مع اقتراب موعد انعقاد القمة العربية في بغداد والمقرر في الـ 17 من شهر أيار / مايو الجاري، تصر بعض القوى والشخصيات السياسية العراقية على إرسال رسائل سلبية مفادها ضعف سلطة وغياب الترحيب بالضيوف العرب في العراق، وهو ما يعده مراقبون إساءة لسمعة الدولة العراقية ومحاولة لوضع الحواجز أمام الانفتاح العربي على بغداد.
وتتجلى الرسائل السلبية التي تصاعدت منذ الشهر الماضي عبر حملة التصعيد والاستهداف التي تطلقها شخصيات سياسية ونواب ومدونون ومحللون تركز على عدم السماح لحضور الرئيس السوري أحمد الشرع بحضور قمة بغداد، بعد أن سلمته الحكومة العراقية دعوة رسمية بالحضور إلى بغداد.
كما شملت تلك حملات الاستهداف رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني الذي التقى بالشرع في دولة قطر برعاية أميرها تميم بن حمد الشهر الماضي، إلى جانب تأكيد السوداني على أن الشرع مرحب به في بغداد.
وفي تحد لإدارة الدولة العراقية وقرارات وزارة الداخلية المتعقلة بتنظيم القمة العربية، برز النائب مصطفى سند ليتحدى الحكومة العراقية ويتوعد بالتظاهر خلال انعقاد القمة العربية رفضا لدعوة الشرع إليها.
وأعلنت وزارة الداخلية العراقية أمس السبت حظر التظاهر في بغداد بين 11 و20 أيار / مايو الجاري في إطار الاستعدادات لتأمين القمة العربية المقبلة.
وقالت الوزارة في بيان ورد لشبكة "الساعة" إنها "لن تمنح تراخيص لأي مظاهرات شعبية مهما كانت الأسباب".
وأضافت وزارة الداخلية: أن "تعليمات صدرت باعتقال أي شخص يحاول التظاهر خلال هذه الفترة"، وأوضحت أنه "مع قرب انعقاد القمة العربية زاد انشغال القوات الأمنية بالاستعداد لإنجاح هذه المناسبة"، مشيرة إلى أنها "سخّرت جميع إمكاناتها لاستقبال ضيوف العراق".
وردا على بيان الداخلية وفي تحد واضح لها، علق النائب مصطفى سند، على قرار منع التظاهر في العراق خلال قمة بغداد والتي ستبدأ في 17 من الشهر الجاري.
سند الذي من المفترض انه يمثل السلطة التشريعية وعليه أن يكون في مقدمة المطبقين للقانون قال في تعليق على منشور وزارة الداخلية العراقية الخاص بقرار منع التظاهر خلال القمة: "أنا أتظاهر.. بيكم خير لزموني".
وتعليقا على قرار منع التظاهرات وتحدي النائب مصطفى سند لذلك، يرى الخبير القانوني أمير الدعمي أن موقف النائب يمثل موقفا سياسيا ما كان ينبغي له أن يكون لاسيما وأن النائب يمثل سلطة الدولة العراقية.
وقال الدعمي في حديث لشبكة "الساعة": إن "موقف النائب مصطفى سند وغيره من الرافضين لحضور الرئيس السوري إلى القمة العربية في بغداد يندرج ضمن وصف العصيان المدني"، مبينا أنه "ما كان ينبغي لهكذا موقف أن يصدر من شخصية تمثل السلطة التشريعية في البلاد".
وأوضح الباحث القانوني أنه "يقف بالضد من الوقوف ضد سلطة الدولة وقرارات الحكومة وسياساتها لاسيما التي ترتبط بسمعة البلاد على الصعيد الخارجي كما هو الحال مع موضوع القمة العربية"، منوها إلى أنه "ضمن إجراءات الدولة العراقية لاستضافة القمة العربية هو اتخاذ الإجراءات الأمنية المناسبة والتي ينبغي أن تحترم".
ولفت إلى أن "القانون العراقي حدد شرط تنظيم التظاهرات بموافقة وزارة الداخلية والتي لم تمنح الأذن بالموافقة خلال فترة انعقاد القمة".
لكن الدعمي شدد على "ضرورة عدم أن مخالفة مؤسسات الدولة ووزارتها الدستور النافذ في البلاد وأن لا تمنع الحقوق التي كفلها الدستور ومن بينها التظاهر".
وأضاف الدعمي: أن "وزارة الداخلية كان يتفرض بها أن لا تصدر قرارا يمنع التظاهرات خلال فترة انعقاد القمة العربية وأن تسمح لمن يريد التظاهر بالتعبير عن رأيه".
وأوضح أن "من الصحيح السماح بالتظاهر وتعبير شريحة من العراقيين عن رأيهم خاصة وأنهم ينظرون للرئيس السوري الحالي على أنه متورط بسفك دماء أبنائهم خلال عمله في العراق ضمن صفوف تنظيم القاعدة".
ويتفق مع رأي الخبير الدعمي مركز العراق لحقوق الإنسان الذي عبر عن قلقه إزاء البيان الصادر عن وزارة الداخلية العراقية، والذي تضمن منعًا مطلقًا لتنظيم أي تظاهرة في العاصمة بغداد خلال الفترة الممتدة من 11 إلى 20 أيار / مايو، بالتزامن مع انعقاد القمة العربية.
وذكر المركز، في بيان ورد لشبكة "الساعة": أن "حق التظاهر السلمي مكفول بموجب الدستور العراقي في المادة (38)، كما أنّ العراق ملتزم بموجب الاتفاقيات الدولية، ومنها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، باحترام هذا الحق وعدم التضييق عليه إلا في أضيق الحدود ووفق شروط مشروعة ومتناسبة".
وأشار إلى أن "إصدار قرارات عامة بمنع التظاهر لأي سبب خدمي او غيرها، يُعد انتهاكًا صارخًا للحقوق الدستورية والإنسانية، ويفتح الباب أمام ممارسات تعسفية قد تُقوّض الحريات العامة وتكرّس ثقافة القمع".
وأكد مركز العراق لحقوق الإنسان: "رفض أي تقييد جماعي ومسبق على الحق في التظاهر دون مبرر قانوني واضح ومقنع"، داعيا الحكومة العراقية إلى "ضمان احترام حقوق الإنسان خلال فترة القمة، بما يعكس الصورة الحضارية للعراق، كما حمل الجهات الأمنية المسؤولية الكاملة عن أي انتهاكات أو اعتقالات تطال مواطنين يمارسون حقهم المشروع في التعبير السلمي".
ودعا إلى "مراجعة هذا القرار فورًا، والعمل على إيجاد توازن بين الإجراءات الأمنية واحترام الحقوق الأساسية للمواطنين".
في الأثناء، كشف النائب هادي السلامي، عن تعميم مذكرة اعتقال قضائية صادرة بحق الرئيس السوري أحمد الشرع على جميع الأجهزة الأمنية ونقاط التفتيش داخل البلاد، مؤكداً ضرورة تنفيذها فور دخوله الأراضي العراقية.
وقال السلامي: إن "الجولاني متورط بارتكاب جرائم إرهابية ضد أبناء الشعب العراقي، وكان له دور كبير في عمليات القتل والتهجير التي طالت الأقليات داخل البلاد"، مشدداً على أن "أبو محمد الجولاني شخص مدان بالإرهاب ومطلوب للعدالة العراقية".
وأضاف أن "مذكرة الاعتقال صادرة من مجلس القضاء الأعلى، وتم تعميمها على جهاز المخابرات الوطني، وجهاز الأمن الوطني، ووزارة الداخلية، وجهاز الاستخبارات، ودوائر الشرطة المحلية والاتحادية، بالإضافة إلى استخبارات الجيش وجهاز مكافحة الإرهاب".
وأشار إلى أن "المذكرة صدرت وفقاً لأحكام المادة الرابعة من قانون مكافحة الإرهاب، وتشمل إلقاء القبض الفوري على الجولاني في حال وصوله إلى الأراضي العراقية".
من جهته يرى الباحث في الشأن السياسي مصطفى العبيدي أن حملة التصعيد التي توجه نحو مؤتمر القمة في بغداد تأتي ضمن إطار التحشيد والكسب والتسقيط المبكر في الانتخابات البرلمانية المقبلة، كما أنه يستهدف التقارب العراقي – العربي خاصة وأن المقربين من إيران هم أبرز المصعدين ضد المؤتمر.
وقال العبيدي في حديث لشبكة "الساعة": إن "ما يحصل حاليا في العراق من تهديدات ومخالفات لتوجه السلطة بشأن استضافة قمة دولية لم يحصل في أي من البلدان التي تمتلك السيادة والسلطة والقرار الوطني"، مبينا أن "التهديدات التي تصدر تارة وتهدد بقتل رئيس دولة عربية مدعو لحضور القمة يشكل إساءة واضحة للدولة العراقية ويبعث رسالة سلبية لقادة الدول العربية لإلغاء حضورهم ومشاركتهم في القمة".
وأوضح العبيدي أن "الجميع يعلم بأن القمة العربية في بغداد لن تحقق مكاسب مباشرة لبغداد، ولكنها ستحقق لها نصرا معنيا ويعزز مكانتها بين الدول العربية وهو ما سيؤدي بالنتيجة إلى المزيد من الانفتاح العربي على العراق".
وأشار إلى أن "الكثير من الأصوات الهاتفة ضد القمة وضد استضافة الرئيس السوري تحاول إبعاد العراق عن العرب وبقائه قريبا من الجانب الإيراني كما في العقدين الماضيين".
وتابع أن "أحد الأسباب البارزة وراء حملة الاستهداف هو تحقيق الكسب الانتخابي من قبل بعض الشخصيات والقوى السياسية التي تستغل الأزمات والظروف للترويج عن نفسها، كما حصل مؤخرا برفع لواء الطائفية لاسيما بعد التسجيل المسرب لزعيم تحالف السيادة خميس الخنجر أو عقب إثارة موضوع خور عبد الله مع الكويت رغم أن جهات نافذة اليوم كانت في السلطة ما بين 2006 – 2014 متهمة ببيع الخور للجانب الكويتي".
وأعلنت الحكومة العراقية في بيان أن اجتماع مجلس جامعة الدول العربية على مستوى القمة في دورته العادية الـ 34 واجتماع القمة التنموية في دورتها الخامسة سيعقدان يوم 17 من الشهر الحالي في القصر الحكومي داخل المنطقة الخضراء في العاصمة بغداد.
وقال البيان: إن "اجتماعات تحضيرية تعقد بداية من غد الاثنين على أن يعقد اجتماع وزراء الخارجية يوم 15 أيار / مايو الجاري".
وأكدت الحكومة العراقية إنهاء الاستعدادات لاستقبال الوفود العربية والأجنبية المشاركة في القمة العربية.
كما قررت الحكومة العراقية، تعطيل الدوام الرسمي في دوائر الدولة ومؤسساتها يومين في نهاية الاسبوع الجاري ومطلع الاسبوع المقبل بالتزامن مع انعقاد القمة العربية في العاصمة بغداد.
وقرر مجلس الوزراء في جلسته الاعتيادية التي عقدها اليوم، تعطيل الدوام الرسمي لجميع دوائر الدولة في بغداد يومي الخميس الموافق 15 أيار / مايو ، والأحد الموافق 18 أيار / مايو الجاري، باستثناء وزارة التربية والدوائر التابعة لها، يكون يوم الأحد دواماً رسمياً.
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام