بعد أن وصل قانون العفو العام بصعوبة إلى مرحلة التصويت في مجلس النواب العراقي، بدأت محاولات استغلال القانون ليذهب في غير الاتجاه المحدد له وهو إنصاف آلاف المعتقلين الأبرياء الذين تعرضوا للظلم في مرحلة التحقيق والمحاكمة بعد اعتقالهم بناء وفقا لمعلومات كاذبة ووشاية المخبر السري.
وبعد الكشف عن فقرات قانون العفو العام الذي تم تعديله في مجلس النواب بات التعديل يشمل العديد من مرتكبي الجرائم الجنائية وتجارة المخدرات والمخالفات الوظيفية والفساد وسرقة المال العام، ليثير الجدل مجددا بعد تجاوز المخاوف السابقة من أن يشمل القانون الذين تورطوا بجرائم الإرهاب كما حاولت ترويجه بعض الجهات السياسية التي كانت وما تزال تعارض شمول تهم الإرهاب في العفو العام.
وبحسب فقرات قانون العفو العام فإن عشرات الجرائم شملت بتعديل قانون العفو العام بشرط تنازل المشتكي أو ذوي المجني عليه أمام قاضي التحقيق أو المحكمة المختصة وتسديد ما بذمته للمدعين في الحق الشخصي إذا ترتب عليه التزامات مالية.
المشمولون بالعفو العام
وأبرز الجرائم المشمولة بتعديل قانون العفو بحسب ما أفاد خبراء القانون العراقي الذين اطلعوا على صيغة القانون المعدل وتم تلخصيها في 74 جريمة، هي الجرائم الإرهابية التي لم ينشأ عنها قتل أو عاهة مستديمة، والعمليات العسكرية ضد القوات الأجنبية، والجرائم المخلة بواجبات الوظيفة، والجرائم الواقعة على السلطة العامة، والجرائم المخلة بسير العدالة، وبالثقة العامة، والجرائم الاجتماعية، والجرائم التي تمس الدين والأسرة وجرائم السكر والتسول والجرائم المخلة بالأخلاق والآداب العامة.
كما تشمل الجرائم المتعلقة بهتك العرض والدعارة، والتحريض على الفسق والفجور والفعل الفاضح المخل بالحياء، والقتل العمد شرط تنازل المشتكي والتعويض، والقتل غير العمد، والإيذاء العمدي وغير العمدي، والإجهاض، وإخفاء جثة قتيل، والحريق، والغرق، والاعتداء على سلامة النقل ووسائل المواصلات العامة، والجرائم الماسة بسير العمل، والمضرة بالصحة العامة، والماسة بحرية الإنسان، وخطف الأشخاص شرط عدم القتل أو الإيذاء، وجريمة انتهاك حرمة المساكن وملك الغير.
وتشمل أيضاً جرائم التهديد والقذف والسب والتحقير، وإفشاء السر، وجرائم المسكرات، والسرقة والرشوة، واغتصاب السندات والأموال، والاحتيال، وإخفاء أشياء متحصلة من جريمة، والتدخل في حرية المزايدات والمناقصات والمراباة والغش في المعاملات التجارية والإفلاس والتعدي على حقوق الملكية الفكرية، والتخريب والإتلاف، وقتل الحيوانات والإضرار بها، وإساءة الائتمان، وتحرير صك بدون رصيد.
كما تضم الجرائم المتعلقة بالغش المرتكب اضرارا بالدائن، والغش في نوع البضاعة، وجرائم الاتصالات والخدمات البريدية، والجرائم المتعلقة بنظام المياه، والمخالفات المتعلقة بالطرق العامة والأماكن العامة، والمخالفات المتعلقة بالراحة العمومية والصحة العامة، وبالأملاك والأموال، والآداب العامة، والمخالفات الملحقة بالشؤون التنظيمية، ومخالفات أحكام المرور والجرائم الاقتصادية، وجرائم النقل، وجرائم المطبوعات والإعلام.
وتشمل أيضاً الجرائم السياسية والعسكرية، والتملص من الواجبات العسكرية، والجرائم المخلة بالشرف والجرائم المخلة بالانضباط العسكري، وتزوير السجلات العقارية وسندات الملكية والشهادات الدراسية باستثناء من تعين بها لأغراض التعيين بمنصب مدير عام فما فوق، وجرائم الاختلاس وسرقة أموال الدولة بشرط تسوية الأموال إلى الدولة، وتعاطي المخدرات وحيازتها على أن لا تزيد على 50 غم فأقل، والمشاجرة، والاعتداء والتهديد.
التعديل يثير الجدل
وأثار التعديل القانوني الجدل في الأوساط السياسية والشعبية والأكاديمية العراقية، التي حذرت من أنه سيشمل السراق والفاسدين، ومرتكبي الجرائم الجنائية والمخلة بالشرف والقانون الوظيفي.
وأكدت عضو مجلس النواب زهرة البجاري أن قانون العفو العام ينسف شعارات الدولة في محاربة الفساد وملاحقة المجرمين والمتجاوزين على القانون، فيما أشارت إلى تأجيل التصويت عليه بسبب عدم حسم الخلافات والجدل الذي أثاره التعديل.
وقالت البجاري في تصريح لشبكة "الساعة": إن "قانون العفو العام بصيغته الحالية قد يفتح الباب أمام انتشار الجرائم، حيث يشمل قضايا تتعلق بتجار المخدرات الذين يتعاملون بكميات تصل إلى 50 غرامًا، وسراق الأموال العامة، وقضايا القتل مما يعطي فرصة أكبر لعودة الجرائم بدلاً من تحقيق العدالة".
وأضافت أن "القانون يسمح بإطلاق سراح المتهمين بقضايا الفساد والسرقة الكبرى كالمتهم بسرقة القرن نور زهير وغيره، بمجرد دفع المبالغ المطلوبة مما يثير تساؤلات حول جدوى هذه القوانين في محاربة الفساد وتحقيق الإصلاح".
استغلال قانون العفو
وبحسب فقرات القانون الجديد فإن قانون العفو لم يشمل فقط المعتقلين الذين قدم التعديل من أجلهم، وتعطل طيلة السنوات السابقة بسبب قناعة بعض الأطراف الشيعية بأن القانون سيفرج عن ما يصفوه الإرهابيين، فيما كانت القوى السنية دائما ما تطالب بإقراره لإنصاف المظلومين بسبب الاستخدام السيئ لقوانين مكافحة الإرهاب في المناطق السنية.
ويؤكد الباحث في الشأن السياسي العراقي عادل كمال أن القوى الشيعية أضافت عشرات الفقرات ضمن تعديل القانون لكسب تأييد بعض الأطراف في قواعدها وسط وجنوب البلاد من جهة، وكذلك لضمان الإفراج عن الأشخاص القريبين منها والذين تلقوا أحكاما بسبب ملفات الفساد وسرقة المال وغيرها.
وقال كمال في تصريح لشبكة "الساعة": إن "قانون العفو كان مطلبا عربيا سنيا في الفترة الماضية وركز على المعتقلين والمحكومين بناء على وشايات كاذبة وبلاغات المخبر السري وتلقوا أحكاما غير منصفة بسبب تهديدهم وتعذيبهم خلال مرحلة التحقيق"، مبديا استغرابه الشديد من "إضافة المتهمين بقضايا الاختلاس والسرقة والفساد والجرائم الجنائية وغيرها ضمن المشمولين بالعفو".
وأضاف أن "الجهات السياسية الشيعية تحاول فرض واقعين عبر قانون العفو، الأول وهو السعي لإفراغ القانون من محتواه عبر الإفراج عن متهمين بجرائم جنائية ومخلة بالشرف ويفترض أن يبقوا في السجون والواقع الثاني وهو محاولة استغلال القانون في الإفراج عن فئات عديدة لا ينبغي أن يشملهم القانون، على اعتبار أن العفو لا يشمل الإفراج عن مرتكبي الجرائم الإرهابية وإنما إعادة محاكمتهم فقط".
وبينما أكد كمال على "أهمية تمرير القانون بما يخص موضوع المعتقلين ظلما بملفات الإرهاب، حذر من أن تمرير القانون بالصيغة الحالية وشمول المجرمين بملفات النزاهة والشرف والوظيفة من شأنه تفاقم الجرائم في المجتمع والدولة العراقية".
تحذيرات من الصيغة الحالية
وحذرت في وقت سابق النائب سروة عبد الواحد من شمول السارق والمختلس ومروجي المخدرات في قانون العفو.
وقالت عبد الواحد في تدوينة عبر منصة "X" إن" هناك قوانين مهمة تمس الأسر العراقية، لكننا نلمس عدم الإحساس بالمسؤولية تجاه كل هذه القوانين"، مشيرةً إلى أن "قانون الأحوال الشخصية رغم الاعتراض الكبير الذي لاقاه من المجتمع، لكنهم يصرون على تمريره مثلما يريدون، ويكاد يكون أول قانون يمضي بأثر رجعي".
وأضافت أن "قانون العفو رغم أهميته لإنصاف المظلومين وإنصاف ضحايا الإخبار الكاذب، لكنه في الوقت نفسه كارثة، إذ يسمح بتعاطي المخدرات لنسبة 50 غراماً ويسمح بالعفو عن السارق والمختلس!".
من أضاف الفقرات الجديدة للقانون؟
وعن الجهات التي أضافت الفقرات الجديدة في تعديل قانون العفو، نفى النائب رعد الدهلكي أن تكون القوى السنية هي من أضافت تلك الفقرات.
وقال الدهلكي في تصريح صحفي تابعته "الساعة": إن "قوى المكون السني وضعت فقرتين في قانون العفو العام"، مؤكدا أن "باقي الفقرات وضعتها الكتل الأخرى".
وأشار إلى أن "قانون العفو وضع في برنامج الحكومي ووضع القوانين الأخرى تباعا مع قانون العفو لتمرر في سلة واحدة".
وبين أن "الكتل السياسية تتحمل مسؤولية جمع قانوني الأحوال الشخصية والعقارات مع قانون العفو العام".
دولة القانون ترفض شمول قضايا الإرهاب
ورغم هذا الجدل وإضافة فقرات لا علاقة لها بتحقيق العدالة، ما تزال بعض الجهات ترفض تمرير الفقرة الخاصة بقضايا الإرهاب والتي ظلم عبرها الآلاف من المعتقلين العرب السنة، إذ يؤكد ائتلاف دولة القانون أنها لن تصوت على تعديل قانون العفو العام بصيغته الحالية.
وقال عضو الكتلة فراس المسلماوي في تصريح صحفي إن "كتلة ائتلاف دولة القانون ومعها العديد من الكتل السياسية سجلت العديد من الملاحظات على قانون العفو العام وسوف لن يتم التصويت عليه بصيغته الحالية فيما تم عرضه للتصويت".
وأضاف أن "صيغة التعديل الحالية ستسمح للإرهابيين وسراق المال العام الشمول بالقانون وهذا لم ولن نقبل به إطلاقاً "، مرجحاً: "ترحيل القوانين الثلاث الخاصة بالأحوال الشخصية والعفو وإعادة الأراضي وعقارات كركوك إلى الفصل التشريعي المقبل بسبب انتهاء مدة تمديد الفصل التشريعي الحالي".
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام