بعد قرار حزب العمال الكردستاني "بي كا كا" حل نفسه وإنهاء الصراع المسلح مع الدولة التركية والذي وصف بالتاريخي والعامل الأهم لتحقيق الاستقرار في المنطقة، يثير مستقبل الجماعات المسلحة المرتبطة به الكثير من علامات الاستفهام، ولا سيما تلك التي ما تزال إلى اليوم تفرض السيطرة على قضاء سنجار شمال غربي العراق.

وما يزال قضاء سنجار يخضع لسيطرة قوات "وحدات حماية سنجار" المعروفة باسم "اليبشة" ونفوذها والتي تمثل أبرز أذرع حزب العمال الكردستاني في سنجار وشكلها عام 2015 عقب سيطرة تنظيم "داعش" على القضاء، ورغم أن تلك الوحدات تتبع لحزب العمال سياسيا وفكريا وعسكريا، لكنها إداريا تتبع لهيئة الحشد الشعبي العراقية تحت مسمى اللواء 80 في الحشد.

ويتبع قضاء سنجار إداريا لمحافظة نينوى ويشكل ثاني أبرز المناطق المتنازع عليها بين حكومتي المركز في بغداد وإقليم كردستان بعد محافظة كركوك، ويشكل خضوعه لسلطة حزب العمال الكردستاني وقوات "اليبشة" خروجا عن سلطة الدولة العراقية.

وبحسب تصريحات سابقة للنائب ماجد شنكالي فإن "اللواء 80 في الحشد الشعبي وهو قوات وحدات حماية سنجار تتلقى الأوامر والتعليمات من حزب العمال وليس من قيادة الحشد".

وأعلن حزب العمال الكردستاني الاثنين الماضي، حل نفسه، في خطوة تاريخية بعد عقود من الصراع مع تركيا أسفرت عن مقتل عشرات الآلاف من الأشخاص.

وقال الحزب في بيان إن "المؤتمر الثاني عشر لحزب العمال الكردستاني قرر حل الهيكل التنظيمي للحزب وإنهاء أسلوب الكفاح المسلح".

دعوات لفك الارتباط بين العمال و"اليبشة"

أما عن مستقبل قوات "اليبشة" في سنجار بعد قرار حزب العمال حل نفسه وإنهاء العمل المسلح، فيؤكد النائب في البرلمان العراقي محما خليل ضرورة إنهاء ارتباط تلك المجموعة بحزب العمال وإخضاعها لسلطة الدولة العراقية وإخراج جميع المقاتلين الأجانب من القضاء.

وقال خليل في تصريح لشبكة "الساعة": إن "قرار الحزب التخلي عن العمل المسلح يشكل بادرة أمل وخطوة إيجابية لتحقيق الاستقرار في عموم المنطقة سواء في تركيا وسوريا والعراق وكذلك الحال في قضاء سنجار"، مشيرا إلى أن قوات اليبشة كانت إلى الأمس القريب موالية لحزب العمال وبعد قرار الحزب الأخير يفترض على حكومة بغداد فرض سيطرتها على تلك الوحدات وإنهاء ارتباطها بحزب العمال".

وأوضح أن "عدم استغلال حزب العمال لوحدات حماية سنجار في المستقبل مرهون بإجراءات الحكومة الاتحادية والتي من خلالها يجب إخراج المسلحين الأجانب في الحزب من القضاء وكذلك إيجاد التكييف القانوني للمقاتلين العراقيين ودمجهم رسميا في أجهزة الدولة العراقية وضمان عدم ملاحقتهم قانونيا وذلك لضمان فك ارتباطهم بالكامل بالحزب والتحاقهم بالدولة العراقية ومؤسساتها العسكرية".

وأضاف خليل: أن "التغييرات التي طرأت على الشرق الأوسط دفعت حزب العمال لتغيير نهجه واللجوء إلى العمل السياسي، ولذلك يجب على الجهات العراقية التعامل مع هذه المتغيرات وإنهاء الوجود المسلح لحزب العمال في سنجار وضمان التحاق المقاتلين العراقيين في وحدات حماية سنجار ضمن قوات الحشد الشعبي مع منح حق العمل السياسي لجميع الجهات في سنجار كون ذلك لا يؤثر على سيادة الدولة العراقية كما لا يتعارض مع الدستور العراقي".

"اليبشة" لن تترك السلاح

ويرى الباحث في الشأن العراقي مجاهد الطائي أن قرار حزب العمال التخلي عن السلاح مرتبط بالدرجة الأساس بالدولة التركية، فيما استبعد أن تلقي الميليشيات المسلحة الموالية لحزب العمال في سنجار السلاح ولا سيما "اليبشة" إلا إذا كانت هناك إدارة قوية من الدولة العراقية بإنهاء النشاط المسلح لتلك الفصائل.

وقال الطائي في حديث لشبكة "الساعة": إن "الميليشيات المحلية الموجودة في سنجار كقوات اليبشة شكلت من قبل حزب العمال كنوع من الغطاء على وجود الحزب في العراق"، مبيناً أن "القرار الأخير للحزب يخص الجانب التركي وإنهاء الصراع المسلح للحزب مع الدولة التركية"، مرجحا أن "القرار لن يؤثر على عمل اليبشة ومستقبلها في سنجار".

وأضاف الطائي: أنه "حتى ولو كان هناك تحولات لحزب العمال وعمله في المستقبل فإن هذا التحول لن يؤثر على عمل الحزب في العراق بشكل كبير إلا إذا كان هناك موقف عراقي جديد ينهي الدور المسلح لحزب العمال في شمال البلاد".

وأوضح الباحث العراقي أن "أذرع حزب العمال في العراق ستشهد انشقاقات وبعض الأطراف المنشقة سترفض إلقاء السلاح كما تشير لذلك التجارب التاريخية للفصائل المسلحة المرتبطة بالحزب"، مشيرا إلى أن "وحدات حماية سنجار ستبقى تمارس عملها إلا إذا كان هناك قرار عراقي بوضع حد لها وتحولها إلى قوة مدنية وسياسية بعيدا عن النشاط المسلح".

ورقة ضغط

من جهته، يرى الباحث في الشأن السياسي هيثم جاسم أن القسم الأكبر من المسلحين التابعين لحزب العمال في سنجار لن يتخلوا عن السلاح، وتوقع أنهم سيبقون كورقة ضغط على الحكومة العراقية وعلى الجانب التركي في المرحلة الراهنة والمقبلة.

وقال جاسم في حديث لشبكة "الساعة": إن "مقاتلي حزب العمال في سنجار ينقسمون إلى شطرين، الأول يتبع لهيئة الحشد الشعبي وهؤلاء سيكون بقاؤهم في المرحلة المقبلة مع الدولة العراقية عبر الحشد، أما الشطر الثاني وهم ما بين 2000 – 3000 مقاتل فمن المرجح أن يبقوا يمارسون نشاطهم المسلح وذلك عبر التواصل مع قوات سوريا الديمقراطي (قسد) في سوريا، خاصة وأن غالبيتهم ينتشرون في القرى الحدودية العراقية السورية".

وأوضح أن "هؤلاء المقاتلين لن يتركوا أفكار حزب العمال بسهولة لأنهم باتوا موالين فكريا وأيديولوجيا للحزب، إذ عملت بعض الأحزاب السياسية في سنجار ومنها حزب العدالة على التأثير الفكري على هؤلاء المقاتلين لصالح أفكار حزب العمال".

وأضاف جاسم: أن "هؤلاء المقاتلين الذين يدينون بالولاء لحزب العمال لن يفككوا في المرحلة المقبلة وسيبقون كورقة ضغط على الحكومة العراقية وحتى على الجانب التركي"، حسب تعبيره.

استغلال الفرصة

وفي حديث سابق لشبكة "الساعة" أكد الباحث في الشأن السياسي غانم العابد ضرورة أن يستغل العراق هذا الإعلان لإنهاء نفوذ حزب العمال على الأراضي التي يفرض السيطرة عليها ومنها قضاء سنجار في محافظة نينوى.

وأشار العابد إلى أن "إعلان وقف النشاط المسلح لحزب العمال يمثل فرصة ذهبية للحكومة العراقية لفرض سيطرتها على هذه المناطق وتوطين الأوضاع وإبعاد المظاهر المسلحة وإنهاء التحاق أي مقاتل عراقي في صفوف حزب العمال وغيرها من التنظيمات المسلحة التي تعرقل بسط نفوذ السلطة العراقية".