تسارعت وتيرة عمليات إعادة نازحي مخيم الهول في سوريا إلى العراق منذ بداية العام الجاري 2025 في مؤشر على جدية السلطات العراقية في إعادة رعاياه النزلاء في المخيم منذ أحداث "داعش" 2014.
ويترقب نزلاء المخيم من العراقيين إلى عودة قريبة إلى ديارهم، ليطووا صفحة من المعاناة عاشوها خلال سنوات وجودهم في مخيم الهول.
"لا يختلف الهول عن سجون الحوت والتاجي وسوسة في العراق"، هكذا وصف العراقيون العائدون من مخيم الهول للاجئين حيث أمضوا هناك ما يقارب الـ 10 سنوات دون أن يسمح لهم بالخروج أو العودة بعدما نزحوا من مناطقهم هربا وخوفا من الموت أو الاعتقال خلال سيطرة تنظيم "داعش" على المدن العراقية وخلال فترة العمليات العسكرية.
مخيم الهول للاجئين هو أحد مخيمات اللاجئين السوريين يقع على المشارف الجنوبية لمدينة الهول في محافظة الحسكة شمال شرقي سوريا، بالقرب من الحدود السورية العراقية، يضم آلاف الأشخاص النازحين من الأراضي التي احتلها تنظيم "داعش" ويخضع لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية "قسد" المدعومة من الولايات المتحدة.
أُنشئ المخيم في أوائل عام 1991 خلال حرب الخليج الثانية لإيواء اللاجئين العراقيين وأُعيد فتحه لاحقًا خلال حقبة سيطرة تنظيم "داعش" على المدن العراقية والسورية ما بين عامي 2014 – 2018.
وتشير تقديرات إلى أن المخيم يضم نحو 50 ألف شخص، بينهم أجانب ينتمون لما يقرب من 60 دولة، فضلا عن نازحين سوريين ولاجئين عراقيين، وبحسب إدارة المخيم التابعة لقوات سوريا الديمقراطية فإن عدد العراقيين في المخيم يزيد عن 25 ألف نازح، بينما يبلغ عدد السوريين فيه نحو 15 ألفا، أما من تبقى فهم من جنسيات ودول مختلفة.
وبحسب بيانات وزارة الهجرة العراقية فإن نزلاء المخيم يقسمون إلى 3 فئات، الأولى تضم مسلحين من داعش هربوا بعد هزيمة التنظيم في بعض المدن، والفئة الثانية تشمل عائلات مسلحي داعش الذين لم يجدوا مكانا لإيوائهم سوى مخيم الهول، أما الفئة الثالثة فتضم مدنيين أجبروا على النزوح بسبب العمليات العسكرية.
شهادات العائدين من جحيم الهول
وحصلت شبكة "الساعة" على شهادات من عائدين من مخيم الهول أنهوا حقبة مؤلمة من حياتهم خلال النزوح، أكدوا سوء الأوضاع داخل المخيم وتعرضهم لسلسلة من الاعتداءات من قبل قوات سوريا الديمقراطية المشرفة أمنيا وإداريا على المخيم، فيما اتهموا السلطات العراقية بالتعامل مع ملف إعادتهم بإهمال كبير.
عبد الرحمن مطر من سكنة ناحية تل عبطة بمحافظة نينوى وهو أحد العائدين من مخيم الهول إلى بلدته بعد نزوح استمر 6 أعوام، يقول لشبكة "الساعة" إن "المخيم يفتقد لأبسط مقومات الحياة ويخلو من الخدمات الرئيسية كالكهرباء والماء والوقود خلال الشتاء"، وأشار إلى أن المشكلة الأكبر في المخيم تتمثل في كونه معتقلا كبيرا يمنع الدخول والخروج منه مهما كانت الظروف.
وأضاف: أن "المخيم من الداخل يضم 8 أقسام كبيرة، الأول والثاني والثالث والخامس والسادس والسابع خاص باللاجئين العراقيين، بينما خصص القسم الرابع للنازحين السوريين، أما القسم الثامن والأخير فخصص لعائلات تنظيم داعش".
وأوضح مطر الذي نزح للمخيم مع 9 أشخاص من أفراد عائلته أن "النازحين في المخيم يعيشون على ما يصلهم من مبالغ مالية تحول لهم من ذويهم وأقاربهم داخل العراق لأن المساعدات الغذائية التي تقدمها المنظمات الدولية وفي مقدمتها منظمة الهجرة والأمم المتحدة لا تسد إلا الجزء اليسير من احتياجات العائلات".
وأكد أن "قوات سوريا الديمقراطية تدخل بشكل مستمر داخل المخيم وتسير دوريات عسكرية فيه، وتقوم بين الحين والآخر بتنفيذ حملات دهم واعتقالات تتخللها حالات ضرب وإطلاق شتائم لنازحين عراقيين بتهم الإرهاب، أفرج عن بعضهم فيما يزال مصير الكثير منهم مجهولا"، حسب تعبيره.
أما النازح عمار عابد من قضاء بيجي بمحافظة صلاح الدين، فيروي هو الآخر معاناته في الهول منذ لجأ إليه صيف العام 2015 بعدما هرب إلى الموصل ولغاية مغادرته مطلع العام الماضي 2023، ويقول عابد إنه "اضطر للنزوح إلى الموصل منذ العام 2014 وبعدها بعام حاول الهروب إلى سوريا ثم إلى تركيا، لكنه ألقي القبض عليه بعد توغله بطريقة خاطئة إلى الأراضي السورية من قوات قسد وأودع مخيم الهول في صيف 2015".
وأضاف أنه "وعائلته لم تكن تصل له مبالغ حوالات مالية بسبب انقطاع الاتصالات بجميع أقاربه الذي كانوا نازحين أيضا، فكان يضطر للعمل داخل المخيم كعمل سواتر ترابية ونصب خزانات المياه مقابل أجور زهيدة تقدمها إدارة المخيم".
وأشار إلى أنه "حاول الهروب أكثر من مرة من المخيم لكنه لم يفلح بسبب الحراسة ووعورة المنطقة"، مبينا أن "قوات قسد كانت تقوم بتهريب بعض النازحين مقابل مبالغ مالية تصل لـ 3 آلاف دولار للشخص الواحد حيث تسهل هروبهم إلى خارج المخيم ومن ثم تقوم سيارات تابعة لها بنقلهم إلى مقربة من الحدود العراقية – السورية".
أما محمد سعد النازح العراقي من مدينة الرمادي بمحافظة الأنبار الذي دخل مخيم الهول عام 2016 وغادره نهاية العام 2022، فأشار إلى أن عودته للعراق وتحديدا إلى مخيم الجدعة كانت بداية للحياة له ولعائلته.
وقال سعد إنه "ورغم أجواء النزوح في مخيم الجدعة الواقع جنوب الموصل والذي يعاد إليه جميع نازحي الهول من أجل تدقيق أسمائهم والتأكد من سلامة موقفهم الأمني إلا أنه شعر بالفرق الكبير من ناحية المساعدات والمواد الغذائية والخدمات وغيرها"، مبينا أن "مخيم الجدعة فيه كهرباء وأجهزة تبريد داخل كل مسكن، كما أن الجهة المشرفة عليه تقدم الوقود خلال الشتاء لأغراض التدفئة وذلك لم يكن موجودا في مخيم الهول".
ولفت إلى أن العائدين من مخيم الهول إلى الجدعة تقدم لهم وزارة الهجرة 100 دولار لكل عائلة من أجل شراء ملابس من داخل المخيم، كما أن المنظمات الدولية تقدم لهم بطاقة لكل شخص تمكنه من التسوق فيها بمبلغ 24 ألف دينار لكل شخص شهريا.
وأشار إلى أن "المشكلة التي تواجه الكثير هي أن العائدين قد لا يشمل جميع أفراد عائلاتهم في العودة، فتظهر أسماء بعض أفراد العائلة في وجبة العائدين، بينما يبقى أفراد من العائلة في وجبات أخرى ومن الممكن أن لا تنقل إلا بعد مرور فترة تزيد عن العام أو العامين".
تأهيل العائدين
مدير الهجرة في نينوى خالد عبد الكريم أكد أن وزارة الهجرة والمهجرين العراقية وبالتنسيق مع مستشارية الأمن القومي تعمل باستمرار من أجل إعادة النازحين العراقيين من مخيم الهول.
وقال عبد الكريم في تصريح لشبكة "الساعة": إن "إعادة النازحين تجري على شكل وجبات وتتم بعد إنجاز الأجهزة الأمنية العراقية التدقيق الأمني، والذي يثبت تورطه بالعمل في صفوف داعش يتم اعتقاله أما الذين لا توجد مؤشرات أمنية عليهم فينقلون إلى مخيم الجدعة لإكمال التدقيق والتأكد من عدم وجود مشاكل عشائرية في عودتهم فضلا عن إعادة تأهيلهم وبعدها يُعادون إلى لمناطقهم".
وأضاف: أن "مخيم الجدعة لا يضم حاليا سوى العائدين من مخيم الهول، ويبلغ عدد الموجودين فيه 860 عائلة بما يزيد عن 3 آلاف شخص".
تصاعد وتيرة عمليات العودة
وكشف مصدر في وزارة الهجرة لشبكة "الساعة" عن قيام الحكومة العراقية بتكثيف الجهود لإعادة نازحي مخيم الهول من العراقيين، وذلك في سعي منها لإغلاق المخيم وإنهاء التهديد الذي يشكله المخيم على العراق، ولا سيما مع المخاوف من عودة نشاط تنظيم "داعش" خصوصا في المناطق الحدودية بين البلدين.
وقال المصدر إن "السلطات العراقية ممثلة بوزارة الهجرة ومستشارية الأمن القومي وبالتعاون مع التحالف الدولي نجحت في إعادة 5 وجبات منذ بداية العام الجاري، فيما يجري العمل على إعادة وجبات أخرى قريبا"، لافتا إلى أن "وجبات إعادة النازحين من مخيم الهول تشهد تسارعا في العام الحالي مقارنة بالأعوام الثلاثة السابقة".
أما عن عدد العراقيين حاليا في مخيم الهول فكشف المصدر عن أن "عددهم كان يزيد عن 27 ألف نازح من محافظات الأنبار ونينوى وصلاح الدين وديالى وكركوك وبابل".
وقال المصدر إن "السلطات العراقية أعادت خلال السنوات الـ 3 الماضية 9 آلاف شخص من الهول السوري ومن تبقى حاليا هناك يبلغ نحو 18 ألفا".
كما كشف عن "وجود ضغوطات أمريكية على الجانب العراقي من أجل الإسراع في إغلاق مخيم الهول السوري"، مبينا أن "الجانب العراقي يعمل جدياً على إعادة مواطنيه من الهول، كما أنه يدعو باستمرار الدول الأخرى إلى سحب رعاياها من المخيم تمهيدا لإغلاقه".
وفي وقت سابق أكد مستشار الأمن القومي العراقي قاسم الأعرجي على ضرورة إغلاق مخيم الهول السوري لما يشكله من خطر على أمن واستقرار العراق، وفيما أعلن موقف العراق الجاد في إعادة جميع مواطنيه من المخيم، دعا الدول التي لها رعايا من عوائل تنظيم "داعش" في مخيم الهول إلى سحب مواطنيها بالسرعة الممكنة.
عودة مدروسة
عضو مجلس النواب العراقي عن محافظة نينوى شيروان الدوبرداني أعلن عن إعادة دفعة جديدة من العائلات العراقية في مخيم الهول إلى مخيم الجدعة، جنوبي الموصل قريبا.
وقال الدوبرداني في تصريح لشبكة "الساعة" إن "إنهاء ملف النزوح في مخيم الهول وإغلاق المخيم ضرورة بالنسبة للعراق، لكنه شدد على أن عودة النازحين إلى العراق يجب أن تكون حذرة وضمن برنامج حكومي يشمل إعادة تأهيل العائدين ودمجهم بالمجتمع وإعادة توعيتهم من الأفكار الخاطئة التي ربما يكون بعض النازحين قد تأثروا بها كون الكثير منهم من عائلات مسلحي التنظيم، وذلك لضمان عدم تأثيرهم السلبي على المجتمع العراقي الذي طوى منذ فترة قصيرة صفحة داعش بولايتها ومآسيها".
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام