لا حلول قريبة تلوح في الأفق لمعالجة مشكلة الكهرباء في العراق، فالعراقيون سيعيشون أزمة انقطاع الكهرباء الوطنية طيلة السنوات الخمس المقبلة على أقل تقدير إذا واصلت السلطات المعنية الليل بالنهار من أجل إيجاد البدائل للوقود الخاص بمحطات توليد الكهرباء وإن أخفقت في ذلك فإن الأزمة ستدوم لفترة أطول.
ويقف العراق عاجزا عن حل أزمة الكهرباء، فوزارة الكهرباء غير قادرة على تلبية نصف حاجة البلاد من الطاقة الكهربائية في أفضل الظروف المتمثلة بتوفير الغاز الإيراني والوقود الوطني، في حين سيزداد هذا العجز خلال السنوات المقبلة بسبب تضاعف الطلب على الطاقة في نتيجة طبيعية لزيادة السكان وتوسع المدن.
ويبلغ الطلب الكلي الحالي على الكهرباء في العراق 36 ألف ميغاوات، بينما يبلغ حجم الطاقة المنتجة 26 ألف ميغاوات في حال توفر الغاز الإيراني بشكل كامل، حيث يفترض أن يصل الغاز الإيراني إلى العراق بكمية 50 مليون لتر يوميا.
ويتوقع خبراء أن تصل حاجة الاستهلاك في العراق إلى 70 ألف ميغاواط بحلول العام 2050، في حين تشير التوقعات إلى أن العراق لن يقدر إلى ذلك التاريخ على تأمين نصف حاجته من الكهرباء حتى بعد استخدام الغاز الوطني.
ومنذ دخول فصل الشتاء الحالي، دخل العراق في أزمة كهرباء خانقة نتيجة توقف ضخ الغاز الإيراني بشكل كامل، بذريعة تنفيذ أعمال صيانة على الأنابيب الإيرانية، لكن تبين فيما بعد أن طهران تخدع بغداد وكأنها فرضت عليها شراء الغاز دون أن تلتزم بتأمين وصوله إلى العراق.
ويعتمد العراق في توليد الطاقة على 3 أنواع من الوقود، الغاز الوطني والغاز الإيراني المستورد والوقود الوطني.
ومؤخرا أعلنت وزارة النفط، عن تجهزها لمحطات توليد الطاقة الكهربائية بكمية 1500 مقمق يومياً من الغاز الوطني فضلاً عن 15 مليون لتر من مادة زيت الوقود، كبديل في حالة انقطاع تجهيز الغاز المستورد، لكن هذه الكميات لا تكفي لإعادة الحياة إلا لجزء يسير من محطات الكهرباء التي توقفت مع توقف الغاز الإيراني.
الأزمة مستمرة لسنوات
وكشف المتحدث باسم وزارة الكهرباء العراقية أحمد موسى عن تفاصيل أزمة الكهرباء الحالية، وأكد في تصريح تابعته شبكة "الساعة" أن الغاز الإيراني الذي يولد نحو 9 آلاف ميغاوات من الكهرباء الوطنية توقف بشكل كامل وأدخل البلاد في أزمة فاقت أزمة الكهرباء في ذروة فصل الصيف.
وقال موسى: إن "العراق يواجه اليوم أزمة خانقة في توفير الكهرباء وأن قطاع الكهرباء ليس بخير ومن يتحدث عكس ذلك فهو واهم"، مبيناً أن "تجهيز الكهرباء في الظروف الطبيعية ومع توفر الغاز الإيراني يبلغ نصف الحاجة من الكهرباء أو 60%، أما اليوم وبعد انقطاع الغاز من الجانب الإيراني فإن الأزمة تفاقمت بشكل كبير".
وحمل متحدث وزارة الكهرباء أحمد موسى: "وزارة النفط والحكومات السابقة المسؤولية عن الأزمة الحالية"، مشيرا إلى أن "80% من المحطات التوليدية تعمل على الغاز بينما العراق لا ينتج الغاز لهذه المحطات".
وشدد على أن "وزارة الكهرباء والحكومة قبل أكثر من 15 عاما (في إشارة إلى حكومة نوري المالكي) تتحمل المسؤولية عن الأزمة الحالية بسبب استيرادها محطات التوليد التي تعتمد على الغاز دون غيره من الوقود الذي ينتجه العراق في تلك الحقبة".
ولفت موسى إلى أن "الحكومة الحالية بدأت ولأول مرة باستثمار الغاز وعملت في جولات التراخيص الخامسة والسادسة على استثمار الغاز الذي كان يهدر طيلة العقدين الماضيين دون استثمار، في حين يستورد العراق الغاز من إيران سنويا بـ 6 مليارات دولار".
وأوضح المتحدث أن "العراق لغاية اليوم لا يملك البديل عن الغاز الإيراني، وهو ما يفرض عليه البقاء معتمدا على الغاز الإيراني طيلة السنوات الخمسة المقبلة على أقل تقدير"، مبينا أن "استغناء العراق عن الغاز الإيراني مرهون باستثمار الغاز الوطني وتقديمه كوقود لمحطات التوليد وهذا متوقع الوصول إليه بعد 5 سنوات".
لماذا الغاز الإيراني فقط؟
وكشف موسى عن سبب اعتماد العراق على الغاز الإيراني قائلا: إن "العراق لم يكمل صفقة استيراد الغاز من تركمانستان لغاية الآن، كما أنه لا يستطيع استيراد الغاز من الجانب القطري".
وأضاف أن "عدم استيراد الغاز التركمانستاني والذي يفترض أن يدخل حيز التنفيذ ويزود العراق بـ 20 مليون متر مكعب من الغاز يوميا يرجع إلى عدم تأمين مبلغ الغاز المستورد الذي طالبت به تركمانستان من قبل المصرف التجاري العراق دون معرفة سبب ذلك".
أما عن سبب عدم استيراد العراق للغاز القطري، فأوضح موسى أن "ذلك يرجع لسببين، الأول أن الغاز القطري يتطلب وجود أنابيب لتوريد الغاز عبر الخليج العربي وهذه البنية التحتية غير متوفرة، أما السبب الثاني فإن الغاز المورد من قطر هو غاز سائل بينما المحطات التي تعمل في العراق تتطلب الغاز الجاف، ما يعني ضرورة توفير منصات لاستقبال الغاز ومحطات تعمل على تحويل الغاز السائل إلى جاف من أجل الاستفادة منه في توليد الكهرباء"، لافتا إلى أن "ذلك من مسؤولية وزارة النفط التي لم تتحرك بأي خطوة نحو هذا الأمر".
إيران تتلاعب بالعراق ولا تحترم الاتفاق مع حلفائها
وكشف مدير تحرير منصة الطاقة الأمريكية عبد الرحمن صلاح في مقالة نشرها عن أن إيران تخدع العراق بشكل واضح، فضلا عن عدم التزامها ببنود اتفاقها مع بغداد بشأن توريد الغاز.
وبحسب صلاح فإن "العراق يعتمد على الغاز الإيراني في محطات الكهرباء بنسبة تصل إلى 80%، والباقي من الإنتاج المحلي المتواضع، لذلك عندما يتوقف ضخ الغاز من طهران لأيّ سبب مثل أعمال صيانة لدى الجانب الإيراني، أو حتى نتيجة زيادة الاستهلاك المحلي والحاجة لكل الغاز، فإن منظومة الكهرباء العراقية تضطرب وتزيد ساعات القطع اليومية لأكثر من 8 ساعات يوميا، وقد تصل ساعات القطع إلى 20 ساعة يوميا".
وأشار الكاتب في مقالته إلى "3 أدلة على أن طهران تتلاعب ببغداد فيما يتعلق بقضية إمدادات الغاز، الأول هو أن الجانب الإيراني أبلغ العراق بقطع الإمدادات 15 يوماً فقط، ولكن حتى اللحظة ما يزال الضخ متوقفاً، والثاني هو أن إيران لم تقطع الغاز عن تركيا، التي تعتمد بدورها على الغاز الطبيعي الإيراني بنسبة تتراوح بين 16 إلى 18%، أما الثالث فهو أن العقد المُبرم بين الجانبين ينص على تصدير 50 مليون متر مكعب في الشتاء، و70 مليوناً في الصيف، لكن منذ 3 سنوات لا يصل حتى نصف هذه الكمية، رغم المطالبات المتكررة من جانب حكومة بغداد بالالتزام ببنود العقد المُبرم بينهما".
وأوضح صلاح أنه "رغم حاجة طهران لكميات الغاز الموردة إلى تركيا، إلّا أنها تحترم اتفاقها مع أنقرة، وهو ما يبين أن الجانب الإيراني يتلاعب بالعراق، ولا يضعه في أولوياته".
ولفت إلى أن "بداية تجدُّد أزمة الكهرباء في العراق مفاجئة تماماً، ودون أيّ ترتيبات مسبقة، حينما أبلغت إيران وزارة الكهرباء العراقية يوم 24 تشرين الثاني بوقف ضخ الغاز لمدة 15 يوماً من أجل أعمال صيانة، لكن السبب الحقيقي هو نقص الوقود في إيران مع الانخفاض الشديد لدرجات الحرارة، وزيادة الحاجة للتدفئة، إلى جانب عدم تلبية الإنتاج المحلي للزيادة في الاستهلاك، إذ وصل الأمر إلى حد قطع الكهرباء عدّة ساعات يومياً".
وخلص التقرير إلى أن "إيران لن تكون مصدراً موثوقاً بالنسبة لإمدادات الوقود إلى العراق، وعلى بغداد التحرك بشكل جاد للتخلص من الاعتماد على طهران، بإيجاد مصادر أخرى مثل الغاز المسال (رغم أنه مرتفع التكلفة ويتطلب إقامة بنية تحتية بمليارات الدولارات)، وأيضاً ضرورة الاستغلال الأمثل لاحتياطيات العراق الوفيرة من الغاز، والتوقف عن حرق الغاز المصاحب"، مبيناً أن "الغاز التركمانستاني إلى العراق عبر إيران سيضع بغداد في المشكلة نفسها وهي عدم التزام طهران".
حلول عراقية ترقيعية
من جهة أخرى، أكدت عضو لجنة الكهرباء والطاقة النيابية سهيلة السلطاني أن الإجراءات الترقيعية لحل نقص التجهيز بالكهرباء قد فاقمت من الأزمة، فيما رهنت إنهاء الأزمة بالاعتماد على الغاز العراقي.
وقالت السهلاني في تصريح تابعته شبكة "الساعة" إن "العراق بحاجة إلى حلول جذرية لمشكلة الكهرباء"، مشيرة إلى أن "المشكلة في العراق لا تنتهي إذا ما لم نعتمد على الغاز العراقي بشكل كامل".
وبينت أن "العراق يمتلك نوعين من الغاز الأول غاز حر وكذلك الغاز المصاحب"، ونوهت إلى أن "وزير النفط وعد باستثمار الغاز العراقي بشكل كامل في عام 2028".
ولفتت إلى أن "المشكلة تكمن في أن العراق لم يكن مهتما قبل عام 2021 بمسألة الغاز وكانت جولات التراخيص كلها تركز على استثمار النفط بينما كان الغاز يحرق بالجو".
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام