في الوقت الذي يفترض أن يبادر العراق قبل غيره بالوصول إلى دمشق وإقامة علاقات مع سوريا الجديدة بعد الإطاحة بحكم الأسد، تحفظت بغداد في الوصول، على الرغم من أن التقارب يفرضه الواقع الدولي الذي رحب بالتغيير السوري، بل ودعمته على مختلف الأصعدة. 

ومنذ الثامن من كانون الأول / ديسمبر الجاري، تاريخ سيطرة فصائل المعارضة السورية بقيادة أحمد الشرع "الجولاني" على دمشق، والوفود الأجنبية والعربية تسارع الخطى للتواجد في سوريا الجديدة وضمان مصالحها فيها قبل غيرها، لكن العراق لم يتخذ خطوات مماثلة لغاية الآن.

وبدأت دول عربية بالتواصل مع إدارة سوريا الجديدة كدولة قطر والسعودية والبحرين والأردن، فيما كانت تركيا الأسرع وصولا إلى دمشق، وتلا ذلك حراك غربي فرنسي وبريطاني وإيطالي وألماني ثم أمريكي تمثل بزيارة مساعدة وزير الخارجية الأمريكي باربيرا ليف.

ويبدو أن لقاء مساعدة الوزير الأمريكي مع الشرع كان له انعكاس إيجابي بالعلاقة بين دمشق وواشنطن التي بدأت تدرس ملف رفع الجولاني من لوائح الإرهاب بعد إلغاء المكافأة المالية المخصصة له والبالغة 10 ملايين دولار، كما أنها أثمرت عن وعود أمريكية بإلغاء العقوبات الأمريكية على سوريا التي فرضت بزمن النظام السابق إذا وفت إدارة سوريا الجديدة بالوعود التي أطلقتها بشأن الحريات وحقوق الإنسان والتعامل مع ملف الأمن الدولي.

ولم يكتفِ العراق بالرسائل الإيجابية التي أرسلتها الإدارة السورية الجديدة والانطباع الدولي المريح عن مستقبل سوريا، فهو يضع المخاوف من تحرك "داعش" في الأراضي السورية سببا وراء تأخر خطواته نحو سوريا، إلى جانب تناقض المواقف التي تبناها العراق بدعم بشار الأسد قبل سقوطه، فضلا عن أن الذهاب والتقارب مع سوريا يعني ضربة أخرى لإيران الأمر الذي يرفضه حلفاء طهران في العراق الذين ما يزالون يمتلكون القرار في بغداد.

استئناف عمل البعثة الدبلوماسية العراقية في دمشق

وأعلن رئيس الحكومة العراقية محمد شياع السوداني أن البعثة الدبلوماسية العراقية فتحت أبوابها وباشرت مهامها في دمشق بعدما غادر طاقمها إلى لبنان عقب سقوط نظام بشار الأسد.

وأكد السوداني في مقابلة مع قناة العراقية أن بلده بالتأكيد ليس ضد التواصل مع الإدارة في سوريا طالما هناك مصلحة لاستقرار سوريا والمنطقة، موضحاً أنه إلى الآن لم تحصل خطوة رسمية بهذا الاتجاه رغم أن بعثتنا الدبلوماسية فتحت أبوابها وباشرت مهامها في دمشق.

وأشار إلى عدم حصول أي اتصال بينه وبين أحمد الشرع، مذكّراً بأن بلده ينتظر الأفعال لا الأقوال من حكام سوريا الجدد.

ويرى السوداني أن ثمة حالة من القلق من طبيعة الوضع في الداخل السوري، داعياً الإدارة السورية الجديدة إلى أن تعي خطورة هذا القلق من الدول العربية والإقليمية وأن تعطي ضمانات ومؤشرات إيجابية حول كيفية احترامها التنوع الموجود في سوريا وإعدادها لعملية سياسية لا تقصي أحداً.

العراق يتوجس خطر "داعش" في سوريا

بالتزامن مع ذلك، حذّر وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين من إعادة ترتيب صفوف التنظيم، وقال حسين إن "داعش بدأ يعيد ترتيب صفوفه بعد استيلائه على كميات من الأسلحة في أعقاب انهيار الجيش السوري".

كما حذر أيضا من "خطورة هروب عناصر داعش من السجون السورية، وانفلات الوضع في معسكر الهول الواقع شمال شرق سوريا والذي يضم أسر وعائلات التنظيم، مع ما يعكسه على الأمن في البلدين على السواء".

وبعد ساعات من سقوط النظام السوري في الثامن من ديسمبر أفاد مصدر دبلوماسي لوكالة الصحافة الفرنسية بأن طاقم السفارة العراقية في دمشق انتقل إلى لبنان عن طريق البر.

وفي الـ 12 كانون الأول 2024 تقدمت الحكومة السورية المؤقتة بالشكر للدول التي استأنفت عمل بعثاتها الدبلوماسية في دمشق، ومن بينها العراق.

وبعد ذلك رفعت السفارة السورية في العاصمة العراقية بغداد العلم السوري الجديد إيذانًا بتغير المشهد السياسي في سوريا، وذلك بعد يومين من سقوط نظام بشار الأسد.

 جهات عراقية قريبة من إيران تحاول إبعاد العراق عن سوريا الجديدة

ويرى مراقبون للشأن العراقي أن عوامل عدة تدفع العراق إلى عدم الاندفاع نحو إقامة العلاقات مع سوريا الجديدة.

ويؤكد رئيس المركز العراقي للدراسات الاستراتيجية غازي فيصل أن عدم إقامة العلاقات بين العراق وسوريا الجديدة ترجع إلى التغيير الجذري في سوريا والذي أطاح بنظام الأسد الحليف السابق للسلطات العراقية من جهة وأحد محاور إيران من جهة أخرى.

وقال فيصل في تصريح لشبكة "الساعة": إن " أسباباً عدة تدفع نحو عدم اندفاع العراق نحو العلاقات مع سوريا في ظل الحكم الجديد، وتتمثل أبرزها بكون السلطة الحالية في دمشق كانت العدو للحليف السابق للحكومة العراقية، حيث إن حكام دمشق الجدد هم أعداء لنظام إيران ولنظام الأسد الحليف السابق للعراق".

وأوضح فيصل أن "هذه التغييرات من الطبيعي أن تثير حذر الحكومة العراقية، إلى جانب الاختلاف الطائفي السياسي للسلطتين اليوم".

وأشار إلى أن "المخاوف العراقية من عودة نشاط داعش في سوريا وتشكيل ذلك خطرا على العراق أيضا يعد من أسباب الحذر العراقي من التقرب من دمشق، رغم أن المخاوف المتزايدة بهذا الشأن غير مبررة لأن تواجد داعش ليس بالكبير في سوريا كما أن سجون مسلحي التنظيم مؤمنة بقوات سوريا الديمقراطية والقوات الأمريكية".

ورجح فيصل: "عدم إقامة علاقات عميقة ووثيقة بين بغداد ودمشق قريبا، نظرا للأسباب السابقة، لكنه أشار إلى أن العلاقات بدأت تعود تدريجيا بين البلدين من خلال إعادة عمل البعثة الدبلوماسية العراقية في دمشق".

وتسعى جهات عراقية قريبة من إيران لوضع العراقيل أمام حكومة السوداني لمنعه من الانخراط بعلاقة قوية مع سوريا، على اعتبار أن الإدارة الجديدة هي التي أطاحت بالمشروع الإيراني في سوريا، بحسب ما يرى الباحث والمحلل السياسي عادل كمال.

وقال كمال في تصريح لشبكة "الساعة": إن "بعض الجهات العراقية ترى في قيادة سوريا الجديدة أعداء كونهم أعداء لإيران من جهة، وكونهم يحملون الفكر الديني بالتوجه السني البعيد عن معتقدات الأحزاب الشيعية القريبة من إيران".

وأضاف أن "العداء السياسي المسبق مع إدارة سوريا الجديدة يترجم من خلال الحملات الإعلامية التي يقودها الإعلام التابع للجهات العراقية الشيعية والتحذير من إدارة سوريا الجديدة وإدارتها المتهمة بالإرهاب، في حين أن الكثير من قيادات الدولة العراقية ضمن لوائح الإرهاب الدولية".

وأوضح كمال أن "تأخر الحكومة العراقية في مد جسور العلاقة مع سوريا يؤكد تخليها عن مصلحتها القومية والوطنية نزولا عند رغبة إيران أو الموالين لها، بالرغم من إيران تسعى اليوم للتواصل مع دمشق وفقا لما تمليه عليه مصلحتها رغم أنها كانت الخصم الأهم لحكام دمشق الجدد طيلة العقد الماضي".

وفي الساعات الماضية، كشف النائب مصطفى سند عن إيقاف تصدير النفط الأسود إلى سوريا والذي كان يصلها بكمية 120 ألف طن سنويا، كجزء من الدعم لنظام الأسد.

كما كشفت مصادر عراقية مطلعة عن وجود أمر قبض صادر من القضاء العراقي بحق أحمد الشرع، وأوضحت أن الشرع خلال وجوده في العراق عندما كان في تنظيم القاعدة، تم اعتقاله من الجانب الأمريكي بين عامي 2007 -2008، لكن بعدها أفرج عنه الأمريكيون أنفسهم، ولم يكن للجانب العراقي أي علاقة، كما لم يصدر عليه أي حكم من القضاء العراقي في وقتها".

ونفى رئيس الإدارة السورية الجديدة أحمد الشرع تورطه بأن يكون قد شارك سابقاً في القتال الطائفي أو قتل العراقيين سابقا، وأن وجوده في العراق كان لقتال القوات الأمريكية، وأكد أنه كان في المعتقل عندما انحرف العمل العسكري في المناطق السنية عن مساره وأخذ طابع الاقتتال الطائفي واستهداف القوات الأمنية العراقية.

ومنذ سير العمليات العسكرية للمعارضة السورية (ردع العدوان) وعقب سيطرتها على حلب، بدأت الجهات العراقية المتنفذة بالتصعيد والتأكيد على إمكانية المشاركة في العمل العسكري إلى جانب نظام الأسد، كما أن حكومة السوداني كانت ترى في تحرك المعارضة عمليات إرهابية سيمتد خطرها على العراق، لكن أحمد الشرع المعروف بالجولاني وجه رسالة إلى السوداني دعاه فيها إلى عدم زج العراق في الوضع السوري وأن قواته لا تستهدف العراق وإنما إسقاط النظام السوري فقط.

إلى ذلك انتقد مدونون وصحفيون عراقيون تأخر العراق بإقامة علاقات مع سوريا لغاية الآن، رغم إسراع العديد من الدول الغربية والعربية لإقامة تلك العلاقات.

وأشار المدونون العراقيون إلى أن تأخر العراق في ذلك يرجع لهيمنة إيران على المشهد وتحكمها بعلاقات العراق مع الخارج.