تحتضن العاصمة العراقية بغداد غدا السبت أعمال الدورة الـ34 للقمة العربية، في ظل أجواء من الأزمات والمتغيرات الكبيرة على الساحة العربية والإقليمية.
ومن المنتظر أن يبدأ عدد من رؤساء الوفود العربية بالوصول إلى بغداد اليوم الجمعة للمشاركة في القمة.
وعشية قمة بغداد تصاعد الجدل بشأن مدى إمكانية انعقادها بنجاح، وقدرة العراق على استضافتها بما يليق بسمعة العاصمة، وكذلك بشأن مشاركة الرئيس السوري أحمد الشرع، والسبب وراء زيارة قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني إسماعيل قاآني إلى بغداد.
فيما يجري الحديث عن مفاجآت وحضور فاعل ونجاح متوقع خلال القمة العربية في بغداد التي من المقرر أن تتبنى جملة من القضايا العراقية والعربية والإقليمية.
وتعد قمة بغداد وهي الرابعة في تاريخ العراق، ورغم عدم اتضاح حجم المشاركة للرؤساء والملوك والأمراء العرب في القمة، فإن وزارة الخارجية العراقية تشير إلى أن حجم المشاركة ستكون نوعية ومكثفة وقراراتها استثنائية.
المتحدث باسم الحكومة العراقية باسم العوادي قال إن "هناك تمثيلا لكل الدول العربية في قمة بغداد، فضلا عن حضور الأمين العام للأمم المتحدة والأمين العام لمجلس التعاون الخليجي والاتحاد الأوروبي والاتحاد الإفريقي والتعاون الإسلامي ورئيس الوزراء الإسباني".
وقال العوادي إن "التسجيل على المنصة الخاصة بالقمة للوفود المشاركة مشرف جداً ويليق بالعراق، وسيكون هناك مفاجآت سارة على مستوى التمثيل وثقله".
وأضاف أن "ما يجري الحديث عنه عن امتناع زعماء دول عن الحضور غير دقيق، ونؤكد أن التمثيل سيكون مشرفاً".
وتتصدر الملفات التي سيناقشها الرؤساء والملوك والأمراء العرب الأوضاع في غزة والصراع العربي الإسرائيلي والأزمات في الشأن العربي.
كذلك ستناقش القمة مبادرات عراقية تشتمل على تأسيس مراكز عربية في مجال مكافحة الإرهاب والمخدرات والجريمة المنظمة وغرفة للتنسيق الأمني وصندوق للتعاون لإعادة الإعمار.
من جهته، أوضح وكيل وزارة الخارجية العراقي هشام العلوي أن العراق يعمل على استثمار فرصة عقد القمة في بغداد لإبراز التطورات الإيجابية التي حصلت في العراق في السنوات القليلة الماضية، وإعطاء فرصة للضيوف بأن يطلعوا على المعالم الثقافية والحضارية والتاريخية والدينية الموجودة في بغداد.
وذكر العلوي في تصريحات صحفية أن "الحكومة تسعى إلى الدفع باتجاه زيادة الاستثمارات العربية في العراق لتطوير قطاعات مختلفة، ومنها الطاقة المتجددة والزراعة والصناعة والسياحة والقطاع المالي والمصرفي".
وتأمل الحكومة العراقية أن تحقق القمة العربية نتائج لمعالجة الأوضاع في غزة والعمل على إعادة إعمارها وإنهاء النزاع في اليمن والسودان والصومال وليبيا ودعم الاستقرار في سوريا ودعم المفاوضات الجارية بين طهران وواشنطن والدفع بالعلاقات الاقتصادية ودعم مشاريع الاستثمار المشترك ومواجهة التحديات الدولية.
ويبدو أن أكثر الملفات إثارة للجدل بالتزامن مع قمة بغداد تتمثل في زيارة قائد فيلق القدس الإيراني إلى بغداد وعلاقة ذلك بالقمة العربية، وكذلك مشاركة الرئيس السوري أحمد الشرع من عدمها بعد أن أثارت اللغط الكثير في الداخل العراقي وشهدت موقفا رافضا لتلك المشاركة من قبل جهات محسوبة على الفريق الإيراني في العراق.
وبشأن زيارة قاآني كشفت مصادر مطلعة، عن سببين وراء زيارة قائد فيلق القدس الإيراني، إسماعيل قاآني إلى العاصمة بغداد.
وقالت المصادر إن "زيارة قائد فيلق القدس الإيراني، إلى العاصمة بغداد، لم تكن من أجل تأمين الحدود المشتركة بين البلدين فقط، إنما جاءت لسببين، الأول للتفاهم مع الحكومة بشأن إيصال رسالة خلال القمة العربية ببغداد، حول رغبة إيران في الحصول على دعم عربي لرفع العقوبات المترتبة عليها".
وأضافت أن "السبب الثاني لحضور قاآني هو لقاء بعض قادة الفصائل، من أجل التأكيد على استمرار التهدئة الحالية، سواء مع واشنطن أو في الملف السوري، وعدم تدخلهم فيه"، مؤكدة أن "إيران لا ترغب في أن تمارس تلك الفصائل أي أنشطة قد تؤثر على سير المفاوضات الحالية مع واشنطن".
وقال مستشار الأمن القومي العراقي، قاسم الأعرجي، في بيان رسمي: إنه "استقبل قائد فيلق القدس في الحرس الثوري وعقد اجتماعا معه في بغداد، جرى خلاله بحث تطوير العلاقات الثنائية والجهود المشتركة في الملف الأمني وتأمين الحدود، فضلا عن مناقشة قضايا إقليمية أبرزها المفاوضات الأمريكية- الإيرانية"، دون إبداء أي تفاصيل أخرى.
ونشر الأعرجي صورا من استقبال قاآني في بغداد، أظهرت الأخير بملابس مدنية، وفي صورة أخرى برفقة رجل معمّم، وهو ما يعد على غير عادة قاآني الذي زار العراق بمرات كثيرة بالزي الرسمي للجنرالات الإيرانيين.
واللافت للانتباه قيام الأعرجي بحذف منشوره الذي أعلن فيه عن استقبال قاآني بعد تعليق السيناتور الأميركي جي ويلسون انتقد الزيارة قائلا "أنا متأكد من أنك استمتعت بلقاء رئيسك قائد الحرس الثوري الإيراني مؤسس ميليشيات بدر الإرهابية"، مضيفا "استفد من دروس سوريا واليمن ولبنان، وتخلص من إيران قبل فوات الأوان، ترامب سيُصلح".
في المقابل، قال القيادي في ائتلاف دولة القانون، عبد الرحمن الجزائري، إن "زيارة قائد فيلق القدس الإيراني إسماعيل قاآني إلى بغداد جاءت بهدف تأمين انعقاد القمة العربية المرتقبة، في ظل مخاوف من استهدافها من قبل بعض الفصائل المسلحة".
وأوضح الجزائري، في لقاء متلفز تابعته شبكة "الساعة"، أن "زيارة قاآني لم تكن بروتوكولية أو متعلقة بالمشاركة في القمة، بل جاءت بطلب من أطراف سياسية عراقية قريبة من محور المقاومة، على خلفية تهديدات متزايدة باستهداف موقع انعقاد القمة، سواء بقطع الطرق أو إطلاق صواريخ، وهو ما استدعى تدخلًا إيرانيًا لاحتواء هذه التهديدات".
وأشار إلى أن "بعض الجهات داخل الإطار التنسيقي، وكذلك نواب في البرلمان، أعربوا عن خشيتهم من أن تؤدي تحركات الفصائل إلى إحراج الحكومة العراقية"، مؤكدًا أن "زيارة قاآني تضمنت لقاء مع مستشار الأمن القومي قاسم الأعرجي، وتمحورت حول ضبط الوضع الأمني واحتواء الفصائل المرتبطة بالحشد الشعبي".
وتوقع النائب ناظم الشبلي أن تكون زيارة قاآني إلى بغداد متعمدة قبل يومين من انعقاد القمة العربية.
وأشار الشبلي إلى أن "قاآني يتواجد في بغداد أكثر مما يتواجد في طهران متسائلا عن سبب إعلان الزيارة الأخيرة"، لافتا إلى أنه "من الممكن أن يكون الهدف من زيارة قاآني إلى بغداد بهذا التوقيت تقليل الحضور العربي في القمة العربية".
من جانبه يؤكد الباحث في الشأن السياسي موفق الخطاب أن طهران أرسلت رسالة قبل قمة بغداد مفادها أن العراق ما يزال تابعا لها وضمن محورها رغم التغييرات التي شهدتها المنطقة.
وقال الخطاب في حديث لشبكة "الساعة": إن "طهران تعمدت في هذا التوقيت الحرج أن ترسل موفدها إلى العراق إسماعيل قاآني وكان بإمكانها أن ترسل وزير خارجيتها بدلا منه أو تنتظر اياما حتى تنهي القمة أعمالها، لكنها أبت ألا أن ترسل رسالة للقادة العرب وللعالم أن العراق جزء منها وهو حديقتها الخلفية ولن تفرط فيه بسهولة ولتعطي انطباعا سلبيا لزعماء ولوفود القمة العربية في بغداد ورسالة مفادها نحن هنا ".
وأضاف الخطاب: أنه "كان على الحكومة العراقية أن تتصرف بحكمة وترفض هذه الزيارة ولا ترضخ ولو لمرة واحدة إلى الغطرسة والعنجهية الإيرانية التي أكدت الوقائع أن العراق ما زال مسلوب الإرادة والسيادة وقراره مرهون بيد المرشد الإيراني وهو المهيمن على القرار العراقي وجميع قادته يحركهم جهاز التحكم عن بعد ومقره في قم".
أما الملف الثاني المثير للجدل في الداخل العراقي وذات الصلة بالقمة العربية فيتمثل بحضور الشرع قمة بغداد من عدمها، فقبل أيام أكدت الرئاسة السورية أن الرئيس أحمد الشرع سيغيب عن القمة العربية في بغداد.
وأشار البيان إلى أن وزير الخارجية أسعد الشيباني سيترأس سوريا وسيمثلها في المناقشات والمباحثات التي ستجري خلال قمة بغداد.
وكان مصدر دبلوماسي عربي أفاد في وقت سابق بأن الشرع لن يلبّي الدعوة التي وجهتها له الحكومة العراقية.
لكن هناك من يتحدث عن حضور ومشاركة مفاجئة للشرع في القمة، إذ أكد النائب في البرلمان العراقي، شعلان الكريم، إن الرئيس السوري سيحضر القمة العربية في بغداد.
وقال الكريم في لقاء متلفز تابعته "الساعة"، إن "الشرع أصبح رئيس الجمهورية العربية السورية شاء من شاء وأبى من أبى"، وأضاف أن "سقوط الأسد لاقى ترحيبًا عالميًا، وأن القوى الدولية اعترفت بالشرع".
وانتقد الكريم: "محاولات بعض الأطراف إثارة ملف المكون السني لإعادة الوضع في العراق إلى مربع الفتنة، كما حدث في تفجير الإمامين سابقًا".
وخلال الفترة الماضية، ندّد عدد من السياسيين العراقيين البارزين في المعسكر الموالي لإيران، باحتمال زيارة الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع بعد توجيه بغداد دعوة رسمية له للمشاركة في القمة العربية في منتصف أيار/مايو.
وتتعامل حكومة بغداد بحذر مع دمشق منذ الإطاحة بنظام بشار الأسد الذي كان حليفا وثيقا لها، في كانون الأول/ديسمبر. غير أن السوداني حسم الجدل عندما التقى الشرع في الدوحة ووجه له دعوة لحضور قمة بغداد.
ومؤخرا أكد الشرع أن السوداني أبدى رغبته بإعادة العلاقات العراقية السورية والتبادل التجاري، مع العلم أنهما سبق وأن التقيا، منتصف الشهر الماضي، في الدوحة برعاية أمير قطر، الشيخ تميم بن حمد.
وبخصوص التوقعات بنجاح القمة العربية في العراق من عدمها، توقع الكاتب والمحلل السياسي عبد الجبار الجبوري إخفاق العراق في تحقيق مصلحته في العودة للحضن العربي من خلال القمة.
وقال الجبوري في حديث مع شبكة "الساعة" إن "القمة كان يجب أن تستغلها الحكومة العراقية كفرصة ذهبية، من خلال تواجد الملوك والرؤساء العرب ومن يمثلهم، وأن تعيد النظر بسياستها وتؤكد، عدم تبعيتها لإيران وغيرها، وترفع كل المظاهر الدينية والعسكرية، التي تستفز الوفود، وتستقبلهم كما استقبلت دول الخليج الرئيس ترمب، وتحول قمة بغداد إلى عرس حقيقي، بدل التهديدات والتظاهرات والصور والشعارات الطائفية والسبّ والشتم برموز الدول العربية".
وأضاف أنه "كان ينبغي أن تكون قمة بغداد، منطلقاً وفرصة لعودة العراق إلى حاضنته العربية"، مشددا على أن "هذه الفرصة قد أضاعها العراق والدليل غياب أبرز القادة العرب عن المؤتمر"، حسب وصفه.
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام