يترقب العراقيون مجريات الأحداث في سوريا التي شهدت خلال الأسبوع الأخير تطورات عسكرية وأمنية تمثلت بتحرك قوات المعارضة السورية وسيطرتها على مناطق من البلاد.

وتتواصل لليوم الثامن على التوالي العمليات العسكرية التي أطلقتها المعارضة السورية، لاستعادة المناطق الخاضعة لسيطرة النظام السوري وأبرزها حلب شمالي البلاد.

وفرضت قوات المعارضة سيطرتها على باقي مناطق إدلب التي كانت خاضعة لسيطرة جيش النظام السوري، قبل أن تعلن السيطرة على مدينة حلب ومعظم المناطق المحيطة بها.

وواصلت تقدمها نحو محافظة حماة، حيث دخلت المدينة وأعلنت السيطرة عليها بالكامل بعد انسحاب جيش النظام السوري، كما ضمت العديد من القرى المجاورة إلى نطاق سيطرتها.

وقابل تقدم المعارضة وعودا من رئيس النظام السوري بشار الأسد باستعادة السيطرة على جميع المدن السورية واصفا قوات بالمعارضين الذين لا يعرفون إلا لغة القوة.

في حين أعلن الجيش السوري أنه تراجع وأعاد الانتشار وسيبدأ قريبا بشن هجمات ضد المعارضة، وتعهد بالسيطرة مجددا على المناطق الخارجة عن سيطرته مؤخرا.

ومع تحرك قوات المعارضة عسكرياً، بدأت جهات سياسية ومسلحة قريبة من إيران تثير المخاوف في الداخل من إمكانية انتقال قوات المعارضة السورية إلى العراق وإعادة تجربة حزيران 2014 وسيطرة "داعش" على المدن العراقية.

لكن المعارضة السورية وجهت رسالة إلى الحكومة العراقية لإزالة المخاوف بشأن تصعيد الأوضاع في سوريا.

وجاء في الرسالة: إن "الثورة السورية تسعى إلى تحرير الشعب السوري من ظلم نظام الأسد ولا تشكل أي تهديد للأمن أو الاستقرار في العراق أو في أي دولة من دول المنطقة".

وأضافت أن "حكومة الإنقاذ في سوريا (المعارضة) تطمئن الحكومة العراقية والشعب العراقي الشقيق بأن سوريا لن تكون مصدرا للقلق أو التوتر في المنطقة على العكس من ذلك، فإننا ملتزمون بتطوير وتعزيز علاقات التعاون الأخوي مع العراق لضمان استقرار المنطقة وتحقيق المصالح المشتركة".

في المقابل تصف الحكومة العراقية ما يجري من تحركات في الساحة السورية بأنه تحرك للجماعات الإرهابية، فيما أعلن رئيس الحكومة محمد شياع السوداني دعم العراق لسوريا في مواجهة "الإرهاب".

ميدانياً، أكد قائد قوات الحدود الفريق محمد عبد الوهاب سكر السعيدي أن التحصينات على الحدود مع الجانب السوري محكمة ولا يمكن اختراقها.

وقال السعيدي: إن "المنظومة التحصينية تشمل الجدار الكونكريتي، المانع المنفاخي، والسياج الحديدي، إلى جانب منظومة مراقبة إلكترونية تعمل على مدار الساعة لرصد أي تحركات أو محاولات عبور غير قانونية".

 وأشار إلى أن "خطوط الصد الخلفية المتمثلة بالقطعات الخلفية وراء قوات الحدود تضم قطعات من الجيش العراقي والشرطة الاتحادية والحشد الشعبي".

كما طمأنت وزارة الداخلية العراقيين عموما على خلفية التطورات في سوريا، وشددت على أن الحدود العراقية على طول 3813 كيلو متراً مؤمنة بالكامل.

وقال المتحدث باسم الوزارة العميد مقداد ميري في مؤتمر صحفي إن "ما يدور من أحداث في المنطقة الإقليمية أصبح حديث الشارع العراقي، وإن الغاية من هذا المؤتمر هو طمأنة الرأي العام بعد إطلاق اشاعات بأن الأمن متعرض للخطر وأن الحدود غير مؤمنة".

ولفت إلى "تأمين 3813 كيلو متر من الحدود العراقية"، مؤكداً أن "الحدود مع سوريا مؤمنة بشكل أكبر من بقية حدود دول الجوار"، كما أوضح أن "اختراق الحدود غير ممكن إطلاقاً بحكم التحصينات والقطعات العسكرية الموجودة على الحدود العراقية السورية".

ووصلت تعزيزات عسكرية إلى الحدود العراقية – السورية من جهة محافظة نينوى تحسبا لأي طارئ ومحاولات لاختراق الحدود من الفصائل المسلحة أو تنظيم داعش.

وأفاد مصدر عسكري عراقي بأن لواءين أحدهما في الجيش العراقي والآخر في الشرطة الاتحادية وصلا إلى قاطع غرب نينوى في سنجار ومحيطها لتأمين الحدود مع الجانب السوري.

ولفت المصدر في حديث لشبكة "الساعة" إلى أن "تعزيزات أخرى وصلت إلى قاطع عمليات الحشد الشعبي من ألوية الحشد"، كما أوضح أن "لواءين آخرين من الجيش والشرطة الاتحادية وضعوا حاليا في حالة الإنذار من أجل الالتحاق بالحدود العراقية في حال وجود أي تطورات سلبية هناك".

وأكد النائب عن محافظة نينوى نايف الشمري أن سيناريو 2014 لن يعود ولن تطأ أرض العراق أي جهة دخيلة، مشدداً على عدم وجود مخاطر حقيقية على نينوى والعراق بسبب الأحداث في سوريا.

وقال الشمري في بيان ورد لشبكة "الساعة": إن "أحداث 2014 سببها الحدود المفتوحة والمخبر السري ووجود قادة مفسدين كان همهم الوحيد جمع الأموال وفرض الإتاوات، وهذا الشيء اليوم غير موجود بشكل كامل".

وأضاف الشمري: أن "أهالي نينوى موحدو الصفوف مع القوات الأمنية بكافة صنوفها وتشكيلاتها وسيقاتلون جنباً لجنب للرمق الأخير إذا ما أصاب العراق شيء لا سامح الله".

وتابع أن "كل المعطيات تُشير لجهوزية أهالي نينوى بعشائرهم  وشيوخهم وشبابهم ، لمقاتلة كل من تسول له نفسه المساس بأي شبر من أرض العراق، وليس نينوى فحسب بعدما عانوا من ظـلم وجور الإرهاب الداعشي".

وبالجهة المقابلة، تحاول الفصائل المسلحة القريبة من إيران والمنصات القريبة منها إثارة المخاوف من تقدم قوات المعارضة السورية على حساب النظام، والتأكيد على أن ذلك سيؤثر بشكل مباشر على الأمن العراقي وسيعيد تجربة 2014 المريرة.

وتحاول هذه الجهات الترويج لتلك الأفكار من أجل خلق رأي عام مؤيد لها ولا سيما بعد الحديث عن نية بعض الفصائل الانتقال إلى سوريا للقتال إلى جانب قوات النظام السوري ضد المعارضة.

وبشأن الموقف الرسمي من هذه التحركات نفت وزارة الداخلية العراقية وجود تحرك للفصائل المسلحة على الحدود السورية، ووصفت هذه الأنباء بأنها "كلام فيسبوك".

وقال المتحدث باسم الوزارة مقداد ميري: إن "المعلومات التي تتحدث عن تحرك الفصائل العراقية إلى الحدود من أجل الذهاب إلى سوريا للقتال هناك"، مبينا أن "هذه المعلومات كلام إنشائي يتم تداوله على فيسبوك"، مشيراً إلى أنه "لا توجد أي حركة مسجلة على الحدود".

ونقلت وكالة رويترز في وقت سابق الاثنين عن مصدرين عسكريين سوريين، أن فصائل موالية لإيران تدخل سوريا من العراق لمساعدة القوات السورية في القتال.

كما نقلت وسائل إعلام إسرائيلية عن مصدر سياسي قوله إن إيران بدأت بإرسال قوات إلى سوريا في محاولة لمساعدة الرئيس السوري بشار الأسد لمواجهة التنظيمات المسلحة، التي شنت هجوما مباغتا على ريفي حلب وإدلب وحماة.

غير أن الخبير الاستراتيجي وأستاذ العلوم السياسية في جامعة الموصل فراس إلياس يرى أن الأحداث في الساحة السورية لا تشكل خطرا مباشرا على الوضع في الداخل العراقي على اعتبار أن المعارضة السورية هدفها هو السيطرة على المدن السورية بعيدا عن التدخل في شؤون العراق.

وقال إلياس في تصريح لشبكة "الساعة": إن "الأخبار التي تتحدث عن خطر يواجهه العراق مما يجري في سوريا أخبار مقصودة بهدف خلق رأي عام موجه لغاية وهدف محدد، لكن الثابت أن أغلب ما يثار حول هذا الموضوع لا يستند لأساس منطقي واضح، بل مخاوف تغذيها أجندات معروفة".

وأضاف أن "علينا التفريق بين ما يجري في حلب وباقي الساحة السورية، وما يجري على الحدود العراقية السورية، ورغم إنه لا علاقة بينهما، لكن الضرورة تستدعي القول، بأن الخطر الأكبر يكمن في التهديدات الموجودة على الحدود، وأن التحركات التي تقوم بها المعارضة السورية ليست بوارد الامتداد للداخل العراقي، لأن مشكلتها مع النظام السوري وليس مع الدولة العراقية، ولا يوجد أساس منطقي لنقل معركتها إلى داخل العراق".

وأشار إلياس إلى أن "مشكلة العراق الرئيسية تكمن فيما لو استغل تنظيم داعش هذه التطورات، وأراد أن يخلق فجوات أمنية داخل العراق، انطلاقا من نقاط انتشاره في مناطق الجزيرة والبادية على الحدود، لكنه استبعد أن يتمكن التنظيم من القيام بذلك في الداخل العراقي".

ولفت إلى أن "التدابير الأمنية التي اتخذتها الحكومة العراقية كانت كبيرة وواسعة، وهي منذ أشهر وليست وليدة اللحظة، وتشمل تعزيزات عسكرية وأبراج مراقبة ومفارز حدودية وأسلاك شائكة مكهربة وسيطرة شبه كاملة على الأنفاق والممرات السرية، والأهم حواجز كونكريتية"، منوها إلى أن "هذا كله لا يمنع من حدوث اختراقات عرضية، لكن تبقى في إطار المسيطر عليها، رغم أنها مستبعدة حالياً".

وعن المستفيد فيما يجري في سوريا أوضح الخبير الاستراتيجي أن المستفيد الأكبر مما يجري هي تركيا، فبعد السيطرة على حلب، ستتجه هي لتنفيذ عملية عسكرية على الأغلب في مناطق منبج وتل رفعت في شمال سوريا، ما قد يشجعها ذلك على المضي قدما في عملياتها العسكرية في شمال العراق، وربط الحدود العراقية بالحدود السورية، وبناء حزام أمني يمتد من العراق إلى البحر الأبيض المتوسط وبعمق 30 كيلو متر، كما صرح بذلك الرئيس التركي رجب طيب أردوغان.

وتابع أن "إيران هي الخاسر الأكبر من كل ما يجري، ويمكن وصف عام 2024 بعام (نكبة إيران)، إذ تم استنزافها وفي أكثر من جبهة"، مؤكدا أن "إيران ستعمل في العراق على تحصين نفوذها لأنه المجال الجغرافي الأقرب لأمنها القومي، وستحاول تعديل سلوكها بالشكل الذي يضمن عدم مواجهة هذه التحديات داخل طهران في الفترة المقبلة".

وعن الموقف الروسي، قال الخبير الاستراتيجي فراس إلياس إن "روسيا تحاول الاستثمار بما يحدث، وستعمل على بناء شروط تفاوضية جديدة في سوريا، ومع العراق هناك توجه روسي بدأ من الأسبوع الماضي، بتعزيز الدور الروسي في العراق، من خلال دور روسيا في منع شن هجوم إسرائيلي داخل العراق، عبر الموقف الذي أبداه الكرملين الروسي".

أما الموقف الأمريكي، فإن إلياس أضاف: أن "أمريكا تمر اليوم بمرحلة انتقالية، ما بين خروج بايدن وقدوم ترامب، ويبدو أن قوات المعارضة السورية اختارت الوقت المناسب للتحرك، وإنتاج وضع سياسي جديد تجبر من خلاله إدارة ترامب على التعامل معه في المرحلة المقبلة".

وزاد قائلا: إنه "كعراقيين يجب أن ندرك تماماً بأن المشكلة السورية هي مشكلة السوريين وحدهم، والواقع والمنطق يفرض علينا تأمين الحدود وعدم التدخل، وأن لا نكون جزءا من المشكلة، والأهم أن لا نكون جزءا من مشاريع إقليمية ودولية"، فضلا عن أنه "في السياسة تكون المصلحة هي المتحكم الرئيسي في العلاقات بين الدول، ولذلك علينا أن نفكر بمصالحنا قبل مصالح الأخرين، لأن التوقع الوحيد للذي يجري في سوريا هو اللا توقع".