بدأت السلطات المحلية في محافظة نينوى بالخطوات الأولى لفتح حفرة الخسفة الشهيرة والتي توصف بأنها أكبر مقبرة جماعية لضحايا تنظيم "داعش" في العراق.
وجاءت عمليات التحضير لفتح المقبرة متأخرا، إذ بدأت المطالبات بفتحها بعد فرض القوات العراقية السيطرة على مدينة الموصل عام 2017.
حفرة الخسفة التي تبعد نحو 20 كم جنوب الموصل اشتهرت خلال حقبة سيطرة تنظيم "داعش" على الموصل ما بين 2014 – 2017، بعد أن عمد التنظيم إلى تحويلها لمقبرة كبيرة تلقى فيها جثامين ضحاياه من المدنيين ومنتسبي الأجهزة الأمنية وغالبيتهم من مدينة الموصل.
والخسفة فجوة أرضية طبيعية يزيد قطر فوهتها عن أربعين متراً وعمقها عن 150 متراً، بحسب دراسة أكاديمية أجريت لها قبل سنوات في جامعة الموصل، أشارت إلى أن وجودها في منطقة شبه صحراوية تضم رمالاً متراكمة تسحب أي جسم ثقيل إلى الداخل.
وبالرغم من عدم وجود إحصائية تقريبية لعدد الضحايا في حفرة الخسفة، إلا أن منظمة هيومن رايتس ووتش كشفت في تقريرها الصادر في 22 مارس 2017 عن أن تنظيم "داعش" أعدم قرابة 25 ألف شخص وألقى بجثثهم في تلك المقبرة الجماعية.
وانطلقت الخطوات العملية لفتح حفرة الخسفة خلال اجتماع عقد في مقر قيادة عمليات نينوى بدعم من الحكومة المحلية ورئاسة محكمة استئناف نينوى.
وأعلن محافظ نينوى عبد القادر الدخيل اتخاذ جملة قرارات أبرزها المباشرة برفع المخلفات الحربية والألغام من المنطقة وكذلك تشكيل لجنة مختصة لإعداد الدراسة اللازمة عن الموقع وآلية فتح المقبرة الجماعية التي تقع داخل الحفرة.
وقال الدخيل في تصريح لشبكة "الساعة": إن "حفرة الخسفة الواقعة جنوب مدينة الموصل تضم أكبر مقبرة جماعية على مستوى العراق، بل وعلى مستوى العالم"، مرجحاً أن "تضم تلك المقبرة نحو 20 ألف جثمان لضحايا قتلهم تنظيم داعش خلال سنوات سيطرة على مدينة الموصل".
وأضاف الدخيل: أن "حفرة الخسفة تعد حفرة ذات طبيعة جغرافية معقدة، ولها امتدادات عمودية وأفقية يمتد بعضها في العمق وصولا ناحية حمام العليل ونهر دجلة"، مبينا أن "امتدادات الحفرة والانبعاثات الغازية السامة وانبعاثات الكبريت تعد أبرز العوامل الطبيعية المعقدة في الموقع".
وأشار إلى أن "الاجتماع الذي عقد بدعم الحكومة المحلية ورئاسة محكمة استئناف نينوى في مقر قيادة عمليات نينوى وبحضور الأجهزة الأمنية المختصة ومؤسسة الشهداء والمقابر الجماعية والصليب الأحمر والطب العدلي وجامعة الموصل يهدف إلى اتخاذ الخطوات العملية للمباشرة بفتح المقبرة الجماعية وتسليم الرفاة الموجودة في المقبرة للعائلات التي تبحث عن مصير أبنائها".
وأكد الدخيل: "التوجيه للأجهزة الأمنية بالمباشرة من الأسبوع المقبل بالبدء برفع الألغام والمخلفات الحربية"، لافتا إلى أن "لجنة مختصة تم تشكيلها من الدوائر المعنية وبرئاسة جامعة الموصل بغرض إعداد الدراسات اللازمة ووضع الآليات المناسبة لفتح المقبرة الجماعية وانتشال الجثامين وتسليمها لذويها".
كما نوه محافظ نينوى إلى أن "عمليات فتح المقبرة الجماعية ستخصص لها مبالغ مالية من ميزانية محافظة نينوى".
وتابع أن "فتح مقبرة الخسفة بات أمرا ملحا وضرورة إنسانية ولا سيما أن المعلومات تؤشر لوجود نحو 20 ألف جثمان فيها يعود أغلبها لمدنيين وعناصر الأجهزة الأمنية في مدينة الموصل الذين قام التنظيم بتصفيتهم بعد سيطرته على المدينة"، مبينا أن "العديد من الضحايا الموجودين في المقبرة هم من جنوب العراق ومن المكون الإيزيدي".
وتزيد من صعوبة فتح مقبرة الخسفة طبيعة الحفرة والتعقيدات الجغرافية والانبعاثات الغازية السامة منها، وهو ما يجعل الأمر بحاجة لتدخل ودعم دولي لإنجاح الخطوات المحلية التي بدأت لفتح المقبرة الجماعية الأكثر شهرة في العراق".
ويؤكد الخبير الجيولوجي مروان عبد الله وجود اختلاف كبير بين فتح مقبرة جماعية عادية وأخرى كالخسفة.
وقال عبد الله في حديث لشبكة "الساعة": إن "فتح مقبرة جماعية اعتيادية بات سهلا بحكم تجربة سنوات في فتح مقابر النظام السابق وتراكم الخبرة في التعامل معها خاصة أنها تكون قريبة من سطح الأرض".
واستدرك أن "الموضوع مع مقبرة الخسفة يتطلب على الأرجح آليات خاصة لا يملكها العراق، فضلا عن فرق خبيرة بمعدات للوقاية من الغازات السامة الموجودة أصلاً في الأغوار السحيقة، إلى جانب الصعوبات الناتجة عن تحلل الجثث المتراكمة".
وأشار عبد الله إلى أن "الدعم الدولي مهم لأن عمقاً يزيد عن 150 متراً يعني بالتأكيد وجود مياه، وبالمحصلة فإن نظرة أولية تعني عدداً كبيراً من الجثث في بركة هائلة من الماء، فيما عدّ محاولات ردم الحفرة خلال فترة تنظيم داعش بمئات الأطنان من الأتربة وأنقاض الأبنية ضغطاً كبيراً جداً على الجثث المتحللة أصلاً في المياه".
ويؤكد باحثون وخبراء القانون أن عدم عدّ ضحايا تنظيم "داعش" في المقابر الجماعية "شهداء" شكل أبرز المتطلبات الملحة لإعادة فتح مقبرة الخسفة وغيرها من المقابر الجماعية، على اعتبار أن إجراءات إنجاز معاملات الشهيد وصرف الحقوق المالية لذويه لا تكتمل دون إبراز الجثة ضمن إجراءات منح شهادة الوفاة.
المحامي علي الحيالي يقول إن "مئات المعاملات الخاصة بالشهداء في نينوى لم تنجز بسبب التعقيدات في الدوائر الحكومية التي فرضتها مؤسسة الشهداء فضلا عن متطلبات القانون العراقي الذي يستلزم وجود جثة لمنح شهادة الوفاة".
وأوضح الحيالي في حديث لشبكة "الساعة" أن القانون العراقي وضع شروطاً لمنح شهادة الوفاة ما سبب صعوبات على العائلة معنوياً ومادياً، ولفت إلى أن منح شهادة الوفاة تتطلب التأكد بشكل واضح لا يقبل اللبس أن الشخص المطلوب إصدار شهادة وفاة بحقه متوفٍ حقيقة من خلال معاينة الجثة ووجود شهود يقسمون أنهم حضروا دفن الجثة، لا أن يكونوا علموا بذلك سماعياً نقلاً عن آخرين".
وتابع أن "منح شهادة الوفاة يتطلب الكثير من الإجراءات القانونية والشرعية، ومثال ذلك يتوقف على حجة الوفاة تقسيم التركة أو زواج الأرملة مرة أخرى، لهذا فإن المحكمة تأخذ وقتها في التحقيق قبل منح الحجة، وبالنسبة إلى المفقودين فالقانون استلزم مرور 4 سنوات لاعتبار المفقود متوفياً، وإلا فإنه حي لغاية مرور تلك المدة، وحينها أيضاً يجب اتخاذ بعض الإجراءات القانونية".
وعن التحرك المحلي في نينوى لفتح مقبرة الخسفة، رحبت المنظمة المتحدة لحقوق الإنسان بالإجراءات التي أعلن عنها محافظ نينوى كون أغلب المفقودين من أبناء نينوى وتحديدا الموصل موجودون في هذه الحفرة، مؤكدا أن مقبرة الخسفة تعد الأكبر في العراق والشرق الأوسط.
وقال رئيس المنظمة المتحدة لحقوق الإنسان سامي الفيصل في حديث لشبكة "الساعة": إن "فتح مقبرة الخسفة يحتل أهمية كبيرة وذلك من أجل إعادة الحقوق المسلوبة للضحايا الموجودين في تلك المقبرة والذين لم يأخذوا حقوقهم كشهداء لغاية الآن".
وأضاف الفيصل: أن "المنظمة المتحدة لحقوق الإنسان تثمن وترحب بالخطوة التي بادرت بها محكمة استئناف نينوى ومحافظة نينوى لفتح مقبرة الخسفة"، لكن توقع أن "الأمر لن يتم دون تدخل ودعم من الجانب الدولي".
وأوضح أن "المطالبات بفتح المقبرة تصاعدت منذ 2017، من أجل إنصاف الضحايا الموجودين في المقبرة وإنجاز معاملاتهم التي تعتبرهم شهداء تصرف لذويهم بعض الحقوق المالية والمادية".
وأشار الفيصل إلى أن "المنظمة المتحدة لحقوق الإنسان استقبلت 8 آلاف و200 مفقود ومغيب"، مؤكدا أن "أغلب هؤلاء موجودون في مقبرة الخسفة ويقدر عددهم بنحو 5 – 6 آلاف ضحية".
كما نوه الفيصل إلى أن "داعش أعلن في يوم واحد عام 2015 عن أسماء 2070 ضحية من أبناء نينوى تم قتلهم، ويُرجح أن جثامينهم في مقبرة الخسفة".
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام