في الوقت الذي تبذل فيه دول العالم جهودًا حثيثة للحد من انتشار المخدرات ومكافحة آثارها المدمرة، عمد نظام بشار الأسد على اختيار طريقٍ مغايرٍ تمامًا، فقد سخّر إمكانيات الدولة وأجهزتها للانخراط في تجارة المخدرات، متخذاً منها وسيلة للتهرب من العقوبات الاقتصادية المفروضة عليه.

ولم تكن هذه التجارة الممنهجة مجرد وسيلة للبقاء الاقتصادي، بل أصبحت أداة لتعزيز نفوذه وإرضاء دائرته المقربة حتى أصبحت سوريا خلال سنوات حكم بشار الأسد الأخيرة مركزًا رئيسيًا لإنتاج الكبتاغون وتصديره.

تورطت شخصيات بارزة في النظام بشكل مباشر في هذه التجارة بما في ذلك ماهر الأسد، شقيق الرئيس المخلوع وقائد الفرقة الرابعة في الجيش السوري، بحسب تحقيق لشبكة "بي بي سي".

وتفيد تقارير دولية بأن تجارة الكبتاغون الذي يعد من المخدرات المنشطة المنتشرة في بعض دول المنطقة، أحد المصادر الرئيسة التي تسهم في تمويل أنشطة مختلفة في البلاد حيث صدرت كميات ضخمة من هذه الحبوب.

وبحسب تقرير أصدره معهد "نيولاينز" والبيانات الصادرة عن الحكومة البريطانية، فإن سوريا كانت مسؤولة عن إنتاج ما يقارب 80% من الكبتاغون العالمي.

ورغم غياب وتضارب الأرقام الدقيقة حول العوائد من تجارة المخدرات إلا أن السفارة البريطانية في لبنان بينت أن النظام السوري يستفيد من تجارة مخدر الكبتاغون بـ 57 مليار دولار سنويا.

طرق ووسائل التصنيع

تتم عملية تصنيع الكبتاغون في معامل سرية داخل المناطق الخاضعة لسيطرة النظام السوري. يُستخدم في التصنيع مواد كيميائية متاحة، وتُنتَج الحبوب بكميات كبيرة وبأسعار منخفضة، مما يحقق أرباحًا هائلة عند بيعها في الأسواق الخارجية. كما تُشير تقارير إلى تورط جماعات مسلحة، مثل حزب الله اللبناني، في عمليات التصنيع والتوزيع، إذ تُستَخدم خبراتهم وشبكاتهم في تهريب المخدرات.

طرق التوزيع والتهريب

وتوزع المخدرات التي يتم تصنيعها في سوريا إلى العديد من الدول المجاورة مثل العراق ولبنان والأردن، فضلاً عن أسواق ضخمة في دول الخليج، وفي السنوات الأخيرة باتت هذه المنتجات تشكل تهديدًا حقيقيًا للأمن والاستقرار في هذه البلدان، وفق بيانات للحكومة البريطانية.

فيما كشف تقرير الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة أن "العراق شهد طفرة هائلة في الاتجار بالمخدرات واستهلاكها خلال السنوات الخمس الماضية، ولا سيما حبوب الكبتاغون المخدرة والميثامفيتامين".

وأضاف أن "السلطات العراقية صادرت في عام 2023 رقماً قياسياً، بلغ 24 مليون قرص كبتاغون، يفوق وزنها 4.1 أطنان، وتقدر قيمتها بما بين 84 مليون دولار و144 مليوناً، وفقاً لسعر الجملة".

وأشار التقرير الأممي إلى أن "مضبوطات الكبتاغون زادت بنحو 3 أضعاف، بين عامي 2022 و2023"، مبيناً أن "المضبوطات في العام الماضي أعلى بمقدار 34 مرة، من تلك في 2019".

وبحسب تحقيق لصحيفة "دير شبيغل" الألمانية وترجمته شبكة "الساعة"، فإنه "غالبًا ما يتم تهريب الكبتاغون عبر أوروبا قبل أن يتم إعادة توجيهه إلى دول الخليج".

وأضافت الصحيفة أن "الأردن يعد أحد أبرز اللاعبين في مكافحة تجارة الكبتاغون، إذ يُعَد من أكثر البلدان التي تأثرت بهذه الظاهرة على مدار السنوات الأخيرة"، مشيرةً إلى أن "السلطات الأردنية أبلغت عن ضبط ملايين الحبوب المهربة عبر الحدود من سوريا".

وتابعت أن "السعودية اتخذت خطوات صارمة لمكافحة تجارة الكبتاغون على أراضيها"، مبينةً أن "هذه الحبوب غالبًا ما تجد طريقها عبر الحدود إلى الأسواق الخليجية حيث تُباع بأسعار باهظة، ما يحقق أرباحًا ضخمة للشبكات الإجرامية".

ولاحقاً بدأ الاتحاد الأوروبي أيضًا في توجيه أنظاره إلى تجارة الكبتاغون، حيث أفاد تقرير صادر عن "مركز المراقبة الأوروبي للمخدرات والإدمان" بأن "دول الاتحاد الأوروبي قد أصبحت بوابة رئيسية لعبور كميات كبيرة من الكبتاغون إلى منطقة الشرق الأوسط"، مشيراً إلى "مصادرة كميات ضخمة من الحبوب في مناسبات مختلفة".

ونقل التقرير عن محققي المخدرات الإيطاليين والألمان، قولهم إن "حبوب الكبتاغون لا تحظى بشعبية كبيرة في أوروبا، ولكنهم فوجئوا إلى حد ما بالكميات التي تم العثور عليها، متسائلين عن وجهتها؟".

ولكن التحقيقات كشفت أن "تحويل مسار المخدرات عبر أوروبا يشكل جزءاً من الخطة التي تهدف إلى خداع مسؤولي الجمارك في الدول الخليجية، وبمجرد وصولها إلى أوروبا، يتم إعادة تعبئتها وإرسالها جنوباً إلى الخليج".

نظام الأسد يخشى العقوبات الأوروبية

ويؤكد الباحث في مركز جسور للدراسات رشيد حوراني في تصريح خاص لشبكة "الساعة" أنه "رغم سيطرة نظام الأسد على 80% من تجارة الكبتاغون عالميًا، إلا أن تصدير هذه المخدرات إلى الأسواق الأوروبية ظل خطوة محفوفة بالمخاطر بالنسبة له".

وأضاف: "يبدو أن النظام يتجنب بشكل متعمد اختراق الاتحاد الأوروبي، حيث يدرك جيدًا قدرات الأجهزة الأمنية الأوروبية المتطورة، التي تمتلك تقنيات حديثة قادرة على تتبع مصادر الشحنات وكشف خيوطها".

وأردف: "الأسد يدرك أن أي محاولة لاختراق السوق الأوروبية قد تُعرّضه لعقوبات اقتصادية قاسية من دول الاتحاد الأوروبي، التي تُعد أكثر صرامة في التعامل مع هذا النوع من التهديدات"، مبيناً أن "هذا الحذر دفع النظام إلى توجيه نشاطه بشكل أساسي نحو الدول الإقليمية، خاصة في العالم العربي مستغلًا ضعف الرقابة الأمنية في بعض دول المنطقة".

الأسد ابتز الدول العربية بالمخدرات

وقال حوراني: إن "نظام الأسد انخرط في تجارة وتهريب المخدرات حتى قبل عام 2011 بالتعاون مع حزب الله اللبناني وإيران، مستهدفاً بشكل خاص الدول العربية، حيث كان يعمل على تصنيع وتهريب المخدرات، بهدف تخريب المجتمعات العربية وضرب استقرارها الاجتماعي".

وذكر أن "وزير الداخلية السعودي قام بعدة زيارات إلى سوريا حينها، في محاولة لإقناع نظام الأسد بوقف عمليات تهريب المخدرات إلى المملكة، إلا أن تلك الجهود لم تثمر عن نتائج ملموسة، إذ استمر النظام في استغلال تجارة المخدرات كوسيلة لتعزيز نفوذه وابتزاز الدول العربية".

وبين أن "نظام الأسد حول تجارة الكبتاغون والمخدرات إلى أداة ابتزاز قوية، يلوّح بها أمام المجتمعين الإقليمي والدولي مستعرضًا قدرته على التحكم الكامل في هذه التجارة وكان النظام يوجه رسائل واضحة لتحقيق مطالبه وخاصة الاقتصادية مقابل وقف تصنيع وتهريب المخدرات".

تهريب الكبتاغون ينخفض 90%

ورجح الحوراني تراجع نسبة تهريب الكبتاغون وتهديد المجتمعات العربية والإقليمية بنسبة 90% بعد الإطاحة بنظام الأسد.

وتوقع أن "يحاول تجار المخدرات الذين كانوا يعملون تحت مظلة نظام الأسد الاستمرار في أنشطتهم على المدى القصير، رغم التغيرات السياسية والأمنية في سوريا رغم توجه الحكومة الجديدة لضبط الأمن والتحكم بالأوراق التي استغلها النظام السابق لابتزاز المجتمع الدولي والعربي".

ويرى أن "الجهات التي كانت تعمل في تصنيع المخدرات تحت حماية نظام الأسد لن تتمكن من العودة إلى المستوى السابق من النشاط، ومع تعزيز الأمن واستمرار الإجراءات الحكومية الجديدة، من المحتمل أن تتراجع هذه الأنشطة بشكل تدريجي حتى تتلاشى تمامًا".

مخاوف من انتقال إنتاج الكبتاغون في العراق

ومع تراجع إنتاج وتصدير الكبتاغون في سوريا بعد سقوط نظام الأسد، يكشف الخبير في شؤون اقتصاد النقل الدولي، زياد الهاشمي، بأن هناك جهات ذات سطوة وسلطة داخل العراق تسعى لنقل مراكز إنتاج الكبتاغون من سوريا إلى العراق.

ويرى الهاشمي في تصريح خاص لشبكة "الساعة" بإن "عدم تحرك الدولة العراقية لتفكيك الشبكات القوية والجهات التي تمتلك السلطة سيؤدي إلى انتقال هذه المراكز من تحت سيطرة نظام الأسد إلى داخل الأراضي العراقية".

وبين أنه "مع استمرار تراخي الدولة ووجود قوى مسلحة لها نفوذ وسلطة، قد تستغل هذه الجهات غياب النظام السوري عن إنتاج الكبتاغون لتوسيع إنتاج هذه المادة المخدرة وتعويض الفراغ الذي خلفه توقف الإنتاج في سوريا".

وأشار إلى أن "بعض المناطق العراقية، مثل السليمانية وقرب بغداد وديالى وبعض المحافظات الجنوبية، شهدت بالفعل محاولات لإنتاج هذه المادة خلال مراحل سابقة"، مؤكداً أن "توقف مراكز الإنتاج في سوريا سيُفقدها مكانتها كأكبر منتج عالمي للكبتاغون، مما سيؤثر بشكل مباشر على الإمدادات الموجهة للأسواق الخليجية التي كانت المستهلك الأكبر لهذه المادة".

ولفت الهاشمي إلى "تقديرات الأمم المتحدة والبنك الدولي تشير إلى أن تجارة الكبتاغون، التي اعتمد عليها الاقتصاد السوري في ظل نظام الأسد، بلغت حوالي 6 مليارات دولار سنويًا، ما يمثل نحو 50% من الناتج المحلي الإجمالي لسوريا خلال السنوات الأخيرة".

وعن دور العراق في تجارة الكبتاغون، قال الخبير في شؤون اقتصاد النقل الدولي، إن "العراق كان من المنافذ الرئيسية لتهريب هذه المادة نحو الأسواق الخليجية"، مبيناً أن "سعر الحبة الواحدة، الذي كان يُباع سابقًا بدولار واحد، ارتفع الآن إلى حوالي 10 دولارات في الأسواق الخليجية".

ويعتقد الهاشمي أن "تورط العراق في تجارة الكبتاغون سيؤدي إلى انتعاش الاقتصاد الأسود، مما قد ينعكس سلبًا على سمعة العراق الدولية" مشدداً على "أهمية التحرك الفوري لتفكيك هذه الشبكات ومنع العراق من أن يصبح مركزًا جديدًا لإنتاج هذه المادة المخدرة".