أثارت قضية إطلاق سراح النائب الأسبق أحمد العلواني جدلا في الشارع العراقي، فالجانب السني الذي ينتمي إليه البرلماني المفرج عنه يرى في الأمر انتصارا للعدالة وإنصافا لمظلوم زج في السجن لسنوات بسبب خلافات سياسية مع الجهة المتنفذة في الدولة، بينما ينظر الجانب الشيعي للأمر على أنه مساومة سياسية وخضوع من السلطة الحالية لضغوط القوى السنية وتنازل منها عن ملف إطلاق سراح المتورطين بارتكاب جرائم قتل وإرهاب ضد العراقيين بعد إقرار قانون العفو العام.

والأربعاء الماضي 23 نيسان 2025، أفرجت السلطات العراقية عن النائب الأسبق أحمد العلواني، حيث كان يقضي محكوميته في سجن سوسة المركزي بمحافظة السليمانية.

وتم اعتقال العلواني من منزله في الرمادي فجر الـ 28 من أيلول 2013 من قبل قوات الأمن العراقية بتهم التحريض على الإرهاب، وفي 23 تشرين الثاني 2014 أصدرت المحكمة الجنائية المركزية العراقية حكماً بإعدامه بعد أن أدين بتهمة القتل العمد لجنديين عراقيين نهاية 2013، أثناء المداهمة، والتي شهدت أيضاً مقتل شقيقه علي العلواني.

وكشفت مصادر مقربة من البرلماني الأسبق لشبكة "الساعة" عن إطلاق سراح العلواني جاء بعد شموله بقانون العفو العام وبعد التوصل لصلح عشائري ودفع الدية لذوي الجنديين الذين قتلا خلال عملية إلقاء القبض عليه.

وقالت المصادر إن "العلواني شُمل بقانون العفو العام، ولكن إجراءات الإفراج اكتملت بشكل نهائي بعد تنازل ذوي الجنديين القتيلين عقب تسلمهما مبالغ الدية".

وأوضحت أن "العلواني كان مطالباً بديتين لمنتسبين أمنيين في جهاز مكافحة الإرهاب قتلا أثناء مداهمة منزله في عام 2013، الأول من أهالي مدينة الصدر في محافظة بغداد، والثاني من أهالي محافظة كربلاء"، مشيرة إلى أن "ذوي المنتسب من مدينة الصدر سبق أن تسلموا الدية منذ عدة سنوات، فيما تسلم ذوو المنتسب من محافظة كربلاء الدية مؤخراً، ليشمل النائب السابق أحمد العلواني بقانون العفو العام وإطلاق سراحه".

وبحسب سياسيين سُنة فإن ملف العلواني واعتقاله والتهمة الموجهة إليه كلها تم تلفيقها في إطار التصفية السياسية ووفقا لرغبة رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي الذي توجه له التهم بممارسة سياسات إقصائية وتهميشيه تجاه السنة العرب والكرد واستغلال الدولة في تصفية خصومه السياسيين تحت ذريعة ومسمى الإرهاب.

وخلال حقبة المالكي الثانية، تم توجيه تهمة الإرهاب أيضا لنائب رئيس الجمهورية طارق الهاشمي، الذي يعد من أوائل المشاركين في العمل السياسي بعد الغزو الأمريكي للعراق، وأصدر القضاء حينها الأمر باعتقال الهاشمي لكنه غادر إلى أربيل ثم استقر في تركيا التي ما يزال يقيم فيها بسبب عدم غلق ملفه السابق لدى القضاء العراقي.

وبالطريقة نفسها، حاول المالكي خلال ولايته الثانية اعتقال نائب رئيس الوزراء ووزير المالية الأسبق في حكومته رافع العيساوي، إذ وجهت له ولأفراد حمايته التهم بالإرهاب، ما دفع العيساوي لان يكون أول المعارضين لسياسات المالكي ومن قادة التظاهرات التي انطلقت في المحافظات السنية عام 2013، لكن ملف العيساوي تم إغلاقه عام 2023 وعاد إلى العراق بعد توافقات قضائية وسياسية.

كما واجه أمير قبيلة الدليم علي حاتم السليمان القضية ذاتها والتهمة نفسها، ولكن لجأ إلى أربيل ثم إلى خارج العراق قبل أن يعود بعد تسويات سياسية أفضت إلى تبرئته من القضاء الذي كان قد أصدر بحقه أمر قبض بتهمة الإرهاب أيضا.

وما يزال محافظ نينوى الأسبق أثيل النجيفي وهو أحد المعارضين لما يصفه سياسات المالكي الطائفية والخاطئة خارج العراق بعد توجيه القضاء تهما له بشأن إثارة النعرات الطائفية على خلفية رفضه التنازل عن ملكية مواقع تابعة للوقف السني في مدينة الموصل إلى الوقف الشيعي خلال حقبة المالكي.

وبالعودة لموضوع إطلاق سراح العلواني، رحب تحالف السيادة الذي يتزعمه خميس الخنجر بإطلاق سراح النائب السابق من السجن، واصفاً الموقف بأنه لحظة تعيد الأمل.

وذكر السيادة في بيان: إنه "تحققت اليوم العدالة بإطلاق سراح النائب السابق أحمد العلواني بعد سنوات طويلة قضاها في السجون"، مؤكداً: "التزام تحالف السيادة الثابت بمواصلة طريق تتبّع قضايا المظلومين في السجون، والعمل بلا كلل على إطلاق سراح آخر معتقل بريء مهما كانت التحديات والظروف، فالدول تبنى بالقانون والعدالة والإنصاف، لا بالتسلط والظلم".

وأضاف أن "عودة أحمد العلواني إلى أهله ومحبيه لحظة تعيد الأمل، وترسخ في وجداننا بأن صبر الأحرار لا يضيع سدى"، مشيراً إلى أن "رئيس تحالف السيادة خميس الخنجر بذل جهوداً استثنائية طيلة السنوات الماضية لتشريع قانون العفو العام، وإطلاق سراح الأبرياء حتى خروج آخر مظلوم من ضحايا المخبر السري".

 وتابع: أنه "يراقب عن كثب أوضاع المعتقلين الأبرياء، وسيواصل الضغط والعمل القانوني والوطني حتى يرفع الظلم عنهم جميعاً".

وأكد النائب السابق مشعان الجبوري أن "قضية العلواني تمثل حالة ظلم عامة واستغلال للسلطة ضد العرب السنة في العراق".

فيما أشار المستشار السابق لرئيس الحكومة إبراهيم الصميدعي إلى أن "العلواني بريء من التهم الموجهة له وهو لم يقتل أو يحرض على قتل الجيش العراقي".

وقال الصميدعي إن "العلواني كان نائبا وكان متبنيا لخطاب الجماهير الرافضة لسياسات حكومة المالكي وعندما داهمت قوات مكافحة الإرهاب منزله لم يكن يعلم بالأمر ولم يعلم القوة التي اقتحمت منزله ما جعل حراسه وأقاربه في موقف دفاع عن العلواني"، مؤكدا أنه "لو تم إبلاغ العلواني بالأمر لما حصل سفك للدماء خلال عملية اقتحام منزله في الرمادي".

من جهته يرى الباحث في الشأن السياسي عبد القادر النايل أن قضية اعتقال العلواني تؤكد استغلال السلطة طائفيا وسياسيا من قبل حكومة المالكي.

وقال النايل في حديث لشبكة "الساعة": إن "إطلاق سراح العلواني الذي اعتقل بطريقة الاختطاف بأمر من نوري المالكي وهو يتمتع بالحصانة الدبلوماسية دون سابق إنذار أو أمر اعتقال صادر من القضاء يبرهن ويؤكد للعراقيين أن حقبة حكم المالكي كانت الأسوأ باستخدام السلطة بإطارها الطائفي المقيت ضد العرب السنة ومن يتقدم المشهد في تمثيلهم أو الدفاع عن حقوقهم المشروعة".

وأضاف النايل: أن "ما قام به المالكي هو استغلال صريح وممنهج للدولة تكرس الحكومة فيها أفعال العصابات بأسلوب المليشيات الوقحة"، حسب تعبيره.

وأوضح أن "العلواني بريء حتى من قتل الجنود الذين دفعت عشيرة العلواني ديتهم"، مؤكدا أن "مصادر رفيعة في قوات سوات أكدت أن الجنديين قتلا بنيران زملائهم بسبب الرمي العشوائي للقوة المهاجمة على منزل العلواني".

وأشار إلى أن "المالكي استخدم الحكومة بتصفية الحسابات مع القيادات السنية بإطار طائفي بدفع إيراني وهذا يدفع بضرورة أن تقوم الحكومة العراقية بدفع الدية والتعويض للنائب العلواني وحمايته ولأخيه الذي قتل خلال اقتحام منزل النائب السابق".

وبشأن قانون العفو العام أكد النايل أن "قانون العفو وبالرغم من إقرار بعض فقراته إلا أنه لم يطبق إلى الآن وقضاة الإرهاب في المحاكم متخوفين من الفصائل المسلحة في إنفاذ القانون المصوت عليه ضمن فقراته القليلة التي لا تلبي طموح المظلومين"، واصفا ذلك بأنه "تعسف آخر من خلال شرعنة المخالفات القانونية والتي تسببت بإبقاء المعتقلين في السجون وجميعهم من المكون السني بعد أن سلط قانون مكافحة الإرهاب سيئ الصيت عليهم"، مشددا على "ضرورة تشريع قانون عفو عام حقيقي وليس وهميا أو مشروعا انتخابيا؛ لإنصاف المظلومين في السجون العراقية".

وعقب إقرار قانون العفو العام، أطلق سياسيون وقادة في الفصائل المسلحة والقوى الإطارية القريبة من إيران تصريحات تؤكد أن قانون العفو لن يشمل المعتقلين بتهم الإرهاب من المكون السني بالرغم من أن شهادات السلطات العراقية والمنظمات الدولية تؤكد أن غالبية المحكومين بتهم الإرهاب هم أبرياء وتم انتزاع الاعترافات منهم بالقوة والإكراه.