بدأت العلاقات العراقية – السورية تدريجيا بطيّ مرحلة التصعيد والجمود والحذر التي سادت طيلة الأشهر الأربعة الماضية بعد تغيير النظام السوري والإطاحة بحكم بشار الأسد.

وفي دليل على تحسن العلاقات بين بغداد ودمشق، أوفد رئيس الوزراء محمد شياع السوداني وفدًا رسميًا برئاسة مدير جهاز المخابرات حميد الشطري إلى العاصمة السورية دمشق للقاء الرئيس السوري أحمد الشرع، في إطار تعزيز العلاقات الثنائية وبحث عدد من الملفات ذات الاهتمام المشترك.

وهذه الزيارة هي الثانية التي يجريها وفد عراقي منذ تغيير النظام في سوريا، إذ كانت الزيارة الأولى نهاية العام الماضي برئاسة الشطري أيضا، ولكنها لم تحقق تقاربا لافتا بين الطرفين.

وذكر المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء في بيان تلقته شبكة "الساعة"، أنه "بتوجيه من السوداني، وصل إلى العاصمة السورية دمشق، وفد رسمي حكومي عراقي، برئاسة رئيس جهاز المخابرات الوطني حميد الشطري، للقاء رئيس الجمهورية العربية السورية أحمد الشرع، وعدد من المسؤولين الحكوميين".

وأشار إلى أن "الوفد الرسمي يضم مسؤولين عن قيادة قوات الحدود في وزارة الداخلية، ووزارتي النفط والتجارة، وهيئة المنافذ الحدودية".

ويعد العراق إلى فترة ليست بالبعيدة، من البلدان الحليفة للنظام السوري السابق رغم مقاطعته من أغلب الدول العربية، وهو ما يفسر النفوذ الإيراني في البلدين منذ أكثر من عقدين حتى تراجع إيران في المنطقة وخسارتها سوريا كساحة موالية لها في عهد الأسد.

مؤشرات التقارب بين بغداد ودمشق بدت جلية خلال لقاء رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني بالرئيس السوري أحمد الشرع في الدوحة بوساطة من أمير قطر.

كما يبدو التقارب بعد تغيير الخطاب الرسمي العراقي تجاه التغيير في سوريا وإدارتها الجديدة التي كانت توصف بالإرهاب، وذلك من خلال دعوة الحكومة العراقية للشرع لحضور القمة العربية المقرر عقدها في بغداد وتأكيد السوداني على أن الشرع مرحب به في العاصمة بغداد.

وأكدت الحكومة العراقية أن زيارة الوفد العراقي إلى سوريا يمثل خطوة عملية وتنفيذية لما جرى الاتفاق عليه في الزيارات السابقة.

وقال المتحدث باسم الحكومة باسم العوادي في تصريح لوكالة "شفق نيوز": إن "زيارة الوفد الأمني سيكون لها أهمية كبيرة تفوق الزيارات السابقة التي كانت ذات طابع الاستماع وتبادل وجهات النظر والتأكيد على الاحترام المتبادل وعدم التدخل بشؤون الآخر".

وأضاف أن "الزيارة الحالية تمثل الخطوة العملية والتنفيذية لما سبق من لقاءات واتصالات مهدت الأرضية للتحرك نحو التنفيذ والانفتاح العملي".

وأشار العوادي إلى أن "هذه الزيارة ستضع أولى لبنات خارطة الطريق للتعاون العراقي السوري الجدي الذي بني على النوايا الحسنة للطرفين والاهتمام المتبادل بتعزيز العلاقات ونقلها من مرحلة التنظير إلى مرحلة التنفيذ"، مبينا أنه "رغم الطابع الأمني في رئاسة الوفد والملفات الأمنية المطروحة للاتفاق والتعاون لكن الملفات الاقتصادية والتجارية هي في جوهر الزيارة المطلوب أن تكون نتيجتها نقله نوعية أولى لمستقبل علاقات جدية وفاعلة بين البلدين الشقيقين".

وأكد متحدث الحكومة العراقية أن "بغداد ودمشق تتحركان نحو بعضهما لتجاوز الماضي وتبادل الاهتمام المشترك بنوايا حسنة والتوجه نحو المستقبل والقادم بخطى أكثر ثباتاً وتعاوناً".

في الأثناء، كشف مصدر عراقي لوكالة الأنباء العراقية أن الزيارة ناقشت إمكانية تأهيل الأنبوب العراقي لنقل النفط عبر الأراضي السورية إلى موانئ البحر الأبيض المتوسط.

أما الجانب السوري، فأفادت وكالة الأنباء السورية (سانا) بأن "الشرع التقى الوفد العراقي وأكد الطرفان على تشجيع الاستثمارات بين البلدين وعقد صفقات تجارية في قطاعات النفط والحبوب، فضلا عن العمل على وضع آلية عمل لتشغيل منفذ التنف – الوليد الحدودي بين البلدين".

وفي السياق، قال وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إن "العلاقة بين البلدين هي علاقة تاريخية وعائلية وتجارية وأمنية".

وأضاف في تصريحات صحفية: أن "هناك الكثير من المخاطر المشتركة، وأيضا من المصالح المشتركة، ونحن اليوم ننظر إلى العراق كشريك إقليمي ونريد أن نطور هذه العلاقة التي تعرضت في الماضي للكثير من التشويه على يد نظام البعث العراقي والسوري".

ويرى مراقبون للشأن السياسي أن الحكومة العراقية والعديد من الأطراف الفاعلة في الإطار التنسيقي بدأت تتعامل بواقعية مع التطورات والتغييرات الدولية والإقليمية التي فرضتها تداعيات الحرب على غزة، وهو ما دفع نحو الانفتاح العراقي على سوريا مؤخرا، وأشاروا إلى أن القطعية العراقية مع سوريا خلال مرحلة ما بعد الأسد كانت نتيجة الضغوط الإيرانية ورفض الجهات العراقية القريبة من طهران لأي تقارب مع دمشق.

وبالرغم من استمرار بعض الأطراف الفاعلة في المشهد السياسي العراقي من القوى المنضوية في الإطار التنسيقي والمعروفة بقربها من إيران بالتصعيد ضد سوريا ورفضها حضور رئيسها إلى القمة العربية في بغداد، إلا أن العلاقات بين البلدين بدأت بفتح آفاق جديدة من العمل الإيجابي، ولا سيما أن ملفات مهمة ومصيرية بين الجانبين لا يمكن تجاوزها من دون التعاون المشترك وأبرزها ملفات الأمن والحدود ومكافحة تنظيم "داعش"، فضلا عن التعاون التجاري.

ويؤكد الباحث السياسي رمضان البدران أن زيارة الوفد العراقي الأخيرة إلى دمشق تعكس تغير رؤية وقراءة السوداني للوضع السوري والواقع الإقليمي والدولي والدور العراقي في المتغيرات التي تجري.

وقال البدران في حديث لشبكة "الساعة": إن "لقاء الدوحة الذي جمع السوداني والشرع أذاب الجليد وفتح باباً لتطوير آفاق التفاهم المباشر بين الدولتين في الأقطاب الرسمية"، مبينا أن "السوداني أصبحت لديه قراءة أفضل للوضع السوري والواقع الإقليمي والدولي وللدور العراقي في المتغيرات التي تشهدها المنطقة وكيفية التعاطي مع الملف السوري".

وأضاف البدران: أن "زيارة الوفد العراقي برئاسة الشطري إلى دمشق مهمة، وهي زيارة طبيعية كان يفترض أن تجري منذ فترة حتى دون الحاجة إلى لقاء الدوحة"، وتوقع أن "العلاقة بين البلدين بدأت تعود بالشكل الرسمي بعيدا عن الخلافات السياسية والخلافات الفكرية والتاريخية بين الجانبين".

وأشار إلى أن "النظام السياسي في العراق بات يدرك أن خلق الفجوات مع سوريا الجديدة والتصعيد ضدها سيجعل العراق في وضع معقد على الصعيد الدولي"، منوها إلى أن "نجاح الخطاب السوري لغاية الآن داخليا وإقليميا ودوليا أصبح يقلق معارضي التطبيع مع سوريا في العراق ويجعلهم في دائرة ضيقة".

 وشدد على أن "المرحلة المقبلة مرحلة حساسة مرتبطة بنتيجة المفاوضات بين إيران وأمريكا وهذا يفرض على العراق التحرك العاجل لإعادة ترتيب علاقته الدولية وتصفير الخلافات الخارجية والأزمات تحسبا لأي نتائج للمفاوضات بين واشنطن وطهران".

وعن سبب القطيعة السابقة بين الجانبين وتصعيد بعض الأطراف العراقية ضد سوريا، أكد البدران أن "الإدارة السورية الجديدة تعمل على رفع شكاوى لدى المحاكم الدولية عن جرائم الأسد والجهات المتحالفة معه والمتورطة بارتكاب الجرائم ضد السوريين وفي مقدمتهم الجهات العراقية المسلحة التي كانت تدعم الأسد"، مبينا أن "تلك الجهات تدفع نحو التصعيد ضد دمشق بسبب تورطها في تلك الجرائم والتي سيطالها التحقيق الدولي حال المضي به".

ومؤخرا دافع رئيس تيار الحكمة في العراق إحدى الجهات المنضوية في الإطار التنسيقي عن التقارب بين بغداد ودمشق ودعوة السوداني للشرع لحضور قمة بغداد، مؤكدا أن من المصلحة الوطنية العراقية الانفتاح والتواصل مع الإدارة الجديدة في سوريا.