أثارت تصريحات رئيس هيئة الحشد الشعبي فالح الفياض عن نسبة انخراط أهالي محافظة نينوى ومركزها الموصل في تنظيم "داعش" ردود أفعال تباينت بين الرفض والتأييد وبين من عدها تأكيدا على استهداف المركز لأهالي المحافظة وآخرين وجدوا فيها إنصافا متأخرا للمحافظة، إلى جانب من عدها دعاية لغرض الكسب الانتخابي.

قال الفياض خلال زيارته لمدينة الموصل وفي ندوة نظمتها جامعة النور إن "التدقيق الأمني في نينوى أظهر أن 96% منهم خارج شبهة داعش"، مشيراً إلى "نسبة من تورطوا بالانتماء للتنظيم لم تتجاوز 4%".

ولاقت تصريحات الفياض تفاعلا واسعا من المدونين والناشطين في الموصل، فالبعض أكد أن تصريحات الفياض تحمل المبالغة الكبيرة وتعكس اتهام الحكومة المركزية لأهالي نينوى بشبهة الانتماء لـ"داعش" على اعتبار أن نسبة 4% التي ذكرها رئيس هيئة الحشد تمثل رقما كبيرا قد يصل لـ 160 ألف شخص من نينوى تورطوا بالانتماء لـ"داعش".

وأشار بعض المدونين إلى أن آلاف المدنيين والعسكريين من أبناء نينوى قتلوا على يد مسلحي "داعش" خلال سيطرتهم على الموصل والتصريح بأن عشرات الآلاف منهم قد التحقوا بداعش يمثل نوعا من الاجحاف لأهالي الموصل.

بينما رحب البعض بتلك التصريحات ووصفها بأنها تأكيد لبراءة أغلبية أبناء نينوى من تهمة الإرهاب، في وقت تحاول بعض الجهات منذ سنوات ولغاية اليوم إلصاق تهمة الإرهاب بجميع أبناء المحافظة.

ولفت مدونون إلى أن تقارير الاستخبارات الأمريكية التي تمتلك معلومات دقيقة حول تحركات "داعش" وأعداد مقاتلي التنظيم، كانت قد أشارت إلى أن عدد مسلحي التنظيم يبلغ نحو 30 ألف مقاتل في العراق بينهم عدد كبير من المقاتلين الأجانب.

وردا على تصريحات رئيس هيئة الحشد الشعبي، قال محافظ نينوى الأسبق أثيل النجيفي، إن "هذا التصريح كان يجب أن يقال في حينها يوم كان أهالي نينوى يتعرضون للاضطهاد بتهمة الانتماء لداعش أو مساعدة داعش، ويوم كان التدقيق الأمني ورقة ضغط ومساومة مسلطة على أهالي نينوى".

وأضاف النجيفي: "أما الآن وبعد أن أثبت أهالي نينوى براءتهم من تلك التهم بدمائهم وكرامتهم وأموالهم، فإن هذا التصريح لن يغير شيئًا من الواقع، بل هو مجرد محاولة تقرب إلى أهالي الموصل في مرحلة الانتخابات".

لكن مصدرا أمنيا في الحشد الشعبي أكد لشبكة "الساعة" أن تصريحات الفياض ربما تم تداولها بطريقة خاطئة، إذ إنه لم يتحدث عن نسبة عموم أهالي المحافظة، ولكن عن نسبة المشتبه بهم فقط من مجموع الموظفين في نينوى.

وقال المصدر إن "حديث رئيس هيئة الحشد كان محصورا بالموظفين من أبناء نينوى، وأن الذين كانت عليهم شبهات ومؤشرات أمنية لا تتجاوز نسبتهم الـ 4 %"، مبينا أن "ضمن الـ 4 % الكثير من الأبرياء والذين لديهم تشابه في الأسماء والذين قد ظلموا بسبب وشاية كاذبة، وهؤلاء لم يتم التعامل معهم فيما بعد على أنهم ضمن مسلحي التنظيم".

وأشار المصدر إلى أن "الأجهزة الأمنية تعاملت بحذر في المناطق التي تم استعادتها من قبضة داعش خشية عودة التنظيم، وأنها بنيت قاعدة بياناتها وفقا لما تردها من معلومات مقدمة من مصادرها الأمنية ومن المواطنين".

ومنذ استعادة السيطرة على مدينة الموصل عام 2017، تفرض الأجهزة الأمنية إجراءات مشددة على سكان المدينة وذلك ضمن الإجراءات المتبعة لملاحقة تنظيم داعش، إذ تفرض تلك الأجهزة لغاية الآن ما يسمى بالتدقيق الأمني على جميع سكان المدينة عند مراجعة أي من مؤسسات الدولة وعند السكن والحصول على إجازة سوق المركبات والحصول على جواز السفر أو البطاقة الوطنية والزواج وشراء وبيع العقارات وحتى عند الحصول على خدمة الكهرباء من المولدات التجارية.

وبالرغم من إصدار رئيس الوزراء محمد شياع السوداني توجيهات عدة بإنهاء العمل بالتدقيق الأمني في المؤسسات الحكومية، غير أن الإجراء ما يزال ساري المفعول ويشمل حتى حاملي البطاقات الوطنية الذين استثنتهم مستشارية الأمن الوطني من إجراءات التدقيق على اعتبار أنهم لم يحصلوا على البطاقة الوطنية إلا بعد تدقيقهم أمنيا.

وبشكل لافت، تنتشر غرف خاصة بأجهزة الاستخبارات في أغلب مؤسسات الدولة بمحافظة نينوى وتفرض على المراجعين الحصول على ورقة يختم عليها بختم التدقيق، في دلالة على أن المراجع ليس مطلوبا للأجهزة الأمنية بتهمة الانتماء لتنظيم "داعش".

ويرى الباحث والمحلل السياسي محمد غصوب أن تصريحات الفياض بشأن الانتماء لداعش تأتي اليوم كنوع من الدعاية الانتخابية ولا سيما أنها أتت مع اقتراب الانتخابات وبعد مرور سنوات عدة على استعادة الموصل.

وقال غصوب في حديث لشبكة "الساعة": إن "تصريحات الفياض تفتقر للكثير من الدقة وفيها الكثير من التضارب، فالتقارير الدولية تشير إلى أن عدد مسلحي داعش ما بين 20 – 30 ألفا، وأن عددًا كبيرًا من مقاتلي التنظيم هم من الأجانب من مختلف الجنسيات"، فضلا عن "وجود مخيم الهول وسجون قسد شرقي سوريا والتي تضم آلاف المقاتلين من التنظيم، وهذا كله يدل على عدم صحة التصريحات التي أدلى بها الفياض عن نسبة المقاتلين من أبناء الموصل في تنظيم داعش".

وأضاف غصوب: أنه "كان من الأولى أن يذكر الفياض عدد ضحايا تنظيم داعش من أبناء الموصل الذين قاموا التنظيم ورفضوا سلطته وسياساته ليطلع العالم على نسبة الرفض للتنظيم من أهالي الموصل" مبينا أن "مقبرة الخسفة التي تضم رفات الآلاف من أبناء الموصل وتعد الأكبر في العالم والعراق تمثل الدليل الأكبر على أن الموصل وأهلها كانوا ضحايا للتنظيم أكثر من غيرهم".

ويرى مدير مركز نون للدراسات فواز الطيب أن تقدير نسبة 4 % من سكان نينوى بالانتماء لتنظيم "داعش" يمثل رقما كبيرا وأن النسبة الأقرب إلى الدقة لا تزيد عن 1% من سكان المدن التي سيطر عليها التنظيم.

وقال الطيب في حديث لشبكة "الساعة": إن "لقاء الفياض اليوم في الموصل هو ليس الأول ودائما ما يكون هناك لقاءات وحوارات وحلحلة لبعض المشاكل التي تخص الحشد الشعبي".

وأضاف أن "ما أثاره الفياض اليوم من أن نسبة داعش لا يتجاوز نسبة 4% جاء متأخرا ولو دققت كأرقام قد لا تتجاوز 1% نسبة إلى أن نفوس نينوى أكثر من 4 مليون مقابل عدد المتهمين كموقوفين وهاربين أو تم القضاء عليهم في عمليات التحرير"، فضلا عن أنه "وبحسب القوانين النافذة هناك الكثير من المظلومين في المسألة".

ويشير الطيب إلى "وجود حملة ممنهجة ضد أهالي محافظة نينوى وقد خفت حدتها نوعا ما، معربا عن أمله في التعامل مع نينوى كباقي المحافظات وكمدينة منكوبة من آثار الحرب أهلها تضرروا من الإرهاب أكثر من غيرهم"، مبينا أن "لأهلها العديد من المواقف البطولية ضد الإرهاب ولهم مئات الشهداء وآلاف الضحايا".