يبدو أن الموقف العراقي الرافض للتغيير في سوريا منذ الإطاحة بنظام بشار الأسد في الثامن من كانون الأول الجاري بدأ يتراجع تدريجيا، بعدما أرسلت بغداد ولأول مرة وفدا للتواصل مع الإدارة السورية الجديدة.
ومع تحرك المعارضة السورية في الثامن والعشرين من تشرين الثاني الماضي ضمن عملية ردع العدوان وسيطرتها على مدينة حلب، اتخذت الحكومة العراقية والجهات السياسية التي تديرها والمقربة من إيران موقفا معاديا للثورة السورية ومؤيدا لنظام الأسد، في صورة تعكس الهيمنة الإيرانية على النظامين في سوريا والعراق بحسب ما يرى مراقبون للشأن في البلدين.
وخلال تقدم المعارضة كانت القوى الشيعية القريبة من إيران تقود تحركات لإرسال الفصائل العراقية للقتال إلى جانب قوات الأسد، لكن الضغوط الدولية واستشعار الحكومة العراقية الخطر من تلك التحركات أوقف إرسال تلك المجاميع والتي سبق أن شاركت للقتال إلى جانب نظام بشار الأسد طيلة العقد الماضي.
واتهمت السلطات العراقية الفصائل السورية المعارضة لنظام الأسد بالإرهاب، كما وجهت عبر إعلامها والمنصات القريبة منها التهم لرئيس الإدارة السورية الجديدة أحمد الشرع ووصفته بالإرهابي الذي لا يمكن التعامل معه نهائيا.
وبعد الإطاحة بالأسد وسيطرة المعارضة على الحكم في سوريا بدأت العديد من دول المنطقة والعالم التواصل مع الإدارة الجديدة السورية وإقامة العلاقات معها، فيما كانت تتجه الأنظار نحو موقف الحكومة العراقية تجاه التطورات في سوريا لما يربط البلدين من حدود ومصالح مشتركة، فضلا عن وجود مخاطر مشتركة تهدد أمن البلدين والمتمثلة بتنظيم "داعش".
ويوم أمس، أوفد رئيس الحكومة العراقية محمد شياع السوداني وفدا إلى دمشق برئاسة مدير جهاز المخابرات حميد الشطري للقاء الشرع والإدارة السورية الجديدة.
وقال المتحدث باسم الحكومة العراقية باسم العوادي إن "الوفد برئاسة الشطري بحث في دمشق التطورات على الساحة السورية، ومتطلبات الأمن والاستقرار في الحدود المشتركة بين البلدين".
وتأتي زيارة الوفد العراقي بعد أيام من إعلان السوداني فتح أبواب البعثة الدبلوماسية العراقية في العاصمة دمشق، بعدما غادر طاقمها إلى لبنان عقب سقوط الأسد.
مستشار حكومي يكشف عن أهداف الزيارة
وكشف مستشار رئيس الوزراء العراقي للعلاقات الخارجية فرهاد علاء الدين أن الهدف من زيارة الوفد العراقي إلى دمشق، هو الاطلاع على التطورات الأخيرة في سوريا وكيفية تعامل الإدارة السورية الجديدة مع القضايا التي تهم العراق.
وأشار علاء الدين إلى أن الجانب الأمني المتعلق بالحدود ومكافحة تنظيم داعش هي واحدة من القضايا التي تهم العراق، وقد أعربت الحكومة العراقية عن قلقها من تطورات الأوضاع في سوريا لوجود تنظيمات مسلحة وعناصر "داعش"، وبدأت عمليات لتعزيز الأمن على الحدود المشتركة.
وعن الرسالة التي حملها الوفد العراقي إلى الإدارة الجديدة في دمشق يقول علاء الدين إن "العراق يعتبر سوريا دولة جارة ويهمه أن يكون النظام السياسي فيها جامعًا لجميع المكونات دون إقصاء أو تهميش، وأن تتم العملية الانتقالية بسلاسة دون إراقة دماء أو استهداف مكون معين على حساب الآخرين"، لافتا إلى أن "السوداني أكد على ضرورة احترام الإرادة الحرة لجميع السوريين، وأهمية أمن سوريا ووحدة أراضيها، وصيانة استقلالها".
ولفت مستشار رئيس الوزراء إلى أن "اللقاء بين الوفد العراقي والإدارة الجديدة في دمشق يعكس حرص العراق على سوريا واستقرار المنطقة"، مبينا أن "العراق يتعامل الآن مع الواقع الجديد مع التأكيد على انتظار أفعال تعكس التزام الإدارة السورية الجديدة بمبادئ الشمولية واحترام التنوع في سوريا".
السلطات العراقية تبدل موقفها المعارض للإدارة السورية الجديدة بقيادة أحمد الشرع وترسل وفدا أمنيا للقائه.. فهل هذا يعني فتح صفحة جديدة مع سوريا؟ #الساعة pic.twitter.com/PedOi3TqfU
— الساعة (@alssaanetwork) December 27, 2024
موقف عراقي رمادي
ويرى الباحث والمحلل السياسي العراقي عمار البياتي أن موقف العراق ما يزال يتسم بالغموض من التغييرات في سوريا، بينما ينبغي عليه أن يكون أول الدول الساعية لإقامة العلاقات مع دمشق من أجل ضمان مصالحها الأمنية والاقتصادية.
ويؤكد البياتي في حديث لشبكة "الساعة" أن زيارة مدير المخابرات العراقية إلى سوريا يمكن إدراجها ضمن عناوين، الأول إيجابي ويتمثل بحرص بغداد على فصل الحالة العراقية عن الموقف الإيراني الداعم للخروج على السلطة الجديدة والذي ظهر من خلال موقف مرشد إيران علي خامنئي الداعم لما أسماه شباب المقاومة في سوريا"، فضلا عن "كونها اعترافا رسميا بالإدارة السورية الجديدة وهو ما يمهد لفتح الباب لإقامة العلاقات مستقبلا".
وأضاف أن "العنوان الثاني للزيارة وهو العنوان السلبي ويتمثل بتركيز الجانب العراقي على وضع الأقليات في سوريا وضمان مشاركتها السياسية في حين تمارس السلطات العراقية أقصى أشكال التفرد بالسلطة وتهميش المكونات الأساسية كالعرب السنة، وكذلك تركيز الجانب العراقي على موضوع المراقد الدينية في سوريا في حين أن هذا الأمر شأن سوري داخلي لا ينبغي للعراق التدخل فيه"، مشددا على أن "الموقف العراقي يجب أن يركز على أمن الحدود وقضايا داعش والمسلحين الأكراد وملف المياه والتعاون الاقتصادي بدل الملفات الأخرى".
ولفت البياتي إلى أن "الدول العربية والإقليمية بدأت تتحرك بسرعة في سوريا لضمان مصالحها الأمنية والاقتصادية وتركيا خير مثال على ذلك"، مبينا أن "العراق لم يتحرك لغاية الآن بهذه القوة والسرعة بالرغم من أنه يرتبط بسوريا بحدود تزيد عن 600 كم ، فضلا عن ملفات أمنية مشتركة تتمثل بوجود تنظيم داعش على الحدود مع البلدين، إضافة إلى وجود مجاميع مسلحة كردية تهيمن في سوريا ومن الممكن أن تتنقل إلى العراق بعد تراجع قوتها في سوريا".
تعامل أمني مع الواقع
أما الصحفي العراقي والمتحدث الإعلامي الأسبق باسم الحكومة العراقية رافد الجبوري فيرى أن إيفاد مدير جهاز المخابرات إلى دمشق يمثل اختيارا دقيقا فهو لا يعني اعترافاً دبلوماسيا ولا دعما سياسيا، بل تعاملا مخابراتيا أمنيا مع الواقع.
وقال جبوري في تغريدة على منصة "X" إن "رئيس السلطة في سوريا أحمد الشرع وقبل الوصول إلى دمشق توجه برسالة واضحة وودية إلى العراق رغم أن الفصائل العراقية الموالية لإيران لعبت دورا أساسيا في القتال ضد المعارضة السورية لسنوات طويلة، حيث خاطب الشرع رئيس الوزراء العراقي المدعوم من تلك الفصائل مطالبا إياه بعدم التدخل في سوريا ومتعهدا بأن الثورة السورية هي ضد بشار الأسد ولن تكون ضد العراق، وأن سوريا لن تكون منطلقا لأي عمل عدائي ضد العراق".
وأضاف: أن "الأوساط العراقية القريبة لإيران صعدت من خطابها الإعلامي المعادي للشرع وسلطته من خلال التذكير بماضيه عندما كان في تنظيم القاعدة في العراق".
وتابع الجبوري: أن "السلطة في العراق التي تلقت التطمينات من أميركا وتركيا تحتاج للحوار المباشر مع الشرع"، مؤكدا أن "اختيار مدير المخابرات يمثل اختيارا دقيقا فهو لايعني اعترافاً دبلوماسيا ولا دعما سياسيا، بل تعاملا مخابراتيا أمنيا مع الواقع".
ولفت إلى أن "العراق وسوريا ينظران بقلق للحدود المشتركة، كما يشكل تنظيم داعش عدوا مشتركا للطرفين ومن الطبيعي أن يتباحثا بشأنه"، إضافة إلى أن "مسألة قوات سوريا الديمقراطية الكردية (قسد) تمثل سؤالاً صعبا للطرفين".
ونوه إلى أن "الشرع يعلم بأن إيران لن تستسلم بسهولة في سوريا وهو ما يجعله يراهن ويأمل في أن تتخذ حكومة العراق القريبة لإيران موقفا مستقلا عن طهران".
وختم قائلا: إن "المهم بالنسبة للسلطة في العراق هو أنها تحتاج لهذه الزيارة وهذه النظرة عن قرب للشرع فقد فتح تحركه وإسقاطه للأسد بهذه الطريقة والسرعة الصاعقة باب التساؤلات والاحتمالات والمجهول عما سيجري في العراق نفسه".
علاقات إيجابية مرهونة بابتعاد العراق عن التأثيرات الإيرانية
وعلى الجانب السوري يرى الخبير العسكري والسياسي السوري العقيد أحمد الحمادي أن زيارة الوفد العراقي إلى دمشق يمثل بداية لإعادة العلاقات والاعتراف بالحكومة السورية الجديدة.
وأضاف أن "هناك العديد من الملفات المشتركة بين الجانبين العراقي والسوري وهو ملف الإرهاب المتمثل بالحدود الذي يزيد عن 650 كم، وكذلك الإرهاب بكل مسمياته من داعش إلى بي كا كا إلى الميليشيات الإيرانية، وهذه الملفات يجب مناقشتها بين الطرفين وذلك عبر الانتقال من الحالة الأمنية إلى الحالة الدبلوماسية والسياسية التي من المفترض أن تكون ذات أولوية نظرا للمشتركات الاجتماعية والديمغرافية والاقتصادية".
وأوضح أن "هذه الزيارة سيكون لها تأثير كبير وإيجابي في تطوير العلاقة بين بغداد ودمشق إذا كانت حكومة العراق تنتهج نهجا مستقلا عن التأثيرات الإقليمية".
وتابع الحمادي: "أمام العراق فرصة كبيرة لتصحيح الأخطاء السابقة المتمثلة بوقوف النظام العراقي إلى جانب نظام الأسد وبالذات تأمين الممر الإيراني إلى سوريا عبر العراق وكذلك مشاركة الفصائل المسلحة العراقية مع الأسد في قتل الشعب السوري طيلة السنوات الماضية".
وأشار إلى أن "انطلاق الخطوات العراقية باتجاه سوريا من المصلحة العراقية وبعيدا عن التأثيرات الإيراني فإنها ستنجح في تعزيز العلاقات السياسية والاقتصادية والاجتماعية بين البلدين، خاصة وأنه لا يوجد ما يفرق بين البلدين سوى إيران ومشروعها".
بغداد لم تعترف بالسلطة الجديدة
أما المحلل السياسي المقرب من الفصائل العراقية المسلحة حيدر البرزنجي فيؤكد أن زيارة مدير جهاز المخابرات إلى سوريا لا تحمل أي اعتراف بالسلطة الجديدة في دمشق.
وقال البرزنجي في تغريدة على منصبة "X": إن "الزيارة أمنية بامتياز وتحمل رسائل أمنية متعددة وليست سياسية مطلقاً أو اعتراف عراقي رسمي وتأتي هذه الزيارة بعد رفض العراق مقترح وطلب قُدم أثناء قمة العقبة المنعقدة في المملكة الأردنية الهاشمية بزيارة سوريا من قبل وزراء الخارجية الحاضرين".
وأضاف أن "الزيارات الأمنية لا تمنح أي إعتراف بالطرف الآخر وهو ما يحصل حتى مع الجماعات المسلحة في أغلب الدول ولكن الفرق تكون سرية".
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام