على الرغم من خسارة إيران لأذرعها في لبنان ثم سوريا، إلا أنها ما تزال تراهن على سياسة خلط الأوراق والاستثمار في الأزمات من أجل ضمان بقاء نفوذها في العراق من جهة، ولتجنب الابتعاد النهائي عن الساحة السورية.

واختارت إيران التحرك في هذا المجال عبر إطلاق التحذيرات من وجود تهديدات حقيقية لمهاجمة العراق من قبل تنظيم داعش انطلاقا من الأراضي السورية.

وقال أمين مجلس التنسيق الأعلى لرؤساء السلطات الثلاث ورئيس اللجنة الاقتصادية لمجمع تشخيص مصلحة النظام في إيران محسن رضائي إنه "يوجد معسكر أمريكي في شمال سوريا تم فيه تدريب 11 ألف عنصر من داعش وعائلاتهم خلال السنوات الأربع الماضية".

وحذر رضائي من أن "هؤلاء العناصر قد يهاجمون مدينتي الموصل أو تكريت في العراق خلال الأشهر المقبلة"، حسب تعبيره.

التحذيرات الإيرانية بشأن مخاطر "داعش" في هذا التوقيت أطلقها أيضا نائب الرئيس للشؤون الاستراتيجية محمد جواد ظريف، الذي أشار إلى خطر "داعش" والإرهاب يجب على الجميع أن يتحسسوا منه في الفترة المقبلة.

 حدود العراق مؤمنة

وتؤكد الحكومة العراقية وقيادة العمليات المشتركة تأمين الحدود العراقية مع الجانب السوري بنسبة 100% واتخاذ إجراءات دفاعية واستباقية للدفاع عن الحدود في حال مهاجمتها من قبل تنظيم "داعش".

وتشدد القوات العراقية على أن اختراق الحدود أمر مستحيل وغير ممكن في ظل الإجراءات المتبعة حاليا، حيث تم نصب جدار كونكريتي على طول الحدود السورية، إلى جانب الأسلاك الشائكة والخنادق فضلا عن نقاط المرابطة العسكرية على الحدود، وخطوط الدفاع العراقية التي تبدأ بقوات حرس الحدود ومن ورائها قوات الجيش العراقي ثم الشرطة الاتحادية والحشد الشعبي.

أهداف التحذير الإيراني من خطر داعش

وبعد إزاحة الفصائل الموالية لإيران من المشهد في الشرق الأوسط، بات تنظيم "داعش" في سوريا يشكل الخطر الأبرز على المنطقة، وربما يعمل على استغلال الأوضاع في الداخل السوري لزعزعة الأوضاع والسيطرة على مناطق نفوذ له داخل سوريا فقط، على الأقل خلال المرحلة المقبلة.

لكن خطر تنظيم "داعش" في سوريا بحسب تقديرات الخبراء والأكاديميين لن يتعدى الحدود السورية وأنه لن يشكل مصدر خطر على العراق ولا سيما في ظل الإجراءات الاحترازية العسكرية من القوات العراقية، إلى جانب الدعم الأمريكي المتواصل وتعهده بمنع اقتراب "داعش" من الحدود العراقية، إلى جانب عدم وجود مؤشرات إلى تعرض النظام في العراق إلى التغيير كما حصل في سوريا.

ومع وجود تحذيرات حقيقية على الأرض من امكانية تحرك "داعش" في سوريا واستغلالها للأوضاع الحالية والفراغ الأمني إلا أن إطلاق هذه التحذيرات من الجانب الإيراني يثير العديد من الشبهات في هذا التوقيت.

يقول الباحث والخبير الاستراتيجي فراس إلياس إن "الغرض من التحذيرات الإيرانية هو إعادة إنتاج دورها في المنطقة بشكل يضمن عدم تهميشها في المشهد ولا سيما في سوريا وساحل المتوسط".

وأوضح إلياس أن "التصريحات الإيرانية عن وجود مخاطر لداعش بمهاجمة العراق ووجود معسكرات تضم آلاف المقاتلين مبالغ فيها"، مبيناً أن "الجانب العراقي اتخذ كافة الإجراءات الوقائية والاحترازية لتأمين الحدود وتجنب حدوث أي خروقات أمنية من قبل التنظيم".

وأشار إلى أن "المشكلة في الخطر على العراق لا تكمن من الداخل السوري ولكن من منطقة الحدود حيث ينتشر مسلحو داعش في بعض المناطق ويمارسون بعض الأنشطة وهذا هو الوجه الأول للخطر، بينما الوجه الثاني يتمثل بوجود آلاف المعتقلين من مسلحي داعش وعائلاتهم في سجن غويران الذي يخضع لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية قسد".

وتابع إلياس: أن "التهديد الأهم أمنيا يكمن في خروج سجن غويران عن سيطرة القوات الكردية خلال محاولة المعارضة التقدم وفرض السيطرة على مدينة الحسكة حيث من المحتمل أن يستغل داعش هذا الوضع في مهاجمة السجن وتحرير المعتقلين".

وزاد الخبير الاستراتيجي أن "إيران تراهن على الاستثمار في العدو داعش في حين أن التقارير الأمنية العراقية تؤكد أنه لا يوجد أي دلائل على وجود معسكرات لداعش على الجانب السوري بهذا العدد وتضم مقاتلين بالآلاف لا في الداخل السوري ولا في عمق مناطق الجزيرة والبادية العراقية".

