صورة الخبر

18:50:03 2025-05-17 : اخر تحديث

18:50:03 2025-05-17 : نشر في

تحرير الرطبة.. محطة فاصلة في معركة "داعش"

حجم الخط

فريق التحرير- شبكة الساعة

في مثل هذا اليوم من عام 2016، شكل تحرير قضاء الرطبة علامة فارقة في المعركة ضد تنظيم "داعش".

ففي 17 أيار/مايو، تمكنت القوات الأمنية العراقية، مدعومة بطيران التحالف الدولي وإسناد العشائر المحلية، من استعادة السيطرة على القضاء الواقع في عمق محافظة الأنبار، بعد معارك شرسة خاضتها ضد مسلحي التنظيم.

لم يكن تحرير الرطبة مجرد انتصار عسكري، بل محطة استراتيجية قلبت موازين المواجهة غرب البلاد، وفتحت الطريق أمام سلسلة من العمليات التي قادت لاحقًا إلى استعادة مدن ومناطق حيوية في معركة استرداد الدولة من قبضة الإرهاب.

الموقع والجغرافيا

تقع الرطبة في الجزء الغربي من محافظة الأنبار العراقية يسكنها بالكامل عرب سنة، ويقدر عدد سكانها بحوالي 28 ألف نسمة، تحتل الرطبة موقعًا جغرافيًا استراتيجيًا وهي تقع على هضبة مرتفعة في قلب الصحراء العراقية.

توصف الرطبة بأنها أقصى مدينة ذات حجم حقيقي تقع في الجزء الغربي من العراق، بل إنها تعد "المدينة الأكثر عزلة من أي حجم في العراق"، وعلى الرغم من طبيعتها الصحراوية، فإنها تتلقى كمية أمطار سنوية تقدر بحوالي 114.3 ملم (4.5 بوصات)، مما يجعلها "بقعة رطبة" نسبيًا في تلك المنطقة.

الأهمية الاستراتيجية

تكمن الأهمية الاستراتيجية للرطبة في موقعها على طريق عمان-بغداد الطريق السريع الدولي، وهو شريان حيوي يربط العاصمة العراقية بالأردن، كما أنها تقع على مسار خط أنابيب النفط كركوك-حيفا التاريخي (الذي توقف عن العمل منذ عام 1948).

وتسيطر الرطبة على طرق عبور رئيسية بين العراق والأردن، وبالتالي فهي قريبة من الحدود السورية، مما يجعلها نقطة وصل إقليمية مهمة، كان يُنظر إلى الرطبة قبل سيطرة "داعش" عليها كمنطقة دعم حيوية استخدمها التنظيم في شن عمليات إلى مناطق القتال الواقعة شمالاً وشرقاً، بما في ذلك مدينتا الرمادي والفلوجة.

وكان من المتوقع أن يؤدي فتح الطريق عبر الرطبة بعد تحريرها إلى تأثير إيجابي اقتصادي على كل من العراق والأردن من خلال تسهيل حركة التجارة.

خلال حقبة الانتداب البريطاني على العراق، برزت الرطبة المعروفة آنذاك باسم "آبار الرطبة" كمحطة استراحة محورية على خط رحلات شركة إمبريال إيرويز بين بريطانيا والهند والخليج العربي، وهو ما يرسّخ مكانتها التاريخية كنقطة عبور استراتيجية.

السقوط في يد "داعش"

في ليلة 21 حزيران/ يونيو 2014 اخترقت أرتالٌ من مسلّحي تنظيم "داعش" خطوط الشرطة الاتحادية وحرس الحدود المتمركزة على تخوم الرطبة، مستغلةً الانهيار المعنوي الذي أعقب اجتياح الموصل وتمدّد التنظيم عبر وادي الفرات.

ومع حلول صباح اليوم التالي كانت رايات "داعش" مرفوعةً فوق مقرّ القائمقامية ومراكز الشرطة، بعدما انسحبت القوات الأمنية بلا مقاومة تُذكر وسارعت العائلات إلى النزوح شرقًا باتجاه الكيلو 160 والرمادي.

سيطرة التنظيم على البلدة، التي تقع عند عقدة الطريق الدولي السريع قطعت الشريان التجاري بين بغداد وعمان وأوقفت حركة الشاحنات بالكامل، كما مكّنت "داعش" من فتح ممرّ إمداد متصل بين معبرَي طريبيل والوليد وحدود سوريا، الأمر الذي سهّل تدفّق السلاح والمقاتلين وجعل الرطبة ورشةً لتجهيز السيارات المفخخة قبل إرسالها نحو الرمادي والفلوجة وبغداد.

بذلك تحولت البلدة الصغيرة إلى مركز عمليات خلفي يمدّ التنظيم بعمق استراتيجي غرب الأنبار، استمر حتى انطلقت حملة التحرير بعد أقل من عامين.

مراحل الهجوم

مع الساعات الأولى من 16 أيار/مايو 2016 باشرت قيادة العمليات المشتركة هجوماً متزامناً من 3 محاور لاستعادة الرطبة وقضائها: تقدّم جهاز مكافحة الإرهاب من الجهة الجنوبية بعد تمهيدٍ جوّي كثيف للتحالف الدولي واستولى سريعاً على حيّ الانتصار، فيما تحرّكت وحدات الجيش والشرطة الاتحادية ومقاتلو العشائر من الشمال والشرق لإطباق الطوق على مركز القضاء.

المقاومة كانت "خفيفة إلى متوسطة" بحسب المتحدث الأمريكي الكولونيل "ستيف وارن"، إذ انسحب معظم عناصر "داعش" إلى الأطراف الصحراوية وخلّفوا سيارات مفخخة وعبوات ناسفة لتعويق التقدّم.

خلال أقل من 36 ساعة رفعت القوات الأمنية علم العراق فوق مبنى القائمقامية، وأعلن اللواء الركن هادي رزيج صباح اليوم التالي تحرير الرطبة بالكامل مع تفجير عشرات العبوات وإحباط هجمات انتحارية.

بقيت عمليات التطهير حتى الـ18 من نفس الشهر وشملت تأمين خزانات المياه، محطة الاتصالات، ومستشفى القضاء، ثم تقدّمت وحدات الهندسة وحرس الحدود غرباً حتى معسكر "القرية الكورية" على بعد نحو 40 كم، لتأمين الطريق الدولي السريع والمعبر الحدودي في طريبيل.

 بهذا الهجوم السريع قطعت بغداد أهم خط إمداد للتنظيم بين الأنبار والحدود السورية الأردنية، وأعادت فتح الشريان التجاري إلى عمّان، ممهدةً لعمليات لاحقة في الفلوجة والموصل.

الخسائر البشرية والمادية

خلال معركة الرطبة، فقدت القوات الأمنية 4 قتلى و5 جرحى وفق حصيلة قيادة عمليات الأنبار، بينما رفعت برقية لاحقة لإحدى وكالات الأخبار المحلية العدد الإجمالي إلى 9 بين قتيلٍ وجريح لكامل قاطع قضاء الرطبة، وهو أعلى رقم موثَّق في المصادر المفتوحة.

في المقابل قدّرت البيانات العسكرية مقتل نحو مئةٍ من مقاتلي تنظيم داعش أثناء الاشتباكات والضربات الجوّية الممهِّدة، أما الخسائر المدنية فلم توثِّقها أي جهة حقوقية أو أممية، إذ كانت معظم العائلات قد نزحت قبل الاقتحام، كما وصف ضباط جهاز مكافحة الإرهاب البلدة حينها بأنها "شبه خالية" لحظة الدخول.

ماديّاً اقتصر الضرر على المنازل والشوارع المفخخة، فنزعت فرَق الهندسة عشرات العبوات الناسفة، وأُصيب جزء محدود من البنية التحتية خصوصاً محيط الطريق الدولي السريع بأضرار يمكن إصلاحها، بينما ظلت المباني الحكومية الرئيسة صالحة للعمل بعد رفع العلم العراقي عليها.

ما بعد التحرير

بعد رفع العلم فوق الرطبة أبلغت القوات الامنية سكان الرطبة بأن العودة الآمنة مرهونة فقط بتطهير الأحياء من الألغام والعبوات، وأعادت قيادة شرطة الأنبار فتح مركز الشرطة المُغلق منذ عامين، إيذاناً بعودة سلطة الدولة وخدماتها الأساسية.

وحفرت القوات الأمنية خندقاً دفاعياً بطول 15 كم يطوّق المدينة لصدّ السيارات المفخخة ومنع تسلّل عناصر التنظيم ولضمان انسياب التجارة على الطريق الدولي الحيوي، وُضِعَت خطة لإضافة ما لا يقلّ عن 70 نقطة تفتيش جديدة وتشغيل منظومة كاميرات مراقبة، مع دوريات مشتركة من الجيش والشرطة وحرس الحدود، ما سمح بتمديد ساعات فتح الطريق تدريجياً حتى الليل.

وبالتوازي أُنجزت أعمال إصلاح 3 جسور مدمَّرة بين "كيلو 160" والرطبة، مُعيدة الربط بين غرب الأنبار وبقية المحافظات، ورغم افتقار التقارير إلى حصرٍ دقيق لحجم الدمار داخل المدينة، فإن الأولوية الواضحة لتفكيك المتفجّرات تشير إلى أن التهديد الأكبر كان هندسياً أكثر منه بنيوياً.

أما على الصعيد النزوح سُجّل عودة مئات الأسر بحلول شباط 2017 بعد استكمال التدقيق الأمني والخدمات الأولية، ونسّق الأهالي مع القوات لحماية بلدتهم من أية محاولات تسلل لاحقة.

أمنياً عزّز حرس الحدود قبضته على الشريط المتاخم لسوريا والأردن مانعاً التنظيم من استعادة خطوط التهريب أو السلاح، كما وصف متحدث التحالف الأمريكي الرطبة بأنها "صغيرة بحجمها كبيرة بقيمتها" لكونها تربط بغداد بالأردن وسوريا؛ ومع خسارتها، فقد التنظيم حلقة إمداد حيوية ودُفِعَ إلى عمق الصحراء.

هذا الإنجاز في وقتها مهّد لإطلاق عمليات الفلوجة ثم الموصل، بينما شجّع بغداد وعمّان على إعادة فتح معبر طريبيل بعد عامٍ واحد، مُنعشاً التجارة الإقليمية وهكذا أفضت معركة يومين إلى تحوّل طويل المدى: استعادة الحكم المحلي، تأمين الحدود والطريق الدولي، عودة السكان، وانحسار نفوذ التنظيم غرب الأنبار ليشكّل ذلك مُنطلقاً لاستعادة باقي المناطق.

ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات

اشترك بقناتنا على التليكرام

اخترنا لك