عادت حرب التسريبات الصوتية إلى العراق مجددا، وعودتها هذه المرة تأتي قبيل الانتخابات البرلمانية المقرر إجراؤها في تشرين الثاني المقبل، إذ تأتي في سياق التأجيج الطائفي المراد منه الكسب السياسي والانتخابي، كما بات معلوما لدى كثير من العراقيين.

التسريبات الصوتية الأخيرة أثيرت ضد رئيس تحالف السيادة خميس الخنجر، إذ انتشر بقوة خلال الساعات القليلة الماضية، تسريب صوتي نُسب إلى الخنجر يتحدث فيه الأخير بلهجة طائفية عن مؤسسات الدولة والحكم الشيعي في العراق بعد 2003 التي وصفها بحكم الشروكية، بحسب التسجيل.

وعرضت التسريبات في برنامج (من الدولة) والذي يقدمه الإعلامي قصي شفيق، على قناة (عراق الحدث) المعروفة بقربها من رئيس ائتلاف دولة القانون نوري المالكي، ويدعي فيه عائدية التسريب لخميس الخنجر.

تحالف الخنجر ينفي

سارع تحالف السيادة إلى نفي صحة التسريبات الصوتية التي نُسبت الى الخنجر وعدها ملفقة ومزورة، فيما توجه لرفع دعوى قضائية ضد القناة ومقدم البرنامج الذي قام بنشره بتهمة التشهير وتشويه سمعة رئيس التحالف.

ودعا السيادة جهاز الأمن الوطني إلى العمل على متابعة صاحب الرقم الذي ادعى مقدم البرنامج أن التسريب الصوتي وصلهم من خلاله والتحقيق في عائديته.

شكاوى قضائية ضد الخنجر

ورغم نفي السيادة وتقديمها شكوى ضد القناة والإعلامي الذي نشر التسريبات الصوتية، إلا أن برلمانيين من المكون الشيعي من بينهم النائب مصطفى سند والنائب محمد الخفاجي والنائب هادي السلامي، فضلا عن قانونيين قدموا شكاوى لدى القضاء ضد الخنجر بشأن التسجيل المنسوب، فيما شنت مواقع ومنصات مقربة من قوى الإطار التنسيقي ونوابه حملة شرسة استهدفت الخنجر على خلفية التسجيل المنسوب الذي يهاجم فيه الشيعة وحكمهم للعراق منذ 2003.

ورغم خطورة ما ورد في تسريبات الخنجر الصوتية، إلا أن تسريبات أخرى سبق الكشف عنها لسياسيين ومسؤولين بارزين، غير أن أخطر تلك التسريبات ما تم نشره قبل عامين لرئيس ائتلاف دولة القانون نوري المالكي ومرت دون توجيه القضاء أي عقوبة رغم تضمنها تحريض طائفي مباشر ضد العرب السنة وتهديدات بقتل زعيم التيار الصدري وإساءة لمرجعية السيستاني وللحشد الشعبي.

جدل بشأن صحة التسجيلات

وعن صحة التسجيل الصوتي الأخير المنسوب للخنجر من عدمه، أكد خبراء في الصحافة الرقمية عدم صحة التسريبات والتلاعب فيها عبر تقنيات الذكاء الاصطناعي.

وقال الخبير في الصحافة الرقمية علي محمود في تصريح لشبكة "الساعة": إن "التسريب الصوتي المنسوب للخنجر تم التلاعب فيه وتزويره عبر برنامج (Respeecher)".

وأضاف أن "أي تسجيل يتضمن صوتا له إيقاع صدى بين 80 و87 ضمن برامج تدقيق المحتوى الصوتي فهو متلاعب به أو مزيف تماماً إذ أن هذه طريقة بدائية يمكن تجربتها لفحص المحتوى المسموع وبتكاليف اشتراك شهرية بسيطة لكشف حيل الذكاء الاصطناعي".

بالمقابل، رجح فريق التقنية من أجل السلام المختص أيضا بالصحافة الرقمية صحة التسريب المنسوب للخنجر.

وقال الفريق في بيان تلقته "الساعة": إنه" قام بفحص الصوت المتداول بواسطة موقع "ElevenLabs" المختص بالصحافة الرقمية عبر تحويل النصوص إلى أصوات مخصصة بحوالي 32 لغة مختلفة بواسطة الذكاء الاصطناعي، تبين أن المقطع الصوتي المتداول غير منشأ بالذكاء الاصطناعي بواسطة ذات الموقع أو قد تم التلاعب به".

وأضاف أنه "من غير المرجح جدًا والاحتمال 2% من غير المرجح أن يكون هذا الصوت قد تم إنشاؤه باستخدام )ايليفن لابس(، أو أنه تم التلاعب به"، مؤكداً أن "هذا المنشور لا ينفي أو يثبت صحة المقطع الصوتي المنسوب للخنجر، وهو فقط يوضح نتيجة التحقق منه في موقع مختص".

مدونون: الخنجر استخف بالشيعة وسماهم "المشركة"

ووصف مدونون من وسط وجنوب العراق من المكون الشيعي ما جاء في تسجيلات الخنجر بأنها شعارات طائفية تستهدف النيل من الشيعة وإعادة الحكم والنظام السياسي إلى العرب السنة.

ويتهم المدونون الخنجر بأنه حاول الاستخفاف والاستنقاص من المكون الشيعي عندما أطلق عليهم وصف "المشركة"، وأكدوا أن بقاء الخنجر في العملية السياسية يمثل تهديدا لوحدة العراق وأمنه واستقراره حسب وصفهم، فيما أكدوا على ضرورة محاسبته عبر الطرق القانونية.

هجوم شيعي غير مسبوق

وبعد اشتداد الهجمات ضد الخنجر، أصدر تحالفه بيانا ثانيا، "ندد فيه بالهجمة الممنهجة ضد رئيسه، والتي انطوت على مزاعم صوتية مزيفة، ضمن حملة كانت متوقعة منذ مدة بعد سلسلة المواقف السياسية للخنجر إزاء ملفات إنسانية وحقوقية للمكون السني، أبرزها ملفا النازحين والمناطق منزوعة السكان، والمغيبين والمعتقلين الأبرياء".

وعد التحالف الاعتداءات اللفظية والتجاوزات بحق الشركاء، والمستندة إلى حزمة فبركات تقف وراءها قوى اللا دولة والسلاح المنفلت والطائفيون، لن تثني التحالف قيادة وأعضاء عن المضي بمشروعه الذي خطه منذ البداية.

من جهته أكد الباحث السياسي حيدر البرزنجي أن تصريحات الخنجر صحيحة وليست مفبركة لأن ما جاء فيها من خطاب لا يختلف عن خطاب الخنجر سابقا من حيث التحريض ومهاجمة الشيعة والعملية السياسية.

وقال البرزنجي في حديث لشبكة "الساعة": إن "ما ورد في حديث الخنجر ليس بالجديد والغريب عليه فهو (الخنجر) قد اعترف سابقا وأمام وسائل الإعلام بأنه كان يحرض ويدفع المال للنيل من النظام السياسي والعملية السياسية الحالية وجيش المالكي كما كان يصفه والقوات العراقية وإيران وعلى المكون الشيعي".

وأضاف أن "الخطأ الأكبر يتمثل في الذين يعتقدون أن الخنجر وأمثاله يمكنهم أن يصلحوا البلاد ويشاركون في بنائها".

وأشار البرزنجي إلى أن "تصريحات الخنجر من شأنها إعادة العراق للمربع الأول وتمثل انقلابا على العملية السياسية ومحاولة لتهميش وإقصاء الأغلبية السياسية الشيعة عن المشهد السياسي وإدارة البلاد"، فضلا عن "محاولته إعادة النظام السابق وهو ما يعكس فكر حزب البعث".

المساءلة والعدالة تدخل خط الأزمة

ومع انتشار التسريب الصوتي المنسوب للخنجر، أكدت هيئة المساءلة والعدالة أن خميس الخنجر عضو سابق في حزب البعث المنحل، لا يحق له تأسيس أو قيادة حزب سياسي أو الترشح للانتخابات.

