلالًا فحسب، بل تعكس أيضًا اضطرابًا نفسيًا عميقًا لدى الطرفين".
وتابع الحمداني" أن "العرّاف نفسه قد يكون مهووسًا بالسيطرة وحب الشعور بالقوة، لكنه يشكّل خطرًا أكبر لأنه يتقمص دور المنقذ، بينما هو في الحقيقة صانع للوهم".
وغياب الردع يعزز الظاهرة
ورغم تصاعد الشكاوى، لا يجرّم القانون العراقي السحر والشعوذة بنص صريح، كما تؤكد المحامية أنوار داود الخفاجي، التي أوضحت أن بعض المواد القانونية تُستخدم لمحاصرة هذه الظاهرة، أبرزها:
• المادة 456: الاحتيال.
• المادة 410-413: الإيذاء الجسدي.
• المادة 372: انتهاك الشعائر الدينية.
• المادة 430: التهديد.
وأوضحت الخفاجي لشبكة "الساعة" أن "التكييف القانوني المتاح لملاحقة المشعوذين ممكن لكنه محدود وغير كافٍ"، مشددة على "ضرورة تشريع قانون خاص يعالج الظاهرة من جذورها ويحمي الضحايا قبل أن تتحول معاناتهم إلى مآسٍ صامتة".
الدين يحرّم.. والحاجة لا تبرر الانزلاق
لم يكن تحريم السحر في الإسلام مجرد توجيه أخلاقي، بل جاء بنصوص قطعية تُحذر من خطره وتُبيّن عاقبته، ففي سورة البقرة، يُذكر أن السحر ارتبط بالكفر والفتنة، وأن تعلّمه وتعليمه كان على سبيل التحذير لا الإباحة:
﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾
﴿إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ ۖ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَىٰ﴾
فالقرآن لا يكتفي بتحريم السحر، بل يُقرّر فشل الساحر مهما حاول أو تنقّل وهذا تأكيد على أن ما يُبنى على الباطل، مآله الهزيمة، حتى وإن بدا للبعض في لحظة ضعف أنه حلّ.
ورغم هذا التحريم الواضح، لا يزال بعض الأشخاص يبررون اللجوء إلى العرافين والمشعوذين تحت عنوان "الضرورة" أو "ضيق الحال"، متناسين أن الحرام لا يُصبح حلالًا بتغير الظروف، وأن الأذى النفسي أو الاجتماعي لا يُداوى بالوقوع في المعصية، بل بالرجوع إلى الحلول المشروعة والعلمية.
ولكن كلما استضعف الإيمان زادت مساحة الوهم وفتح الباب أمام من يستغلون الحاجة لبيع الأمل الزائف، تحت عباءة روحانية كاذبة.
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام