"مقاطعات سياسية".. هكذا تحولت أغلب المؤسسات الحكومية في محافظة نينوى شمالي العراق بفعل هيمنة الأحزاب السياسية والفصائل المسلحة على القرار السياسي والإداري في المحافظة التي تعد ثاني أكبر محافظات البلاد.
وتفرض جهات حزبية متنفذة سلطتها على مؤسسات الدولة المختلفة في نينوى ومنها التربية والاستثمار والداخلية والصحة، إلى جانب الدوائر الأخرى، فضلا عن سيطرتها على المشاريع الحكومية وإحالتها، والموارد الاقتصادية بفعل نفوذها المتزايد منذ استعادة السيطرة على المحافظة من تنظيم داعش عام 2017، حيث تتقاسم تلك الجهات المؤسسات الحكومية من هرمها ولغاية الأقسام والشعب وفقا لمبدأ المحاصصة الحزبية الذي يفرض نفسه في العراق منذ العام 2003.
مؤخرا تم الكشف عن نفوذ كبير لأحزاب وسياسيين وجهات مسلحة في مديرية تربية نينوى ولا سيما في ملف السيطرة على إدارة أقسام المديرية وتسوية الملاكات التربوية ومشاريع الأبنية المدرسية.
وتسبب التلاعب في تسوية الملاكات التربوية بخلل كبير في توزيع المدرسين والمعلمين في مدارس المحافظة، فالمدارس الواقعة في أقضية شمالي الموصل وشرقها وجانب المدينة الأيسر تشهد زيادة في عدد الكوادر التدريسية، بينما تعاني المدارس الواقعة غربي نينوى في أقضية تلعفر والبعاج والحضر ونواحي غرب الموصل وجانب المدينة الأيمن نقصا حادا في عدد التدريسيين، لدرجة أن بعض المدارس لا يوجد فيها سوى مدرس واحد أو اثنين.
وجاءت المشكلة في توزيع الملاكات المدرسية نتيجة لتدخل نواب وسياسيين وجهات سياسية ومسلحة في عمل التربية ولا سيما في الأشهر الماضية، ونتيجة لهذه التدخلات أعلن مجلس محافظة نينوى تشكيل لجنة خاصة بالتحقيق في ملف التدخلات في تربية المحافظة وتسوية الملاكات التربوية فيها.
مقاطعات سياسية
وأكدت اللجنة الخاصة بتدقيق أوامر تسوية الملاكات التربوية في نينوى، وجود تدخلات من قوى سياسية ومسؤولين ونواب، بعمل مديرية تربية نينوى، ولا سيما في ملف تسوية الملاكات.
وقال عضو مجلس نينوى وعضو لجنة التدقيق في تسوية الملاكات محمد اهريس في تصريح لشبكة "الساعة": إن "اللجنة شخصت وجود تنقلات في ملاكات التربية في نينوى خارج الضوابط القانونية".
وأضاف اهريس: أن "هذه التنقلات تمت من خلال طلبات مقدمة من نواب في البرلمان عن محافظة نينوى إلى وزير التربية الذي بدوره يوافق عليها خارج الضوابط" في إشارة إلى خضوع الوزارة لضغوطات تلك الجهات في ملف التنقلات.
وأوضح أن التدخلات في عمل التربية أسفرت عن فائض في مدارس الجانب الأيسر للموصل يقدر بنحو 700 معلم ومدرس، حيث أن هذا العدد زائد عن الحاجة، بينما تعاني مدارس الأيمن ومناطق غرب نينوى من نقص شديد في عدد الملاكات التربوية"، وشدد على أن التدخلات في الملاكات تسببت بخلل كبير في توزيع الملاكات وأن العديد من المدارس أغلقت أبوابها نتيجة عدم وجود الكوادر التدريسية.
ودعا اهريس وزير التربية للتدخل العاجل لإيقاف التدخلات في ملف تسوية الملاكات التربوي"، مؤكداً أن تلك التدخلات السياسية في عمل التربية حولت مديرية التربية إلى إقطاعيات سياسية، حسب تعبيره.
تدمير مديرية التربية
من جهته اتهم عضو مجلس نينوى مهند الجبوري مسؤولين وسياسيين بتدمير مديرية التربية بسبب تدخلاتهم المستمرة في عملها وعمل باقي المؤسسات الحكومية في نينوى.
وقال الجبوري في تصريح لشبكة "الساعة": إن "نواب نينوى والسياسيين فيها يتدخلون بعمل تربية نينوى بشكل كبير ماتسبب بتدمير تربية نينوى"، وشدد على ضرورة أن يترك النواب والمسؤولين والسياسيين دوائر نينوى وشأنها وأن يبقوا في بغداد لإدارة العمل السياسية وصياغة القوانين في مجلس النواب.
كما دعا الجبوري، القوى السياسية والمسؤولين والنواب إلى التوقف عن التدخل في عمل مديرية تربية نينوى، وأوضح أن التدخلات تسببت بتراجع الدور الحقيقي والخدمة التعليمية والتربوية التي تقدمها تربية نينوى، مبينا أن التدخلات شملت الحلقات العليا في التربية وصولا إلى مديري الأقسام والشعب في المديرية.
وفي وقت سابق أكد عضو مجلس النواب العراقي عن نينوى عبد الرحيم الشمري، وجود تدخلات من جهات متنفذة وسياسية في عمل تربية المحافظة، خاصة فيما يتعلق بتوزيع الملاكات المدرسية.
وقال الشمري في بيان إنه "تم تشخيص خلل كبير في توزيع الملاكات التدريسية، حيث يعاني قطاع التعليم في مدارس غربي نينوى وأيمن الموصل من نقص كبير في عدد الكوادر التدريسية، لدرجة أن بعضها لا تحتوي إلا على مدرس واحد أو اثنين، وفي المقابل توجد زيادة في عدد المدرسين في مدارس الجانب الأيسر، مما يؤكد وجود خلل في توزيع الملاكات التدريسية".
وشدد الشمري على أن طاعة مدير تربية نينوى للمسؤولين والمتنفذين في ملف الملاكات لن يشفع له ويبقيه في منصبه كما يعتقد، مبينا أن مجلس النواب سيتحرك لوقف هذه التدخلات بشكل عاجل من أجل ضمان سير العملية التربوية في مدارس نينوى بالشكل الصحيح.
الجهات التي تهمين على تربية نينوى
في الأثناء، كشف مصدر في تربية نينوى لشبكة الساعة عن أبرز الجهات التي تمارس ضغوطا وتدخلات في عمل التربية.
وقال المصدر: إن "التدخلات تمارسها جهات ثلاثة، الأولى كتائب بابليون بزعامة ريان الكلداني، والثانية حزب تقدم بزعامة الحلبوسي عبر المقربين من النائب فلاح الزيدان، والثالثة تحالف عزم عبر جناحي أحمد الجبوري المعروف بـ أبو مازن ومثنى السامرائي".
ولفت إلى أن هذه التدخلات كانت محدودة في فترة ما قبل سيطرة داعش على الموصل، ولكنها زادت وأصبحت واضحة في السنوات التي تلت تحرير المدينة من سيطرة التنظيم.
وأكد المصدر أن كتائب "بابليون" فرضت مديرين تابعين لها في أقسام التربية خلافا للضوابط، حيث تم تعيين أحد موظفي الخدمة بمنصب مدير الملاك الابتدائي، فيما تم تعيين موظف جديد مضى على تعيينه أقل من عام بمنصب مدير قسم الملاك الثانوي.
دعوة عاجلة لإنقاذ القطاع التعليمي من الانهيار
ويؤكد الأكاديمي والتربوي علي طه أن التدخلات في عمل التربية أضعفت عمل التربية بشكل كبير وتسببت بتراجع أدائها العلمي والتربوي.
وقال طه في حديث لشبكة "الساعة": إن "هذه التدخلات ينبغي أن تقابل بتدخل عاجل من رئيس الوزراء ووزير التربية لوقفها والحد منها"، مبينا أن استمرار الهيمنة السياسية على عمل التربية يمهد لمزيد من التدهور في القطاع التعليمي.
وأضاف: أن "الأحزاب وبعد أن ضمنت إدخال منصب مدير التربية في المحاصصة، بدأت بإدخال جميع مناصب مديري الأقسام والشعب في المديرية ضمن هذه المحاصصة الحزبية والتي تركز على الولاء للحزب بدل الكفاءة العلمية والخبرة والقدم في الخدمة".
وأشار الأكاديمي والتربوي إلى أن نفوذ الأحزاب على تربية نينوى لم يصادر المناصب في المديرية فقط، إذ إن التعيينات ضمن تربية نينوى والتي خصصت لها نحو 6 آلاف درجة جديدة بصفة عقود تخضع أيضا للمحاصصة بين القوى المتنفذة، مؤكدا أن آلاف المتقدمين على التعيين فاقدون الأمل في الحصول على التعيين بسبب يقينهم بذهاب تلك الدرجات لأتباع الأحزاب والمقربين من المسؤولين والسياسيين.
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام