تزداد المخاوف في العراق من وقوع ضربة عسكرية على خلفية إقحام العراق في الصراع الدائر مع "إسرائيل" من قبل الفصائل الموالية لإيران، لكن التخوف العراقي لا يقتصر على الخشية من الضربة العسكرية، بل يشمل الجانب الاقتصادي والمالي، حيث تصاعدت المخاوف من شمول العراق بعقوبات اقتصادية دولية والعقوبات على القطاع النفطي على خلفية علاقته بالنظام الإيراني.

وتأتي هذه المخاوف بالتزامن مع إعادة رسم الشرق الأوسط الجديد الذي يضمن إنهاء النفوذ الإيراني في المنطقة والذي كان يمتد في دول عربية أبرزها العراق وسوريا ولبنان واليمن.

وتعهد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بتعزيز العقوبات الدولية على إيران وفرض حصار اقتصادي عليها لمنعها من تهديد المنطقة وتحجيم دورها المتزايد فيها، بينما يتوقع أن تمتد تلك العقوبات لتأثر على العراق بشكل مباشر أو غير مباشر، خاصة وأن الرسائل الأمريكية للعراق تفيد بأن شروطا وضعت أمام حكومة السوداني لإنهاء النفوذ الإيراني العسكري والسياسي والاقتصادي من أجل تجنب العقوبات الاقتصادية والضربات العسكرية.

مصير الغاز الإيراني المصدر للعراق

ويرى معهد أبحاث السياسة الخارجية الأمريكية، أن إدارة ترامب ستستخدم الضغط على حكومة طهران من خلال الملفات الاقتصادية، ومن بينها تصدير الغاز إلى العراق.

ونشر المعهد تقريرا ذكر فيه أن "إدارة ترامب قد تستفيد من التوترات الإقليمية للضغط على الحكومة العراقية لإجراء إصلاحات في المؤسسات الأمنية والحد من نفوذ الفصائل".

وأضاف التقرير: أن "إدارة ترامب قد تمنع العراق من شراء الغاز الإيراني كجزء من استراتيجيتها المتوقعة للضغط الأقصى على طهران".

وبشأن الانسحاب الأجنبي، رأى التقرير، أن "ترامب قد يقرر إبقاء القوات الأميركية في العراق بحسب مسار الأحداث الإقليمية"، مشيراً إلى أن "الهجمات التي تنطلق من العراق ستجعل البلاد عرضة للاستهداف على غرار سوريا و لبنان واليمن".

عقوبات نفطية واقتصادية على العراق

والأسبوع الماضي، قال مصدر رفيع المستوى يعمل عن كثب مع مكتب مراقبة الأصول الأجنبية التابع لوزارة الخزانة الأمريكية حصريًا لموقع أويل برايس الأمريكي المختص بالطاقة إن الوكالات المعنية في واشنطن لديها بالفعل ما يكفي من الأدلة الدامغة لتبرير فرض عقوبات ثانوية كاملة على العراق - حتى توجيه اتهامات جنائية إذا كانت تميل إلى ذلك. 

وأشار المصدر إلى أنه "بعد التوقيع في منتصف عام 2020 على عقد لمدة عامين للعراق لمواصلة استيراد الغاز والكهرباء الإيرانيين ردت الولايات المتحدة بعقوبات مستهدفة صارمة على 20 كيانًا مقرها إيران والعراق، إذ كانت هذه الكيانات أدوات لتحويل الأموال إلى فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني".

وأكدت مسؤولة في الخارجية الأمريكية حينها أن "الكيانات العشرين تواصل استغلال اعتماد العراق على إيران مصدرا للكهرباء والغاز من خلال تهريب النفط الإيراني عبر ميناء أم قصر العراقي وغسيل الأموال من خلال شركات واجهة عراقية"، مبينةً أن "واشنطن تشعر بقلق بالغ إزاء استمرار العراق في العمل كقناة لإمدادات النفط والغاز الإيرانية للوصول إلى أسواق التصدير الرئيسية في العالم".

وبحسب المصدر الأمريكي، فمن المرجح أن "تكون العقوبات الأميركية المفروضة على العراق أوسع وأعمق هذه المرة لأسباب عدة. أولاً، أصبح سعر النفط العالمي أقل اعتمادًا على النفط العراقي والإيراني مما كان عليه حتى قبل بضع سنوات، مع توفر إمدادات طاقة مستدامة جديدة متعددة بعد غزو روسيا لأوكرانيا في عام 2022 وسوف تضاف هذه الإمدادات في الأشهر والسنوات المقبلة".

العراق معقل تهريب النفط 

وأكد تقرير لموقع "إس بي غلوبال" الأمريكي المختص بأخبار النفط والطاقة، بأن حملة العقوبات القصوى التي يخطط لها الرئيس الأمريكي المنتخب دونالد ترامب ضد إيران، قد تمتد لتطال العراق الذي يعتبر ثاني أكبر منتج للنفط في "أوبك"، في حين وصف الموقع العراق بأنه معقل لتهريب النفط إلى إيران.

واستند تقرير موقع "إس بي غلوبال" على تصريحات 3 مصادر مطلعة على المناقشات الجارية، مبينا أن "فرض عقوبات ثانوية على بغداد، كالتي فرضتها الولايات المتحدة على إيران، من شأنه أن يهدد إنتاج العراق من النفط الذي يزيد عن 4 ملايين برميل يوميا وحوالي 3.6 ملايين برميل يوميا من الصادرات".

وتوقع التقرير أن "إجراءات ترامب قد تستهدف كيانات وأفرادا محددين مرتبطين بإيران، بما في ذلك شركة تسويق النفط الحكومية (سومو)، كما توقع أن يتم وضع حد لموضوع الإعفاءات من العقوبات المفروضة على العراق لاستيراد الغاز والطاقة الإيرانية مما سيخلف آثارا وخيمة على قدرة العراق على توليد الكهرباء".

ولفت التقرير إلى أن "العقوبات تستهدف الحد من النفوذ الإيراني في بغداد، حيث تسيطر جماعات سياسية وفصائل متحالفة مع طهران، بدرجة كبيرة على الحكومة العراقية وقطاع النفط".

ونقل تقرير موقع "إس بي غلوبال" عن المدير السابق للطاقة في مجلس الأمن القومي الأمريكي خلال إدارة بوش، قوله إنه "كان يقدم المشورة للعملاء بأن حكومة ترامب الثانية ستضع الحكومة العراقية الموالية لإيران بشكل متزايد في مرمى العقوبات، ولكنها لن تفرض قيودا على الصادرات".

وعلى الرغم من امتلاكه لبعض أكبر احتياطيات النفط والغاز في العالم، يعاني العراق من انقطاع التيار الكهربائي بشكل متكرر، مما يجعله يعتمد على إيران في واردات إمدادات الطاقة.

وفي 24 نوفمبر/تشرين الثاني، خفضت إيران صادراتها من الغاز الى العراق من 25 مليون متر مكعب/يوم الى 7 ملايين متر مكعب/يوم، مما تسبب في خسارة 5.5 غيغاوات من الكهرباء في العراق.

العراق يدفع ثمن تقارب سلطاته من نظام إيران

وتعليقا على التقرير الأمريكي توقع السياسي العراقي المقرب من الولايات المتحدة انتفاض قنبر أن واشنطن ستفرض عقوبات على العراق قريبا تشمل قطاع النفط بسبب الالتفاف على إدارة المجتمع الدولي والاستمرار في دعم النظام الإيراني في هذا الملف.

وقال قنبر في تصريح لشبكة "الساعة": إن "التحذيرات السابقة للحكومة العراقية لم تجدِ نفعا ولن توقف التعامل والدعم العراقي لإيران المتهمة بخلق الإرهاب والمشاكل والتصعيد في الشرق الأوسط وتهديد أمن المنطقة للخطر".

وأوضح أن "العقوبات الأمريكية ربما تشمل الجانب الاقتصادي في حال استمر العراق بتعامله مع النظام الإيراني والميليشيات الموالية لطهران، وربما تشمل العقوبات القطاع النفطي الذي يؤثر بشكل كبير على الاقتصاد العراقي المعتمد بنسبة 95% على النفط"، مبينا أن "ذلك سيكون له تأثير كبير على رواتب الموظفين وذلك كله نتيجة عدم امتثال السلطات العراقية للمطالب الدولية بوقف أنشطة الفصائل المسلحة الموالية لإيران ووقف التعامل مع النظام الإيراني".

العقوبات على قطاع النفط العراقي مستبعدة

لكن رئيس مركز العراق للطاقة فرات الموسوي توقع غير ذلك، رغم التأكيد على ضرورة أخذ تلك التحذيرات على محمل الجد والعمل على إيجاد البدائل للغاز الإيراني والعمل على تجنب أي عقوبات من المحتمل أن تفرض على العراق.

وقال الموسوي في حديث لشبكة "الساعة": إنه "لا توجد احتمالات فرض عقوبات دولية على قطاع النفط في العراق على اعتبار أن عمليات بيع وتهريب النفط الإيراني كانت تجري بعلم إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن، كما أن عمليات استيراد الغاز الإيراني من الجانب العراقي كانت تحصل عبر إعفاءات أمريكية تصدر كل 4 أشهر".

وأضاف الموسوي: أن "العراق لا يمتلك أي سياسة نفطية للتعامل مع أي أزمة طاقة دولية، كما أنه لا يمتلك أي بدائل عن الغاز الإيراني في الوقت الحالي"، لكنه أوضح أن "العراق ينتج 4 ملايين برميل من النفط يوميا وأن أي عقوبات عليه سوف يعرض سوق الطاقة العالمي إلى زلزال"، حسب وصفه.

فرصة تجنب العقوبات ما تزال بيد العراق

من جهته يرى الباحث والمحلل الاقتصادي عمر الحلبوسي أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب سوف يقوم بتشديد العقوبات على إيران مالياً واقتصادياً وهو ما يعني إلغاء استثناء العراق من استيراد الغاز من إيران وتوجيه العراق لاستيراد الغاز من مصادر أخرى في إجراء صارم ضد إيران.

وقال الحلبوسي في حديث لشبكة "الساعة": إن "توجه العراق لاستيراد الغاز من تركمانستان عبر إيران سوف يلاقي رفضاً أمريكياً منعاً لاستفادة إيران من هذه العملية".

وأشار إلى أن "ترامب ونائبه سبق وإن صرحوا بأن وجود بايدن في الحكم زاد من تصدير النفط الإيراني وأنهم يعملون على منع تصدير النفط الإيراني، وإن معاقبة 35 كياناً وسفينة تصدر النفط الإيراني قبل أيام من قبل وزارة الخزانة الأميركية جاء بضغط من الجمهوريين وهي خطوة أولى للمزيد من تشديد العقوبات الأميركية على إيران".

وأضاف أن "هذه العقوبات سوف تكون صارمة جداً على إيران وستمتد إلى العراق والذي سيطال القطاع النفطي والمصرفي"، وتوقع أن "العقوبات الأمريكية الأخيرة على النفط الإيراني كانت بمثابة تحذير للعراق وهو ما سيؤدي إلى مشاكل مالية ومصرفية كبيرة للعراق وعدم القدرة على دفع رواتب الموظفين"، مبينا أنه "ما زال أمام الحكومة العراقية فرصة لتجنب هذه العقوبات من خلال التفاوض مع الأمريكان وإيجاد نقطة تفاهم تعبر بالعراق من هذا المنعطف الخطير".

وختم الحلبوسي قائلا: أنه "إذا لم نجد حلاً يرضي الجانب الأمريكي فإننا سوف نتعرض لعقوبات تدخل بالبلد بمنزلق خطير جداً".