وأوضحت الهيئة في كتاب متداول وموجه لمجلس النواب أن الخنجر قد شغل منصب عضو فرقة ضمن تنظيمات حزب البعث في قضاء الفلوجة بمحافظة الأنبار، مبينة أن القوانين النافذة، ولاسيما المادة (9/أولًا) من قانون الأحزاب السياسية رقم (36) لسنة 2015، تمنع المشمولين بإجراءات المساءلة والعدالة من تأسيس أو قيادة أحزاب سياسية أو الترشح للانتخابات.

مواقف سُنية تساند الخنجر

ودافع نواب من المكون السني عن الخنجر وأكدوا أن التسريبات المنسوبة إليه مفبركة هدفها الاستهداف السياسي وتكريس سياسية الإقصاء والتهميش الطائفية في البلاد، وعدوا استهدافه ردا على موقف الخنجر في دعم تمرير قانون العفو العام وإطلاق سراح النائب الأسبق أحمد العلواني.

وقال النائب خالد الدراجي إن "الخنجر لا تصدر منه أي دعوات طائفية خلال اللقاءات الخاصة ويؤكد باستمرار على إقامة دولة مدنية مبنية على العدل والمساواة".

فيما أكد النائب عن حزب السيادة مضر الكروي أن "استـهداف الخنجر جاء لجهوده بقضية أحمد العلواني ودفاعه عن حقوق العرب السنة في ملف النازحين والمغيبين".

وعد المجمع الفقهي العراق والوقف السني التسريبات الصوتية حملات استهداف وتشويه ممنهجة تتعمد النيل من مكانة الخنجر، وبينا أن استهداف الرموز لا يطال أشخاصهم فحسب، بل يطال النسيج الاجتماعي والقيم التي يمثلونها مما يشكل تهديداً للسلم المجتمعي، فاحترام الرموز هو السبيل الأمثل لبناء مجتمع واعٍ ومتماسك.

محاولات ممنهجة لإقصاء السنة

أما النائب رعد الدهلكي فأكد أن نشر التسريبات المفبركة ضد الخنجر يمثل خطوة ضمن محاولات الإقصاء الممنهجة التي يتعرض لها العرب السنة في العراق.

وقال الدهلكي في تصريح لشبكة "الساعة": إن "التسجيلات المفبركة التي استهدفت رئيس تحالف السيادة ليست سوى فصل جديد في سياسة الإقصاء البغيضة واستهداف سافر لكل قيادات المكون السني".

وأضاف أن "مواقف الخنجر تجاه قضايا العراق والمنطقة هي المحرك الأساس لقوى السلاح المنفلت التي بادرت إلى فبركة التسريب الصوتي ونشر الأكاذيب الرخيصة".

فبركة غبية

أما المحلل السياسي وائل حازم فأكد أن ما التسريبات المنسوبة للخنجر غير صحيحة، وأن فبركتها واضحة.

وقال حازم في حديث لشبكة "الساعة": إن "من قام بفبركة التسريب الصوتي للخنجر عبر الذكاء الاصطناعي لا يتمتع بالذكاء وإنما نقيضه (الغباء)"، بحسب وصفه.

وأضاف: أن "الغرض من نشر التسجيل الصوتي المفبرك هو استهداف الخنجر سياسيا ومحاولة بعض القوى السياسية تحشيد جماهيرها طائفيا لكسب الأصوات في الانتخابات المقبلة".

استغلال سياسي للتسريب

كما يرى الباحث في الشأن السياسي محمد غصوب أن التسريبات المنسوبة للخنجر لا يمكن البت بصحتها أو عدمها إلا من خلال التحقيق الفني والتقني والقضائي.

وأكد غصوب في حديث لشبكة "الساعة": أن "الأمر المهم في تسريبات الخنجر بعيدا عن صحة التسريب من عدمه هو استغلالها في التحشيد الانتخابي على أسس طائفية".

وأوضح أن "العديد من القوى السياسية بدأت تحشد وتستغل ما ورد في التسجيل الصوتي من أجل إثارة الموضوع وتبني خيار الدفاع عن المكون الشيعي وذلك لإظهار نفسها في موقع المدافع عن حقوق الشيعة بعد أن فشلوا في تحقيق مطالب الشارع في المجالات الاقتصادية والخدمية وغيرها".