فجرت القمة العربية التي عقدت في بغداد في الـ 17 أيار 2025 مفاجأة من العيار الثقيل، إذ كشفت عن ملف عقارات العراق في الخارج والتي تصل قيمتها عشرات مليارات الدولارات والتي خسر العراق الكثير منها بسبب الإهمال والفساد واستيلاء جهات متنفذة عليها.
ويأتي ذلك عقب مطالبة الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود الحكومة العراقية بالتعاون في مجال الطاقة عبر إعادة تشغيل المصفاة النفطية العراقية الموجودة في الصومال والتي لم تكن الحكومات العراقية المتعاقبة بعد الغزو الأميركي عام 2003 على علم بوجودها أساسًا.
وأكد المتحدث باسم الحكومة باسم العوادي أن رئيس الوزراء محمد شياع السوداني تفاجأ بوجود أكبر مصفاة عراقية في الصومال، أنشئت في سبعينيات القرن الماضي، بعد أن أبلغه بها الرئيس الصومالي على هامش أعمال القمة العربية.
وفي السياق، قال مسؤول في وزارة النفط العراقية إنه لا يعلم ما إذا كانت الحكومة قد قررت اتخاذ خطوات عملية بشأن هذا الاكتشاف"، لكنه أكد أن "الوزارة ستتواصل مع الجانب الصومالي للاطلاع على أوضاع المصفاة وتقدير تكاليف صيانتها، إلى جانب دراسة الجوانب القانونية والفنية المتعلقة بالعراق، مرجحًا إرسال وفد من الوزارة إلى الصومال قريبًا.
وأشار خبراء الطاقة والنفط إلى اتفاقية إنشاء المصفاة العراقية في الصومال نُشرت في مجلة الوقائع العراقية الرسمية في حينها، وكانت الفكرة الأساسية قائمة على تصدير النفط الخام من العراق إلى الصومال، حيث تتم تصفيته في المصفاة المقامة هناك، ثم يُعاد بيع مشتقاته من البنزين والكاز وغيرها إلى الصومال ودول الجوار، بما يمثل استثمارًا اقتصاديًا ذكيًا للعراق.
وأثار الكشف عن المصفاة النفطية العراقية في الصومال ردود أفعال عراقية دعت إلى ضرورة حصر أملاك العراق في الخارج والكشف عنها أمام الرأي العام والبدء باستغلالها، ولا سيما في ظل التحديات السياسية والاقتصادية والمالية التي يمر بها العراق.
ولا يقتصر الحديث عن ممتلكات وأموال العراق في الخارج بمصفاة النفط في الصومال، فحسب شهادات برلمانية أكدت أن العراق يمتلك مساحات واسعة من الأراضي الزراعية المخصصة لزراعة الرز والشاي والمطاط في فيتنام وسنغافورة وسيريلانكا وموريتانيا وأراضي زراعية أخرى في البرازيل والأرجنتين وكوبا وكولمبيا تم شراؤها قبل عام 2003 وسفن صيد وبحيرات أسماك، فضلا عن مجموعة من العقارات والقصور والعمارات التجارية والسكنية والفنادق في الدول الأوروبية كبريطانيا وفرنسا وسويسرا والعديد من الدول العربية.
أين الأملاك ومن يستغلها؟
ويثير ملف الأملاك العراقية المختلقة في الخارج جملة من التساؤلات، عن طبيعة تلك الأملاك وحجمها وقيمتها، ومدى معرفة الحكومة العراقية بها، ومقدار استغلالها لتلك الأملاك، كما تثير أسئلة عن تغلغل الفساد إليها وتقاسمها من قبل مسؤولين متنفذين في الحكم بعد تغيير النظام السابق عام 2003.
ويؤكد برلمانيون أن تلك العقارات استولى عليها سياسيون متنفذون في الدولة بعد العام 2003، وأن بعضها ما يزال مهملا والبعض الآخر تم فرض غرامات وضرائب عليه بسبب عدم استغلالها طيلة العقدين الماضيين، فيما القسم الآخر مستأجر من قبل أطراف لا تدفع أي شيء من استحقاقات مالية كبدلات للإيجار.
وتعود ملكية نصف تلك الأراضي والعقارات لوزارات عراقية عدة، منها المالية والخارجية والتجارة التربية وجهاز المخابرات، في حين تعود ملكية النصف الآخر لشخصيات عراقية تقيم خارج البلاد كانت الدولة العراقية قبل 2003 قد اضطرت لتحويل تلك الأملاك بأسمائهم من أجل التهرب من العقوبات التي فرضها مجلس الأمن الدولي على العراق على خلفية غزو الكويت.
وتقدر قيمة الأملاك العراقية في الخارج بأكثر من 80 مليار دولار، وهي مبالغ كفيلة بمعالجة الأزمة الاقتصادية والمالية الخانقة التي تواجه حكومة بغداد حاليا.
ويرجح خبراء في الشأن العراقي أن تكون الكثير من أملاك الدولة في الخارج، خاضعة لعملية المحاصصة وتقاسم المغانم بين بعض القوى السياسية المتنفذة، وهذا يفسر الغموض والشكوك حول هذا الملف.
أملاك بقيمة 90 مليار دولار
وبحسب الباحث في الشأن الاقتصادي أحمد عيد فإن قيمة الأصول العقارية والاستثمارية العراقية في الخارج تقدر بنحو 90 مليار دولار.
وقال عيد في حديث لشبكة "الساعة": إن "العراق يمتلك أصولًا عقارية واستثمارية ضخمة في أكثر من 60 دولة حول العالم، تُقدّر قيمتها بين 80 إلى 90 مليار دولار، وتتوزع بين عقارات دبلوماسية، ومزارع، وفنادق، مراكز صحية، ومشاريع إنتاجية".
وأضاف عيد: أن "العراق يمتلك أيضاً عقارات فخمة في مدينة كان الفرنسية والآخر في غراس، ومبنى للخطوط الجوية العراقية في الشانزليزيه، إضافة إلى مقار أخرى كانت مملوكة للدولة العراقية وتستخدمها شعب المخابرات العراقية في بريطانيا ودول أوربية أخرى، كما يمتلك العراق أيضاً أملاكاً خاصة بالدولة في بلدان عربية عدة كما هو الحال بالصومال واليمن"، مشيراً إلى أن "العراق يمتلك كذلك فنادق ومزارع في إيطاليا وإسبانيا".
وتابع أنه "مؤخراً تم الكشف عن المصفى النفطي في الصومال، وهذا يؤكد أن النظام القائم على حكم الدولة العراقية قد أضاع الكثير من أملاك البلد، ومنها مزارع الشاي في فيتنام ومزارع الرز في الهند، كان الهدف من إنشاء هذه المشاريع ضمن خطط التوسع والإصلاح الاقتصادي التي كانت تعمل عليها الدولة العراقية في العقود السابقة، لكنها أُهملت بعد 2003 وتعرضت كثير منها للضياع أو التحايل على ملكيتها".
ولفت إلى أن "معظم هذه الأملاك تعاني من الإهمال وسوء الإدارة، وبعضها سُجّل بأسماء شخصيات أو واجهات متنفذة"، مشددا على أنه "ورغم تشكيل لجنة نيابية خاصة في وقت سابق لحصرها واسترجاعها، إلا أن الفساد وغياب التنسيق يقفان عائقًا أمام استرجاعها وإعادتها لملكية الدولة العراقية".
وختم عيد حديثه بالتأكيد على أن "استعادة العراق لهذه الأصول أو استثمارها بشكل منظم يمكن أن يساهم في دعم الاقتصاد العراقي بشكل ملموس خلال الفترة المقبلة".
غياب المتابعة والتحقيق
وقبل سنوات، تم الكشف عن ملف أملاك العراق في الخارج لكن دون اتخاذ أي إجراءات حكومية أو برلمانية أو قضائية للتحقيق في هذا الملف وضمان استعادة أموال العراق المهدرة.
وكانت النائبة عالية نصيف قد أفادت بوقت سابق، بأن جزءًا من العقارات العراقية في قارة آسيا كانت تدر أرباحاً كبيرة، كما كشفت عن وجود أموال مودعة تصل إلى 16 مليار دولار من عائدات الرز الفيتنامي، و545 مليون دولار في حسابات أخرى تتعلق بالمواد الغذائية والمطاط في البرازيل.
وأكدت نصيف أن هذا الملف رافقه غياب الإجراءات الحكومية والبرلمانية من خلال البحث والتقصي حول الموضوع، كما كشفت عن وجود فيتو أمام فتح هذا الملف، حسب تعبيرها.
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام