فيما يترقب العالم التغييرات في سوريا والإطاحة بنظام بشار الأسد وتلاشي الوجود والنفوذ الإيراني، تباينت المواقف العراقية من تلك التغييرات بين جهات مرحبة وأخرى معارضة وأخرى تخشى أن يكون التغيير في سوريا بداية لتغيير قادم في المنطقة يشمل العراق في أولى مراحله.
وشكلت قوى المعارضة السورية حكومة لإدارة المرحلة الانتقالية، حيث اختارت محمد البشير رئيس حكومة الإنقاذ السورية التي كانت تدير إدلب منذ سنوات لتشكيل حكومة سورية جديدة لإدارة المرحلة الانتقالية من دمشق.
خلال تقدم فصائل المعارضة السورية المسلحة اتخذت الحكومة العراقية والقوى السياسية الإطارية والفصائل المسلحة التابعة لها والمعروفة بقربها من إيران موقفا داعما للرئيس السابق بشار الأسد ومعاديا للمعارضة التي وصفتها بالمجاميع الإرهابية.
وبعد أن كانت المنصات التابعة للقوى الإطارية الشيعية تحرض ضد المعارضة السورية التزمت أغلبها الصمت بعد سيطرتها على البلاد ونجاحها بإزالة حكم عائلة الأسد الذي دام أكثر من خمسين عاماً.
الموقف الرسمي الحكومة العراقية
وفي أول موقف رسمي للحكومة العراقية عقب التغيير، أكد المتحدث باسم الحكومة العراقية باسم العوادي على احترام إرادة السوريين.
وقال العوادي في بيان تلقته شبكة "الساعة": إن "الحكومة العراقية تتابع مُجريات تطوّر الأوضاع في سوريا، وتواصل الاتصالات الدولية مع الدول الشقيقة والصديقة، من أجل دفع الجهود نحو الاستقرار وحفظ الأمن والنظام العام والأرواح والممتلكات للشعب السوري الشقيق".
وأضاف: أن "العراق يؤكد ضرورة احترام الإرادة الحرّة لجميع السوريين، ويشدد على أن أمن سوريا ووحدة أراضيها وصيانة استقلالها أمر بالغ الأهمية ليس للعراق فقط إنما لصلته بأمن واستقرار المنطقة".
ولفت العوادي الى أن الحكومة العراقية تدعم كل الجهود الدولية والإقليمية الساعية إلى فتح حوار يشمل الساحة السورية بكلّ أطيافها واتجاهاتها، وصولاً إلى إقرار دستور تعددي يحفظ الحقوق الإنسانية والمدنية للسوريين، ويدعم التنوع الثقافي والإثني والديني الذي يتمتع به الشعب السوري الكريم.
وأشار إلى "أهمية عدم التدخل في الشأن الداخلي السوري أو دعم جهة لصالح أخرى، فإنّ التدخل لن يدفع بالأوضاع في سوريا سوى إلى المزيد من الصراع والتفرقة، وسيكون المتضرر الأول هو الشعب السوري".
موقف الرئاسات العراقية
وأعلنت الرئاسات الأربع في العراق عقب اجتماع مع ائتلاف إدارة الدولة المشكل للحكومة الموقف من التطورات في سوريا أكدت فيه على احترام خيارات الشعب السوري.
وذكر بيان لرئاسة الجمهورية أن "الاجتماع ناقش تطورات الأحداث في سوريا وانعكاساتها الأمنية والسياسية على أمن واستقرار العراق والمنطقة بأسرها، ومتابعة أوضاع الرعايا العراقيين في سوريا، والتأكيد على أهمية تكثيف الجهد الأمني على الحدود العراقية – السورية، ودعم إجراءات الحكومة في حماية أمن الحدود".
وأكد الاجتماع على "موقف العراق الثابت بضرورة الحفاظ على وحدة سوريا وأمنها واستقرارها، مشدداً على أهمية احترام سيادة الأراضي السورية وخيارات الشعب السوري في العيش بأمان وسلام، ودعوة المجتمع الدولي لبذل الجهود من أجل دعم استقرار جدي للمنطقة".
وشدد المجتمعون على أن "الموقف السياسي العراقي موحد تجاه التطورات الإقليمية ووضع خارطة طريق لتحديد العلاقة بين العراق وسوريا".
موقف القوى الشيعية
أكثر المواقف الشيعية وضوحا واعتدالا ورفضا للتدخل في الشأن السوري جاءت عبر زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، الذي دعا أثناء سير العمليات العسكرية للمعارضة إلى عدم زج العراق في القتال وعدم التدخل وذلك ردا على دعوات عراقية لإشراكه في القتال ضد المعارضة السورية.
وأكد الصدر أن "العراق لا شأن له بمجريات الأحداث في سوريا وأن السوريين هم من يقرر مستقبل بلادهم".
وعقب سيطرة المعارضة على دمشق دعا زعيم التيار الصدري الى "حوار وطني شامل في سوريا يفضي لتشكيل حكومة ديمقراطية".
وقال الصدر: إنه "يأمل ويتطلع لعلاقات متوازنة بين الشعبين الشقيقين تحت عنوان الإسلام والعروبة والإنسانية فمصيرنا واحد ولن نسمح للعدو بتفرقتنا بعنوان الطائفية أو الخلافات السياسية أو القومية".
الموقف القريب من ذلك أصدره رئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي الذي وصف ما جرى بأنه يوم جديد في سوريا.
وقال العبادي تعليقا على سقوط الأسد "نأمل أن يكون يوم وحدة وحرية وعدالة وسلام لشعبها"، وأضاف: "قلنا سابقا ونعيد اليوم كما لا يمكن للاستبداد أن يستمر، فلا يمكن للإرهاب أو الفوضى أو الاحتراب أن ينجح".
أما رئيس الوزراء الأسبق عادل عبد المهدي فحذر من أن الهجوم المضاد في سوريا للمعارضة حقق أول نجاحاته، محذرا من تداعيات خطيرة ستمدد على العراق.
فيما غير رئيس ائتلاف دولة القانون نوري المالكي موقفه العلني تجاه الأحداث، فقبل 3 أيام تعهد المالكي "بالقتال في سوريا كما قاتل الآباء والأجداد" حسب تعبيره، لكنه عاد عقب سقوط الأسد ليعلن أنه "يدعم خيار الشعب السوري ويحترم إدارته في التطورات الأخيرة".
بينما التزمت قيادات الفصائل المسلحة القريبة من إيران الصمت بعد أن كانت تتوعد فيما سبق بعدم السماح بسيطرة مجاميع المعارضة المسلحة التي تصفها بالإرهابية على سوريا.
أما الإطار التنسيقي القريب من محور إيران فلم يتخذ موقفا واضحا من التطورات السورية، وقال القيادي في الإطار التنسيقي عصام شاكر: إن "نظام الأسد انتهى ودمشق دخلت مرحلة جديدة ولا يمكن إعطاء رأي بمجريات ما يحدث لأنها متسارعة ومفتوحة لكل الاحتمالات".
وأضاف أن "الإطار قد يعقد اجتماعا موسعا لقياداته خلال الساعات المقبلة لمناقشة الملف السوري بعد سقوط الأسد وماهي الرؤية لكيفية التعامل مع المرحلة القادمة"، مشيراً إلى أن "قوى الإطار تتابع عن كثب مجريات ما حصل ونأمل ألا تؤدي التطورات الحاصلة في دمشق إلى زعزعة الأمن والاستقرار في المنطقة ككل".
موقف القوى السنية
أما القوى السنية فأعلنت موقفها الداعم لتعزيز السلم الأهلي في سوريا، وبينت أن تجربتها مع الإرهاب بعد عام 2003 تقدم دروساً هامة للمرحلة الحالية.
وأشارت القوى السنية خلال اجتماع دعا إليه رئيس البرلمان محمود المشهداني إلى أن ضرورة دعمهم لعملية سياسية في سوريا تعتمد على التوافق بين جميع مكونات الشعب السوري، فيما أعربوا عن تفاؤلهم بما آلت إليه الأوضاع في سوريا"، وشددوا على "ضرورة تحقيق العدالة الاجتماعية وتفعيل عمليات المصالحة المجتمعية وترسيخ السلم الأهلي في سوريا، عادين هذه الخطوات هي الأساس لاستقرار أي دولة في مواجهة الأزمات".
ووصف رئيس حزب السيادة خميس الخنجر ما حدث بأنه نهاية حقبة الحكم الديكتاتوري المجرم في سوريا وبداية عهد جديد نأمل منه وفيه الخير والتقدم للشعب السوري الشقيق.
ودعا الخنجر جميع الدول بلا استثناء إلى "احترام خيارات الشعب السوري في تقرير مصيره وكتابة مستقبله وعدم التدخل بشؤونه، ونأمل بداية خير لهم نحو دولة تؤمن بالمواطنة والحريات وتسود فيها قيم الديمقراطية والعدالة وحقوق الإنسان دون إقصاء أو تهميش".
وقبل ذلك دعا خميس الخنجر الأطراف العراقية كافة إلى "تجنب المشاركة في سوريا إلى جانب بشار الأسد وحذر من تداعيات ذلك السلبية على العراق وسوريا والمنطقة".
فيما رحب رئيس مجلس النواب الأسبق أسامة النجيفي بالتغييرات في سوريا، ودعا إلى أن "تكون هذه المرحلة بعيدة عن الدم والانتقام وتدوير الصراعات، خدمة لبناء دولة متحضرة يستحقها الشعب السوري بقوميّاته وطوائفه كافة".
هل يعترف العراق بقيادة سوريا الجديدة؟
وبشأن الموقف العراقي من قيادة سوريا الجديدة، توقع أستاذ العلوم السياسية في جامعة بغداد إياد العنبر أن يعترف العراق بالسلطة السورية الجديدة.
وقال العنبر إن "الوضع في سوريا حاليا يمر بمرحلة انتقالية تحتاج إلى مزيد من الوقت لترتيب الأوراق الداخلية"، مشيرا إلى أن "المعطيات على الأرض لا تشير إلى أي تطورات قد تتجاوز حدود سوريا، وأن الانشغال بهذا الموضوع ربما يكون نوعا من المخاوف غير المبررة أو لغايات سياسية".
وأكد أن "الجميع سينتظرون المعطيات الجديدة والوجه الجديد للسلطة في سوريا، وأن هناك مرحلة انتقالية قد تشهد ترتيبات جديدة للوضع فيها"، لافتا إلى أن "الاعتراف بالسلطة الجديدة هو أمر متوقع، وأن العراق لا يمكن أن يبقى خارج هذه الاعترافات".
وبين أن "وصف الجماعات المسلحة في سوريا بالإرهابية كان مناسبا في مرحلة سابقة، ولكن مع التطورات الحالية قد يكون هناك إعادة تقييم لهذه التصنيفات"، مشيرا إلى أن "هناك محاولات لبناء مشروع سياسي جديد في سوريا لا يستبعد القوى التقليدية، وأن هذا المشروع يرتبط بضرورة تحقيق العدالة الانتقالية".
وبعد أن "كان الولايات المتحدة وروسيا وإيران والعديد من الدول العربية تعد المعارضة السورية المسلحة جماعات إرهابية، بدأت تلك الدول بإعادة النظر في إطلاق صفة الإرهاب عليها، وأكدت البدء بالتعامل معها ومتابعة الأحداث لتحديد شكل العلاقة المقبلة معها".
على العراق أن يكون أول الواصلين لدمشق
أما أستاذ العلوم السياسية في جامعة الموصل فراس إلياس فيرى ضرورة تحرك في إقامة العلاقات مع سوريا الجديدة.
وقال إلياس في منشور في حسابه على منصة "فيسبوك": إنه "على العراق أن يكون أول الواصلين لدمشق، وليس آخرهم، فنحن معنيين أكثر من غيرنا بما يجري هناك".
وأضاف أن "الولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا وفرنسا وإيران وغيرهم بدأوو بترتيب أوضاعهم مع الوضع السياسي الجديد في سوريا، علينا أن لا ننخدع بما يقال، علينا أن نسمع بأنفسنا، لأن هناك من يريد أن يبقينا بندقية بيده، بينما يمد هو غصن الزيتون للمعارضة السورية".
وتابع أن "المشتركات العراقية مع سوريا كبيرة، وتحويل هذا الجوار من تهديد إلى فرصة، قد تجعل العراق بمثابة الفتى المدلل بين إيران والعرب، فهو النقطة الفاصلة اليوم بين إيران (الشيعية) وجوار العراق (السُني)، وعلينا أن ندرك هذه القيمة جيداً، ونعمل على أساسها، بما يعزز المصلحة الوطنية العراقية".
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام