لم يتجاوز ملف المغيبين في كركوك حاجز الدعاية الإعلامية، فالمغيبون لم يعودوا إلى أهلهم ولم يكشف مصيرهم ولم تعترف سلطات إقليم كردستان المتهمة بإخفائهم لغاية الآن بوجودهم في سجونها رغم التهم الموجهة لها.

وتعود مشكلة المغيبين في كركوك إلى سيطرة الأحزاب الكردية على المحافظة بعد 2003، وإحكام هيمنتها على المحافظة بعد العام 2014 ولغاية عمليات فرض القانون في تشرين الأول/ أكتوبر 2017 والتي أعادت فرض سلطة بغداد المركزية على كركوك المحافظة الغنية بالنفط والمتنازع على إدارتها بين حكومتي المركز والإقليم.

ويتهم مسؤولون من المكون العربي في كركوك السلطات الكردية الأمنية بتغييب نحو 5 آلاف مواطن عربي في كركوك، ويشارك المسؤولون التركمان العرب هذه التهم، إذ يؤكدون أن العديد من أبناء المكون التركماني غيبتهم وصفتهم الأجهزة الأمنية التابعة للأحزاب الكردية.

واتهم محافظ كركوك السابق راكان سعيد الجبوري سلطات الإقليم بتغييب الآلاف من أبناء كركوك طيلة السنوات التي سبقت عمليات فرض القانون، وأشار في تصريحات سابقة إلى أن "ملف المغيبين في كركوك من أعقد الملفات على مستوى العراق، وإنه جريمة كبيرة ارتكبت في زمن الاستفراد بالسلطة في كركوك"، في إشارة إلى فترة حكم الأحزاب وقوى الأمن الكردية.

وبين أنه "في عهد تلك السلطة تم تغييب واختطاف أعداد كبيرة من المواطنين بتهم مختلفة بدون مذكرات قبض قضائية، وتم نقلهم خلافا للقانون إلى سجون إقليم كردستان".

وخلال حكومتي حيدر العبادي ومصطفى الكاظمي، 2014 ولغاية 2022، شُكلت لجان حكومية لمتابعة هذا الملف، لكن تلك اللجان لم تقم بأي إجراءات فعلية على الأرض، وظلت قراراتها حبراً على الورق.

وفي تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي شرعت لجنة حكومية عراقية بعمليات بحث وتقصٍّ عن المفقودين من أهالي محافظة كركوك، لكن اللجنة تم تجميدها قبيل الانتخابات المحلية في كانون الأول/ ديسمبر لتجنب استغلالها لأغراض الدعاية الانتخابية من قبل القوى والمرشحين المشاركين في الانتخابات.

وكان من المقرر إعلان نتائج عمل اللجنة المركزية الخاصة بالمغيبين منتصف شهر كانون الثاني/ يناير المقبل، لكن يبدو أن إعلانها قريبا يبدو مستحيلا لأن اللجنة بدأت أعمالها وتوقفت مباشرة عن العمل.

ولغاية الآن لم تستأنف اللجنة أعمالها، في حين يتهم ذوو المغيبين السلطات في بغداد بتجاهل هذا الموضوع، كما يتهمون سلطات كردستان بتزييف الحقائق المتعلقة بمصير المعتقلين المغيبين.

ونهاية شهر تشرين الثاني. نوفمبر الماضي وصلت إلى كركوك وجبة يفترض أن تكون لمغيبين من المحافظة في سجون كردستان، وضمت الوجبة 30 شخصا، لكن الصدمة والمفاجأة جاءت بعد استلامهم، حيث لم يكن أي من هؤلاء الأشخاص ضمن قوائم المغيبين من المحافظة، ولكنهم من المحكومين مؤخرا وفقا لتهم جنائية وغيرها ومنها مخالفات المرور والمشاجرات.

ويطالب العرب بالكشف عن مصير المغيبين من أبناء المكون وإطلاق سراحهم من سجون الإقليم، لكن الأخير ينفي أصلا مسؤوليته عن تغييبهم، كما ينفي وجود مغيبين عرب من كركوك في سجون الأمن التابعة للإقليم.

وخلال تشكيل الحكومة المحلية في كركوك، تم إسناد منصب محافظ كركوك للقوى الكردية، مقابل العديد من النقاط التي طالب بها العرب ومنها الإفراج عن المغيبين وكشف مصيرهم، وهو ما أكده عضو تحالف العزم في كركوك عزام الحمداني.

وقال الحمداني في حديث لشبكة "الساعة": إن "عدد المغيبين العرب من كركوك لدى سلطات الإقليم يقدر بالآلاف"، مبيناً أن "سلطات الإقليم تتعامل مع ملف المغيبين بالنفي وتدعي أنه لا يوجد لديها مغيبون من المكون العربي في سجونها".

وأوضح أن "عدد المغيبين العرب والمعتقلين منذ عام 2004 يصل قرابة الآلاف"، مشيراً إلى أن "المفاوضات العربية الكردية دائما ما تقرر إطلاق سراح المغيبين والمعتقلين العرب من سجون حكومة الإقليم لكن دون تحقيق ذلك على أرض الواقع".

وأكد أن "الاتفاق الأخير بين العرب والكرد كان يقضي بإسناد منصب محافظ كركوك لصالح الكرد مقابل إطلاق سراح جميع المغيبين والمعتقلين العرب، لكن هذا الاتفاق لم يترجم بشكل كامل لصالح العرب".

ولفت الحمداني إلى أن "المشكلة التي تواجه ملف المغيبين هو نفي سلطات الإقليم وجود مغيبين عرب لديها"، منوها إلى "مطالب العرب في المحافظة ثابتة وتتمحور حول ضرورة استلام جميع أبنائهم من سجون حكومة الإقليم".

وأكدت مديرة مكتب مفوضية حقوق الإنسان في كركوك ظمياء محمد أن الوجبة التي تم نقلها بحجة أن وجبة من مغيبي كركوك لن تشمل على أي من المغيبين المثبتة أسماؤهم في قاعدة بيانات المفوضية.

وقالت ظمياء محمد في تصريح لشبكة "الساعة" إن "فرق المفوضية في كركوك سجلت بشكل رسمي أكثر من 1800 شخص مغيب من المحافظة أغلبهم في سجون إقليم كردستان"، مشيرة إلى أن "أعداد المغيبين المسجلين في المحافظة ربما يقترب من 3 آلاف شخص أو أكثر".

وأوضحت أن "اللجنة الحكومية المركزية التي شكلت العام الماضي والتي من المفترض أن تتابع ملف المغيبين من كركوك في الإقليم جمدت أعمالها قبيل الانتخابات، ولم تستأنف أعمالها لغاية الآن".

ووصفت مسؤولة مكتب مفوضية حقوق الإنسان ما جرى مؤخرا من تسليم وجبة من المحكومين في سجون كردستان بأنه محاولة للتسويق الإعلامي"، لافتة إلى أن "الوجبة تمت إعادتها بناء على اتفاق سياسي بين الكرد وشخصيات سياسية من كركوك ومنهم النائب وصفي العاصي ورئيس مجلس محافظة كركوك وشخصيات عربية أخرى".

وأشارت ظمياء محمد إلى "عدم عودة المغيبين ضمن الوجبة التي أعلن عنها تؤكد إهمال ملف المغيبين الحقيقيين من أبناء المحافظة على اعتبار أن المحكومين الذين تمت إعادتهم لا تشمل إلا الأشخاص غير المغيبين والمحكومين وفقا لقضايا مختلفة"، مبينةً أنه "بعد مقاطعة أسماء العائدين مع القوائم الموجودة لدى المفوضية تبين أن تلك الأسماء غير موجودة في قوائم المفوضية الخاصة بالمغيبين".

وحملت ظمياء: "الحكومة المركزية المسؤولية الكاملة عن تجاهل ملف المغيبين وعدم تفعيل اللجان الخاصة بالمغيبين في كردستان"، مشددةً على أن "السنوات السابقة أظهرت أن سلطات الإقليم غير جادة في الكشف عن مصير المغيبين المسجلين من أبناء المحافظة".

وتلاشت آمال ذوي المغيبين من أبناء كركوك في سجون إقليم كردستان العراق بعد توقف أعمال اللجنة الخاصة المشكلة لمتابعة هذا الملف من جهة، وبسبب عدم عودة أي مغيب لغاية الآن الأمر الذي يعطي الأمل بعودة مغيبين آخرين من أبناء المحافظة.

بالمقابل تنفي حكومة إقليم كردستان وجود مغيبين من عرب وتركمان كركوك في سجونه، وتؤكد أن إثارة هذا الملف بين الحين والآخر أغراضه سياسية وانتخابية.

ويقول الصحفي والمحلل السياسي المقرب من الحزب الديمقراطي الكردستاني محمد زنكنة: إن "سجون الإقليم لا تحتوي على المغيبين الذين يتم الحديث عنهم في كركوك، وجميع المعتقلين الموجودين في سجون الإقليم جرى اعتقالهم وفقا لأوامر قبض قضائية".

وأضاف زنكنة في تصريح لشبكة "الساعة": إن "حكومة الإقليم نفت بأكثر من مناسبة وجود سجون سرية في كردستان أو مغيبين في سجونها وأنها أكدت أيضا على أن أبواب السجون في الإقليم مفتوحة للتأكد من عدم وجود أي مغيبين أو محتجزين خلافا للقانون"، حسب تعبيره، منتقدا تجاهل القوى العربية في كركوك لملف آلاف المغيبين من العرب السنة في مناطق أخرى لا تتحدث عنهم في إشارة إلى المغيبين من قبل الفصائل الشيعية الموالية لإيران.