تفتح تبرئة القضاء العراقي لرئيس حزب تقدم محمد الحلبوسي من تهمة التزوير الباب أمام جملة من التساؤلات وعلامات الاستفهام القانونية والسياسية، ولا سيما أن هذه التهمة كانت السبب وراء إقالة الحلبوسي من رئاسة البرلمان وإنهاء عضويته فيه.

وجاءت براءة الحلبوسي من قبل القضاء بعد 17 شهرا من اتهامه بالتزوير، لتمهد تلك البراءة الطريق للقيادي السُني الشاب للعودة إلى الانتخابات النيابية المقبلة، وربما العودة لرئاسة البرلمان في ما تبقى من دورته الحالية أو الدورة المقبلة.

كما يعيد حكم القضاء الحسابات على صعيد التحالفات والتوازنات بالنسبة للقوى السنية والتي يشكل الحلبوسي فيها الرقم الأهم بحسب ما يرى مراقبون.

وبرأ القضاء العراقي الحلبوسي من تهمة التزوير التي أُقيل على إثرها من منصبه عام 2023، وأورد المكتب الإعلامي للحلبوسي في بيان مساء الأحد أن "القضاء العراقي يبرِّئ رئيس حزب تقدّم محمد الحلبوسي من التهم الموجهة إليه سابقا".

وأشار حزب تقدم في بيانه إلى أن "المحاكم المختصة أصدرت قراراتها بردّ الشكاوى وإلغاء التهم وغلق التحقيق، وتمت مصادقة هذه القرارات من محكمة التمييز الاتحادية واكتسبت الدرجة القطعية".

وعقب حكم البراءة، قدم الحلبوسي شكره إلى القضاء، وقال عبر تدوينة على منصة "X" بعد صدور القرار: "حين سكت أهل الحق عن الباطل توهم أهل الباطل أنهم على حق، فالحق يعلو ولا يعلى عليه".

وبدأت محاكمة الحلبوسي في شباط / فبراير 2023 أمام المحكمة الاتحادية العليا وهي أعلى سلطة قضائية في العراق، بعد شكوى تقدم بها النائب ليث الدليمي الذي اتهم الحلبوسي بـ"تزوير" تاريخ طلب استقالة باسمه قدم سابقا، بهدف طرده من البرلمان.

واتهم الدليمي، الذي كان ينتمي إلى حزب تقدم، الحلبوسي بإنهاء عضويته كنائب في كانون الثاني/ يناير 2023 عبر "أمر نيابي غير قانوني".

وتولى الحلبوسي رئاسة البرلمان العراقي مرة أولى في 2018، ثمّ مرة ثانية في 2022 في ولاية لم تكتمل، إذ أصدرت المحكمة الاتحادية العليا منتصف تشرين الثاني/ نوفمبر 2023 قرارا بإنهاء عضويته بناء على دعوى "تزوير" تقدم بها أحد النواب، وتم اختيار محمود المشهداني لرئاسة البرلمان بديلا عنه.

القانون يعيد الحلبوسي رئيسا للبرلمان بدورته الحالية

ويبدو أن تداعيات القرار القضائي سيعيد الحلبوسي بقوة إلى المشهد السياسي العراقي، إذ أكد قيادي في حزب تقدم أن القانون يجيز للحلبوسي حاليا العودة إلى رئاسة البرلمان.

وقال القيادي في الحزب عمار الجميلي، في تصريحات صحافية، إن "قرار القضاء العراقي الذي قضى ببراءة الحلبوسي من التهم الموجهة إليه كافة، يمنحه الآن من الناحية القانونية حق العودة إلى رئاسة مجلس النواب، إلا أن القرار النهائي بشأن ذلك لم يُحسم بعد، وهو رهن إرادة الحلبوسي نفسه".

وأضاف الجميلي أن "الحلبوسي بعد حصوله على البراءة سيكون المرشح رقم (1) عن كتلة (تقدم) في العاصمة بغداد خلال الانتخابات المقبلة، ومنصب رئاسة مجلس النواب سيُحسم لمصلحته في الدورة البرلمانية المقبلة".

لكن مصادر سياسية توقعت أن ترشيح الحلبوسي للبرلمان في الانتخابات المقبلة وفوزه ربما سيصطدمان بجدار المحكمة الاتحادية من جديد، حيث إنها المعنية بمصادقة نتائج الانتخابات، ولما كانت قررت في وقت سابق عدم أهلية الحلبوسي لشغل عضوية البرلمان، فربما ستكرر هذا الحكم في المرة المقبلة.

الحلبوسي والانتخابات المقبلة

الكاتب والمحلل السياسي عبد الجبار الجبوري استبعد عودة الحلبوسي أو رغبته بالعودة إلى رئاسة البرلمان في الدورة الحالية.

وقال الجبوري في تصريح لشبكة "الساعة": إن "قرار المحكمة الاتحادية، قد ألغى جميع التهم ضد الحلبوسي، بمعنى أن الحلبوسي يحق له، القيام بمقاضاة من اتهمه بالتزوير، لأن هذا يعد تشهيراً وتضليلاً وإخبارا كاذبا".

وأضاف الجبوري: أنه "يحق للحلبوسي الدخول في الانتخابات المقبلة، كما يحق له قانونياً أن يعاد الى رئاسة مجلس النواب بعد إلغاء انتخاب المشهداني، لأن الحلبوسي منتخب بالأغلبية رئيساً للمجلس وبتوافق جميع الكتل".

وتابع أن "الحلبوسي لا يحتاج اليوم إلى قرار جديد للعودة للمنصب، كون ذات المحكمة برأته من التهم المنسوبة إليه وهي نفسها التي اتهمته وأقالته بقرار منها، إلاّ إذا هو لم يطلب العودة ويتنازل عن حقه الدستوري"، فيما استبعد أن "يطلب العودة، لأن الانتخابات قاب شهرين وأكثر".

تضارب في أحكام القضاء

من جهته أكد الباحث القانوني والسياسي أمير الدعمي أن الأمور في البلاد ستستمر على ماهي عليه الآن دون تغيير في رئاسة البرلمان أو القوانين التي أقرت في عهد المشهداني بالرغم من أن حكم القضاء ببراءة الحلبوسي يؤكد حق الأخير بالعودة لرئاسة البرلمان واعتبار ما ترتب على إقالته باطلا ومنها انتخاب المشهداني والقوانين التي أقرت بعدها، فيما توقع أن يعود الحلبوسي بقوة في المشهد المقبل ليحصل على رئاسة البرلمان أو رئاسة الجمهورية.

وقال الدعمي في تصريح لشبكة "الساعة": إن "الرأي القانوني الذي أبديناه عندما صدر قرار المحكمة الاتحادية بإقالة الحلبوسي وإنهاء عضويته في البرلمان هو أن قرار الاتحادية كان اجتهادا غير صائب وتجاوز على الصلاحيات الممنوحة للمحكمة وفق المادة الدستورية الـ 93 بفقراتها الـ 8، والتي لم تتضمن جميعها أي نص على صلاحية المحكمة في إنهاء عضوية أي نائب فضلا عن رئيس البرلمان".

وأضاف الدعمي: أن "القرار بإقالة الحلبوسي من قبل المحكمة الاتحادية كان يجب أن يسبقه تحقيق وتدقيق من القضاء العراقي ومحاكم التحقيق ومن ثم في حال إدانته بتهمة التزوير ففي ذلك الوقت يحق للقضاء إقالته وإنهاء عضويته ومحاكمته على التهمة الموجهة له".

وتابع الدعمي: أن "براءة الحلبوسي من القضاء تفتح الكثير من التساؤلات عن عودته إلى منصبه أم مواصلة مسيره نحو الانتخابات المقبلة"؟، مؤكدا أنه "من الناحية القانونية فإن الحلبوسي يحق له العودة لرئاسة البرلمان وما بني على قرار الإقالة الباطل فهو باطل، أي أن انتخاب محمود المشهداني يعد باطلا من الناحية القانونية وكذلك فإن جميع القوانين التي تم تمريرها برئاسة المشهداني باطلة أيضا".

 وأشار إلى أن "الحلبوسي لن يعود إلى منصب الرئاسة على اعتبار أن قرار المحكمة الاتحادية باتا وملزما للسلطات سواء كان صوابا أو خطأ".

وشدد الدعمي على "ضرورة أن يكون الفصل في القضايا التي لا تدخل ضمن صلاحيات المحكمة الاتحادية لمجلس القضاء الأعلى، وذلك لأن الوضع الحالي وضع علامات استفهام قانونية بسبب التضارب في المواقف والأحكام القضائية الصادرة بين القضاء العادي والمحكمة الاتحادية".

وعن الدور المقبل للحلبوسي توقع الدعمي أن "يعود بقوة بعد هذا القرار كونه السياسي الأقوى على صعيد القوى السنية والشيعية"، مبينا أن "عودته ستكون أقوى من السابق، وتوقع أن يحصل على منصب رئاسة البرلمان في الدورة القادمة إن لم يحصل على منصب رئيس الجمهورية".

وفي وقت سابق اتهم الحلبوسي المحكمة الاتحادية بتسييس قراراتها، وأكد رفضه لقراراتها غير الدستورية والتي تضرب القوانين والتشريعات عرض الحائط، وهاجم رئيسها جاسم العميري على خلفية رفض المحكمة لتمرير قانون العفو العام قبل أن يحسم القضاء الأمر ويوجه بتنفيذ القانون الذي صوت عليه مجلس النواب.