 ونوه إلى أن "مراهنة إيران هذه تسعى لخلق نوع من الإرباك في المشهد الإقليمي والدولي من أجل ترتيب الأوضاع في سوريا، لضمان إنتاج تصور جديد لوضعها في العراق وسوريا وأن يكون لها دور وموطئ قدم  في سوريا بعد الإطاحة بحليفها الأسد وبالتالي عدم تهميشها في المشهد السوري القادم".

رسالة اطمئنان للعراقيين

وعسكريا يؤكد الخبير الأمني أحمد الشريفي أن الواقع يوجب إرسال رسائل اطمئنان للشارع العراقي بأن التحذيرات من هجوم مرتقب لداعش على الموصل وتكريت ومدن العراق الأخرى لا يمكن القيام به أو نجاحه بسبب الإجراءات الاستباقية العراقية فضلا عن دور التحالف الدولي والولايات المتحدة الأمريكية في مواجهة أي تحركات لداعش في المنطقة.

وقال الشريفي: إنه "يطمئن الشارع العراقي بأن الميدان ممسوك بقوة من القوات العراقية حيث تشهد الحدود مع الجانب السوري انتشارا عسكريا يفوق الاستحقاق لمسك الحدود"، مبينا أن هناك قدرات ماسكة للأرض وقدرات ساندة وقدرات تقنية عالية تم توظيفها من قبل التحالف الدولي، الأمر الذي يرفع منسوب الاطمئنان بشأن مخاطر داعش".

وأوضح الشريفي أن "الدافع وراء التحذيرات الإيرانية الأخيرة قد تكون سياسية أكثر مما هي أمنية"، لافتا إلى أن "هذه التحذيرات إن كانت حقيقية فكيف غابت عن التحالف الدولي والقوات الأمريكية وقوات قسد والأهم من ذلك كيف غابت عن العراق".

تحذيرات أخرى من خطر داعش

لكن التحذيرات من مخاطر داعش لم يكن مصدرها إيران فقط، إذ حذرت وزارة الخارجية الأميركية من أن تنظيم داعش سيحاول استغلال هذه الفترة لمعاودة بناء قدراته، مشددة على أن واشنطن لن تسمح بحدوث ذلك.

كما حذر سيرغي ريابكوف نائب وزير الخارجية الروسي، من وجود خطر حقيقي يتمثل في احتمالية عودة حركات مثل تنظيم داعش ليطل برأسه مجددا في سوريا، حسب ما ذكرت وكالة الإعلام الروسية.

ويرى المحلل آرون زيلين في مركز الأبحاث الأميركي "هدسون" أن "تنظيم داعش قادر على المناوشة ومضايقة السلطات حتى بعد انتصار هيئة تحرير الشام التي أطاحت بالنظام السوري".

ويعتقد الباحث في معهد دراسات الأمن القومي في تل أبيب يورام شفايتسر بأن "داعش سيحاول الاستيلاء على أكبر قدر ممكن من الأراضي من الإدارة الجديدة لسوريا".

وأشار إلى أن "خطر داعش يكمن على واحدة من نقاط الضعف في الحرب ضد الإرهاب وهي السجون والمخيمات المكتظة وغير المؤمنة في المنطقة الكردية شرقي سوريا حيث يقبع عشرات الآلاف من عناصر داعش مع نسائهم وأطفالهم".

وتوقع أن "القوات الكردية لن تتمكن تأمين السجون والمخيمات التي تضم مقاتلي داعش وعائلاتهم لفترة أطول خاصة إذا تعرضوا لهجوم من الجيش التركي الذي يعد القوات الكردية تنظيمات إرهابية".

وأعلن التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة مطلع الأسبوع الحالي استهداف 75 هدفا لتنظيم داعش وسط سوريا، وذلك في سعي من التحالف لمنع التنظيم من استغلال الأوضاع في سوريا بالتزامن مع سيطرة قوات المعارضة على الحكم في سوريا والإطاحة بنظام بشار الأسد الموالي لإيران.

والثلاثاء الماضي استقبل رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني قائد القيادة المركزية الأمريكية الجنرال مايكل كوريلا والوفد المرافق له.

وفي بيان لمكتب السوداني ورد لشبكة "الساعة": إن "اللقاء بحث التعاون والتنسيق بين العراق والتحالف الدولي في مكافحة الإرهاب ومواجهة التطرف".

وأكد السوداني أن "العراق عضو أساسي في هذا التحالف، وهو ملتزم بالتعاون مع التحالف الدولي، للتصدي ومتابعة الجماعات الإرهابية، بما يحفظ الأمن والاستقرار في المنطقة".

من جهته، شدد كوريلا على "التزام التحالف الدولي في دعم العراق لحفظ أمنه وسيادته ضد أي تهديد إرهابي"، وفق مكتب السوداني.

وفجر الأربعاء أفادت القيادة المركزية للجيش الأمريكي "سنتكوم" بأن الجنرال مايكل كوريلا أجرى زيارة إلى القواعد العسكرية في سوريا والعراق والتقى بالجنود الأمريكيين فيها.

وأعلن جون فاينر نائب مستشار الأمن القومي الأمريكي أن "القوات الأمريكية ستبقى في سوريا بعد سقوط نظام بشار الأسد"، موضحا أن "هذه القوات موجودة لسبب محدد ومهم للغاية، وليس كورقة للمساومة، وأن القوات الأمريكية موجودة هناك الآن منذ ما يربو على عقد من الزمان أو أكثر لمحاربة تنظيم داعش، وما زلنا ملتزمين بهذه المهمة".

وتجد واشنطن الآن في وجودها العسكري وسيلة للتحوط خشية مزيد من عدم الاستقرار، حتى مع عدم اتضاح الرؤية بشأن الطريقة التي سينظر بها حكام سوريا الجدد إلى الوجود الأمريكي.