بالرغم من بدء العد التنازلي للانتخابات البرلمانية العراقية والمقرر إجراؤها في الـ 11 من تشرين الثاني 2025، إلا أن حالة التشتت والتشظي ما تزال سيدة الموقف في الساحة السياسية السنية.

ولا يقتصر الانقسام على البيت السياسي السني، فالبيتان الشيعي والكردي يواجهان ذات الشيء، لكن حالة التشظي تبدو أكبر وأوضح داخل القوى السنية التي أخفقت خلال أكثر من عام في تقديم مرشح واحد لمنصب رئاسة البرلمان قبل أن يحسم الأمر لصالح محمود المشهداني.

وبحسب تصريحات السياسيين السنة، فإن القوى الممثلة للمكون تسعى خلال الانتخابات المقبلة وبقوة من أجل استعادة عدد مقاعد السنة الذي يصل إلى نحو 94 مقعدا من أصل 329، بحسب ما يصرح مؤخرا رئيس البرلمان الحالي محمود المشهداني، والذي أكد لاحقا أنه ينزل بقائمة تضم رئيس الوزراء الأسبق إياد علاوي.

غير أن مراقبين للشأن العراقي توقعوا استمرار حالة الانقسام السني في الانتخابات المقبلة، الأمر الذي سيجعلها تخسر العديد من المقاعد، ولا سيما مع  تصاعد نفوذ القوى الإطارية الشيعية على المشهد السياسي في المحافظات السنية، والتي بدأت بتقديم مرشحين من العرب السنة في مناطقهم لصالح الكتل الشيعية، وهو ما تجلى خلال الانتخابات المحلية السابقة عندما سيطرت قوى الإطار التنسيقي في مجلس نينوى "كتلة نينوى المستقبل" على المجلس المحلي في ثاني أكبر محافظات العراق والمحافظة التي تمثل الثقل الأبرز للعرب السنة في العراق.

وتشير التوقعات إلى دخول القوى السنية عبر 4 قوائم انتخابية، فيما ستستغل العديد من المقاعد من قبل الكتل الشيعية التي حققت نفوذا لها في المناطق السنية ولا سيما في مرحلة ما بعد "داعش" وعبر الحشود والفصائل المسلحة.

ومنذ 2003، عانى المكون السني من ضعف التمثيل مقارنة بالشيعة والأكراد، وتفاقمت أزمته بعد 2014 مع سيطرة تنظيم "داعش" على مناطق سنية، مما أدى إلى نزوح ودمار.

وبينما يسعى الكرد إلى إعادة ترميم التحالف الكردستاني، وهو أمر لا يزال مرهوناً بكيفية تشكيل حكومة إقليم كردستان، حسم الإطار التنسيقي الشيعي موقفه من آلية دخول الانتخابات وشكل المشاركة وشكل التحالفات التي سيلجأ إليها عقب الانتخابات.

وأعلن الإطار التنسيقي أنه سيشارك في الانتخابات بقوائم منفردة، لكنه تعهد بالعودة إلى الالتئام وإعادة تشكيل الإطار التنسيقي كتحالف نيابي بعد الانتخابات.

وقال الإطار التنسيقي في بيان ورد لشبكة "الساعة" عقب اجتماع عقده أمس الاثنين في مكتب أمين عام منظمة بدر هادي العامري: إن "الإطار يجدد تأكيده على موعد الانتخابات النيابية في 11 تشرين الثاني/ نوفمبر المقبل، وبالنظر لما أفرزته الماكنة الانتخابية له، قرّر الإطار التنسيقي الدخول إلى الانتخابات بقوائم متعددة تلتئم عقب نتائج الاقتراع، لتشكيل كتلة الإطار التنسيقي التي تضم جميع أطرافه".

يأتي ذلك بعدما قررت قوى في الإطار التنسيقي الشروع بتشكيل تكتل جديد تحت اسم تحالف "قرار" استعداداً لخوض الانتخابات التشريعية المقبلة المقررة 11 تشرين الثاني/ نوفمبر المقبل.

وقالت مصادر سياسية وصحفية عراقية إن "تحالف قرار يضم في مرحلته الأولى تيار الفراتين بزعامة رئيس الوزراء محمد شياع السوداني، إلى جانب كل من هادي العامري (أمين عام منظمة بدر) وفالح الفياض (رئيس هيئة الحشد الشعبي)".

وتشير المصادر نفسها إلى أن مباحثات جارية قد تفضي إلى انضمام كل من رئيس كتلة سند وزير العمل أحمد الأسدي، وقائد كتائب سيد الشهداء أبو آلاء الولائي، فضلاً عن كتلة حقوق المنبثقة عن كتائب حزب الله.

وهذه القوى كانت حتى وقت قريب تشكل العمود الفقري للإطار التنسيقي الذي قاد حكومة السوداني؛ إلا أن اتساع الخلافات دفع أطرافاً رئيسية أخرى كدولة القانون وعصائب أهل الحق وتيار الحكمة إلى الشروع بخوض الانتخابات بأكثر من قائمة، مع الإبقاء على احتمال الاندماج مجدداً بعد إعلان النتائج.

وأضافت المصادر أن "التحالف قد يكون برئاسة العامري أو السوداني، وسيركز برنامجه الانتخابي على الإصلاح الإداري والخدمي ويحمل طابعاً أكثر انفتاحاً على الشركاء السنة والكرد".

ويؤكد سياسيون ونواب سنة أن العديد من القوى السنية التي تمتلك ثقلا جماهيريا ستدخل الانتخابات متحالفة مع كتلة رئيس الوزراء محمد شياع السوداني، فيما أشارت بعض التصريحات إلى تغلغل كبير لكتلة رئيس هيئة الحشد الشعبي فالح الفياض "عطاء" في المحافظات السنية، حيث من المتوقع أن تحصد العديد من الأصوات مستغلة أصوات المنتسبين في الحشود من أبناء تلك المناطق.

وفي وقت سابق كشف النائب عن نينوى نايف الشمري عن دخول قوى سنية في الانتخابات قريبة من كتلة السوداني الانتخابية.

وقال الشمري في تصريح صحفي تابعته شبكة "الساعة": إن "قوى سنية متمثلة بعدد من الشخصيات ومنها وزير الدفاع الحالي ثابت العباسي والذي يشغل سياسيا رئيس تحالف الحسم وكذلك النائب نايف الشمري والنائب محمد نوري العبد ربه ومحافظ نينوى عبد القادر الدخيل ومحافظ نينوى السابق نجم الجبوري سيدخلون في تحالف انتخابي قريب من السوداني"، فيما توقع أن "يحصد هذا التحالف ما بين 40 – 50 مقعدا برلمانيا".

من جهة أخرى، كشف النائب السابق أحمد مدلول الجربا عن استغلال كتلة فالح الفياض للحشود في نينوى من أجل الكسب الانتخابي، وقال الجربا إن "بعض الجهات والمرشحين التابعين للفياض يهددون المنتسبين في الحشد بالفصل ما لم يجلب كل عنصر منهم 15 بطاقة انتخابية"، فيما لفت إلى أن "هذه الممارسات تجري دون علم الفياض"، حسب تعبيره.

لكن مصدراً مطلعاً في نينوى أكد أن الكتلة التي يقودها الفياض تجبر المقاتلين في الحشد على تقديم ما لا يقل عن 10 بطاقات انتخابية من أجل استغلالها في التصويت لصالح مرشحي الكتلة في نينوى.

وأشار المصدر في حديث مع شبكة "الساعة" إلى أن "كتلة عطاء التي دخلت انتخابات مجلس نينوى المحلي الأخير باسم تحالف العقد حصلت على 5 مقاعد، وهذه المقاعد أغلبها تم الحصول عليها عبر استغلال الحشود في المحافظة"، وبينت المصادر أن "ذات الأمر سيتكرر في الانتخابات المقبلة البرلمانية، ما يعني أن كتلة الفياض ستحصل على عدد من أصوات نينوى وبالتالي تحويلها في صالح قوى الإطار التنسيقي الشيعي".

وفي وقت سابق أكد رئيس مجلس النواب الأسبق أسامة النجيفي أن القرار السني غاب عن المشهد بسبب تراجع مقاعدهم البرلمانية بعد اجتياح تنظيم "داعش" عام 2014 وتغوّل القوائم الشيعية في المحافظات ذات الغالبية السنية.

ويحذر مراقبون للشأن العراقي من استمرار حالة التشرذم والانقسام غير المبرر بين القوى السنية في الانتخابات المقبلة، وأشاروا إلى أن استمرار الأمور الحالية على ما هو عليه سيدفع نحو خسارة الكتل السنية للعديد من المقاعد التي من المقرر أن تحصدها لصالح القوى الشيعية.

وتوقع الباحث في الشأن العراقي عادل كمال في حديث لشبكة "الساعة" أن "يدخل السنة الانتخابات عبر تحالفات 4 ستكون بزعامة كل من محمد الحلبوسي زعيم تحالف تقدم وخميس الخنجر زعيم حزب السيادة ومثنى السامرائي زعيم تحالف العزم ومحمود المشهداني رئيس مجلس النواب الحالي".

وقال كمال إن "القوى السنية تعاني اليوم مشكلة الانقسام والتشتت كونها جميعا تبحث عن مصالحها الحزبية الضيقة من جهة، وتسعى للوصول إلى زعامة المشهد السني من جهة أخرى".

وأوضح أن "صراع الزعامة هو أبرز المشاكل التي تواجه البيت السني اليوم، حيث يرفض مثنى السامرائي وبحسب قوله أن يكون في جهة لا يكون هو الزعيم فيها، كما يرفض الحلبوسي أن يقود القوى السنية غيره، والأمر ذاته ينطبق على الخنجر".

ونوه إلى أن "بعض المقاعد التي يفترض أن تكون للسنة ستذهب للقوى الإطارية الشيعية، تارة عبر الحشود واستغلالها انتخابيا، وتارة عبر التحالف مع كتلة السوداني، حيث سيذهب الأخير بأصوات ومقاعد السنة لتحقيق مكاسب ونفوذ له في بغداد كما فعل حيدر العبادي في انتخابات 2018، عندما حصد تحالف نصر المركز الأول في نينوى بعدد المقاعد النيابية".