يشهد العراق منذ العام 2003 تضاربا في المواقف بين الوقفين السني والشيعي في الإعلان عن رؤية هلال شوال (عيد الفطر)، ولكن التطور الذي شهده العام الحالي هو التضارب في المواقف داخل البيت السني وانقسام الإراء بين من أعلن الأحد أول أيام العيد وبين مؤكد بأنه المتمم لشهر رمضان.
الوقف السني في العراق أعلن أن الأحد هو المتمم لشهر رمضان وان يوم الاثنين أول أيام عيد الفطر بعد تعذر رؤية الهلال بسبب كثافة الغيوم، أما هيئة علماء المسلمين فقد أكدت أن الأحد هو غرة شهر شوال، أما وزارة الأوقاف والشؤون الدينية في حكومة إقليم كردستان فقالت إن "الأحد هو أول أيام عيد الفطر المبارك"، بينما جاء موقف المجمع الفقهي العراقي بعد ساعات ليعلن أن يوم الاثنين هو أول أيام عيد الفطر.
ويبدو أن التخبط في المواقف التي صدرت عن الوقف السني والمجمع الفقهي هو ما أثار الانتقادات لغياب الخطاب الموحد في الجانب السني في تحديد رؤية هلال العيد، فالوقف السني والمجمع الفقهي بحسب ما نقلت وسائل إعلام عراقية قد تراجعا عن موقفهما بشأن ثبوت الرؤية الشرعية، فالجهتان الشرعيتان لدى المكون السني أعلنتا يوم الأحد أول أيام العيد قبل أن تتراجعان وتعلنانه المتمم لشهر رمضان.
وبرر الوقف السني موقفه بعدم ثبوت الرؤية، بينما برر المجمع الفقهي ذلك بالاعتماد على المذهب الشافعي الذي لا يجيز فقهائه اعتماد رؤية بلد آخر في رؤية الهلال، فيما ترك المجمع الفقهي رأي المذهب الحنفي الذي يعتمد الصيام والفطر بناء على رؤية الهلال في أي من بلاد المسلمين.
بين الصوم والعيد
وخالف العديد من العراقيين السنة ماصدر عن الوقف السني والمجمع الفقهي، حيث اعتبروا أن ما حدث هو تراجع عن مواقف شرعية وتغييرها لإرضاء جهات حكومية أو نتيجة التعرض لضغوطات سياسية.
وأصدر الوقف السني توجيهات بإغلاق المساجد التابعة للوقف وعدم إقامة صلاة العيد فيها اليوم الأحد ومعقابة الخطباء وأئمة المساجد الذين لا يلتزمون بذلك، لكن ذلك لم يمنع من أداء جموع من العراقيين السنة لصلاة العيد في العاصمة بغداد ومحافظات أخرى.
إذ شهدت العاصمة بغداد إقامة صلاة العيد في مدينة الأعظمية على مقربة من جامع ومرقد الإمام أبي حنيفة النعمان، كما شهدت الموصل والفلوجة والرمادي وكركوك وصلاح الدين وديالى إقامة صلاة العيد في الحدائق العامة بعد قرار إغلاق الجوامع.
انتقادات للوقف السني
وبسبب هذا التضارب والتخبط في المواقف وجهت انتقادات عديدة للوقف السني في العراق، فالنائب السابق مشعان الجبوري هاجم الوقف السني ورئيسه وعد موقفه خضوها لرؤية وأوامر إيران.
وقال الجبوري في تغريدة على منصة "X": إن "ما فعله رئيس ديوان الوقف السني مشعان الخزرجي خيانة صريحة للأمانة التي منحت له، أعلن أن الأحد هو أول أيام العيد، كما أعلنت معظم الدول الإسلامية، ثم تراجع خاضعًا خلال ساعة ليقول إن العيد الإثنين، إرضاءً لتوجيهات الدولة العميقة التي تأتمر بأوامر إيران"، وأضاف قائلا: "هذا الوقف لا يُمثّلنا… وهذا الرئيس لا يُشبهنا".
كما هاجمت عضو مجلس النواب عائشة المساري الوقف السني، وقالت في تغريدة في منصة "فيسبوك": إن "تمزيق وحدة الصف والاستهتار بمشاعر المكون الواحد يعد خرقا جديدا لم نره مسبقا، وأدخل المسلمين في حيرة من أمرهم وإشكال شرعي".
وأضافت مخاطبة الوقف: "هل تمثل دورا دينيا أم أدوارا أخرى تعكس فيها تطلعاتك الشخصية"، وختمت بالقول: إنه "من العار ما حدث فإن أعددتم للدنيا فيسكون وقوفكم طويلا أمام الله"،
في حين اتهمت عضو مجلس النواب نهال الشمري رئيس ديوان الوقف السني مشعان الخزرجي بالفشل في تحديد موعد عيد الفطر وإحداث شق في وحدة صف المسلمين السنة في العراق.
وقالت الشمري في تغريدة على منصة "X" ما هذا التخبط يا رئيس الوقف! أنت فشلت في تحديد موعد العيد وأربكت الوضع بين الناس وأحدثت شقًا لوحدة صف المسلمين السنة بالعراق، وهذا يعني أنك عاجز عن تأدية أبسط واجباتك تجاه ملايين المسلمين داخل البلاد".
وأضافت: أن "سوء الإدارة والفساد أفقدتك (رئيس ديوان الوقف السني) البوصلة في اتخاذ القرارات الصحيحة وأصبحت أسير الضغوط السياسية".
وبحسب مدونين وإعلاميين عراقيين فإن ضغوطا مارستها الحكومة العراقية على الجهات الدينية السنية لاعتماد يوما موحدا للعيد في العراق في تعبير عن الوحدة الوطنية.
أما الصحفي والمدون عمر الجنابي فيرى أن "التخبط الحاصل بخصوص رؤية هلال شهر شوال في العراق، سببه إصرار رئيس ديوان الوقف السني مشعان الخزرجي على إعلان يوم الأحد متمماً لشهر رمضان، بحجة أنه وعد رئيس الحكومة باعتماد إعلان المرجع الديني الشيعي علي السيستاني لأجل الوحدة الوطنية".
خلاف فقهي
من جانبه أكد أستاذ الفقه وأصوله الشيخ محمد طه حمدون أن الإفطار يوم الأحد واجبٌ بحسب رأي جمهور الفقهاء.
وقال حمدون في تصريح لشبكة "الساعة": إن "الإفطار يوم الأحد 1 شوال 1446 هـ واجبٌ بحسب رأي جمهور الفقهاء، وذلك لثبوت رؤية هلال شوال شرعًا وفلكيًا في دول الخليج، معتبرًا أن القول بوحدة المطالع هو المعتمد لدى الأئمة الثلاثة وأغلب المجامع الفقهية المعاصرة".
وأضاف: أنه "يجوز الصيام إتمامًا لرمضان لمن أخذ بقول الشافعية المعتمد ومن وافقهم، بناءً على إعلان الوقف السني"، مبيناً أن "صلاة العيد يمكن أداؤها في البيوت جماعة أو تأجيلها لليوم التالي مراعاة للنظام العام والخلاف الفقهي".
وأشار حمدون إلى أن "الاعتماد على الحساب الفلكي القطعي أصبح وسيلة دقيقة وموثوقة لإثبات دخول الشهر الهجري"، لافتا إلى أن "هذه الوسيلة لم تعد محل خلاف معتبر في ظل تطور العلم وتوصيات المجامع الفقهية العالمية".
توحيد الموقف
ويرى الصحفي العراقي وليد إبراهيم فيشير إلى أن التخبط الأخير الذي حصل يضعف من ثقة المسلمين بالمؤسسات الدينية، فيما أوضح أن العراقيين كانوا يتطلعون إلى موقف موحد بين السنة والشيعة لكن ما حصل هو اختلاف داخل المكون السني نفسه في هذا الخصوص.
وقال إبراهيم في حديث لشبكة "الساعة": إنه "لم يكن متوقعا هذا الخلاف والاختلاف الذي تسببت به مؤسسات دينية معتبرة والذي أوقع اهل السُنة في العراق في خلاف كبير بشأن ثبوت رؤية هلال عيد الفطر من عدمها".
وأضاف أن "سُنة العراق لم يمروا بهكذا موقف منذ عقود طويلة، وأن هذا الاختلاف في المواقف لا يوجد ما يبرره أبدا، وإن اعتقد وصرح البعض بعكس ذلك".
وتابع: أن "الغريب في هذا هو أن المَجمع الفقهي العراقي، الذي يعتبر بمثابة مرجعية دينية مهمة لأهل السنة في العراق، فضل التزام الصمت أول الأمر ما زاد في حيرة الجميع، ليعلن المجمع أن الأحد سيكون مكملا لشهر رمضان، علما أن هذا الإعلان جاء بعد نحو 4 ساعات من إعلان الوقف السني وهيئة علماء المسلمين عن موقفيهما المتضادين".
وأوضح أن "ما زاد من ضبابية الموقف هو أن تبريرات الأطراف التي أعلنت الأحد هو مكمل لشهر رمضان (الوقف والمجمع الفقهي) لم تكن موحدة، وبالتالي لم تكن مقنعة".
وأشار إبراهيم إلى أن "بين شرعية وحدة المطالع التي تحدث عنها المجمع الفقهي العراقي، والتي تتماشى مع المذهب الحنفي، واختلاف وحدة المطالع التي تتماشى مع المذهب الشافعي، فان ما حدث أضاع حقيقة الموقف، خاصة وأن المجمع الذي يفترض أنه يتبع المذهب الحنفي قرر الذهاب مع احتمالية اختلاف وحدة المطالع للمذهب الشافعي، وهو الموقف الذي زاد من حيرة الكثيرين وأفقدهم البوصلة فيما يجب فعله".
ونوه إلى أن "تضارب المواقف حالة غير صحيحة فهي بالنتيجة تضعف ثقة المسلم بالمؤسسات التي يفترض أنها تعتبر بمثابة مرجعيات دينية له".
وبين أن "العراقيين كانوا منذ سنوات يمنون أنفسهم بوحدة الموقف بين مسلمي العراق شيعة وسنة، وكان الاختلاف بينهما يؤلم الغالبية العظمى من العراقيين، وبدلا من توحيد المؤسسات الدينية الشيعية والسنية وصلنا إلى مرحلة عدم وحدة الموقف داخل المكون نفسه في مواضيع لا يفترض أنها يمكن أن تتسبب بخلافات مثل التي حدثت اليوم".
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام