مع دخول العراق فصلي الشتاء والصيف من كل عام، تجدد أزمة الكهرباء متمثلة بزيادة ساعات القطع المبرمج للكهرباء الوطنية، وغالبا ما يرتبط تفاقم هذه الأزمة مع تراجع إمدادات الغاز من إيران والذي يعتمد عليه العراق في توليد جزء كبير من الطاقة الكهربائية.
الأزمة الأخيرة للكهرباء في العراق ظهرت بوضوح عندما قلصت إيران كميات إضافية من الغاز إلى العراق خلال الأسبوع الماضي، ليتسبب بفقدان البلاد 5500 ميغاواط بحسب ما أعلنت وزارة الكهرباء العراقية.
لكن المشكلة بدأت قبل ذلك، وتحديدا في تشرين الأول الماضي، عندما خفضت إيران الغاز الذي تورده للعراق إلى النصف، أي من 50 مليون متر مكعب يوميا إلى 25 مليون متر مكعب يوميا، لكن الأزمة لم تبد جلية بسبب اعتدال الموسم الخريفي في العراق وتراجع الأحمال على الطاقة الكهربائية إلى أقل المستويات.
وفي الساعات الماضية، خرجت 3 محطات كهرباء عن الخدمة بسبب انحسار إمدادات الغاز الإيراني.
وقال مصدر في وزارة الكهرباء لشبكة "الساعة": إن "محطات بسماية والصدر والمنصورية خرجت عن الخدمة نتيجة انحسار إمدادات الغاز المورد من إيران إلى مستويات كبيرة خلال الأيام الماضية".
وأضاف أن "عدداً من مناطق العاصمة بغداد والمحافظات تراجعت فيها ساعات تجهيز الكهرباء"، لافتا إلى أن خطوط الطاقة ميرساد وسيربل زهاب تشهد انقطاعات خلال الساعات الماضية وتأثرت بسببها مناطق واسعة من محافظة ديالى التي تعتمد على الخطين.
ويؤكد مواطنون لشبكة "الساعة" أن ساعات القطع اليومية للكهرباء الوطنية تتراوح ما بين 12 – 16 ساعة يوميا، في ظل التراجع الكبير بدرجات الحرارة ووصولها لدرجة الصفر".
وأعلنت وزارة الكهرباء الأسبوع الماضي توقف إمدادات الغاز الإيراني بالكامل لأغراض الصيانة لمدة 15 يوما، مما تسبب في فقدان 5.5 ميغاوات من الطاقة الكهربائية من شبكتها الوطنية، بينما تقدر حاجته الفعلية من الكهرباء بنحو 40 ألف ميغاواط.
وأضافت الوزارة: أن "الإمدادات انقطعت عن بغداد والمنطقة الوسطى ومحافظات الفرات الأوسط"، مؤكدة أنها "سترفع تنسيقها مع وزارة النفط لتعويض ما خسرته المنظومة من الغاز، في حين يرى خبراء الطاقة أن العراق عاجز عن اتخاذ أي إجراءات لمعالجة الأزمة بالوقت الحالي لسد النقص من الطاقة".
ويعتمد العراق في توليد الطاقة على 3 أنواع من الوقود، الغاز الوطني والغاز المستورد والوقود الوطني.
وتقول وزارة الكهرباء أنها تعمل مع وزارة النفط على تأمين الوقود لسد النقص في الغاز الإيراني، غير أن المشكلة تكمن في أن ثلث محطات التوليد في العراق لا تعمل إلا على الغاز المستورد من إيران، وهو ما أكده الخبير النفطي ورئيس مركز العراق للطاقة فرات الموسوي.
وقال الموسوي في تصريح لشبكة "الساعة": إن "توقف إمدادات الغاز الإيراني الأخير ليس بالحالة الجديدة، حيث سبق ذلك تراجع في الغاز المورد في تشرين الأول الماضي من 50 مليون متر مكعب يوميا إلى 25 مليون متر مكعب ثم إلى 15 مليون متر مكعب، وذلك لأغراض الصيانة بحسب ما ذكر الجانب الإيراني"، لافتا إلى "ذلك التراجع تسبب بخسارة العراق نحو 7 آلاف ميغاواط من الكهرباء، موضحا أن التقليص الأخير تسبب بتراجع كميات الغاز الإيراني إلى 7 مليون متر مكعب من أصل 50 مليون متر مكعب قياسي يوميا.
وأضاف الموسوي: أن "السبب وراء تراجع إمدادات الغاز الإيراني يرجع إلى أن إيران تعاني أصلا من مشاكل وانحسار في الطاقة الكهربائية وتعاني من انقطاع في التيار الكهربائي ما دفعها إلى سد النقص من الوقود بالاعتماد على الغاز المورد إلى العراق"، مبينا أن "المشكلة الإيرانية ظهرت مع موسم الشتاء والحاجة إلى الكهرباء وبسبب العقوبات المفروضة على ملف الطاقة".
واستبعد الموسوي إمكانية معالجة النقص في الغاز الإيراني حاليا، لأن بعض محطات التوليد العراقية لا تعمل إلا على الوقود الإيراني، ما يجعل تعويض النقص عبر الوقود العراقي أمرا مستبعدا.
وقال مدير مركز العراق للطاقة فرات الموسوي إن "أهم المشاكل التي تواجه منظومة الطاقة الكهربائية في البلاد سببها انحسار الغاز المورد من إيران، لا سيما في أوقات ذروة الأحمال صيفا وشتاء".
وتوقع الموسوي استمرار مشكلة الكهرباء بسبب عدم امتلاك العراق أماكن لتخزين الغاز المستورد واستخدامه وقت الحاجة، لافتا إلى أن "العراق لم يتحرك لغاية الآن لإنشاء هذه الخزانات بسبب ارتفاع تكاليفها".
من جانبه يرى الخبير النفطي والاقتصادي نبيل المرسومي أن هناك إرادات متنفذة في العراق تعمل على إبقاء قطاع الكهرباء رهينة الغاز الإيراني.
وقال المرسومي في تصريح لشبكة "الساعة": إن"الطلب الكلي الحالي على الكهرباء يبلغ 36 ألف ميغاواط، بينما يبلغ حجم الطاقة المنتجة 26 ألف ميغاواط".
وأوضح أن "هناك فجوة كبيرة بين الإنتاج والطلب وأنها ستستمر وتتسع في السنوات المقبلة"، مرجحا أن "تصل حاجة الاستهلاك في العراق إلى 70 ألف ميغاواط بحلول العام 2050".
كما توقع المرسومي أن "يبقى العراق يعتمد على الغاز الإيراني خلال السنوات المقبلة، بسبب عدم وجود إرادة حقيقية لوقف الاعتماد على إيران في هذا المجال، إلى جانب البطء في استغلال الغاز المحلي، حيث لا يزال العراق ثالث أكبر دولة في حرق الغاز".
وقال إن "جهات متنفذة تستهدف تعطيل إنتاج الغاز العراقي، وهو ما حصل خلال الهجمات الصاروخية التي طاولت حقل خورمر في كردستان، وهذه الجهات تسعى لتعطيل اعتماد العراق على الغاز المحلي".
أما الخبير الاقتصادي عبد الرحمن المشهداني فاستبعد أن يكون السبب وراء توقف الغاز الإيراني لأغراض الصيانة.
وأشار المشهداني في تصريح لشبكة "الساعة" إلى أن "إيران تلجأ بين الحين والآخر لوقف الغاز عن العراق بسبب حاجتها إليه أولا، ولأنها تحاول استخدام هذا الأسلوب كورقة ضغط على العراق من أجل الحصول على المستحقات المالية".
وأكد أن "حل مشكلة الكهرباء في العراق بات أمرا مستبعدا بسبب الفساد المستشري في مؤسسات الدولة من جهة، وغياب الحلول والمعالجات الحقيقية والسريعة لمعالجة الأزمة".
وقال المشهداني: إن "الفساد في مؤسسات الدولة وفي العقود السابقة التي أبرمت بشأن الكهرباء وعدم الجدية في البحث عن بدائل للغاز الإيراني وعدم توجه الحكومة الجدي نحو الطاقة الشمسية وتأخر الربط الكهربائي مع دول الخليج وتركيا والسعودية كلها أسباب تعيق النوايا الخاصة بمعالجة أزمة الكهرباء المستعصية في العراق".
وأضاف أن "العراق يعاني حاليا من عجز بـ 10 الآف ميغاواط، ولذلك فإن العراق لن يستطيع الاستغناء عن الغاز الإيراني بالوقت القريب وسيحتاج على الأقل إلى 3 – 5 سنوات من أجل الوصول إلى الحد الأدنى من الحاجة الحالية للكهرباء دون الأخذ بالاعتبار الزيادة الحاصلة على الطاقة خلال السنوات الخمس المقبلة".
وعن دعم التوجه نحو الطاقة البديلة "الشمسية" قال المشهداني: إن "هذا التوجه أمر ضروري، ولكن العراق لم يخطي خطوات جدية وسريعة بهذا الصدد، ولغاية الآن يوجد عقد مع توتال الفرنسية لإنشاء محطات على الطاقة الشمسية بحجم ألف ميغاواط بينما الحاجة أكبر بكثير".
ولفت إلى أن "الدولة لا تدعم هذا التوجه أيضا ويظهر ذلك من خلال عدم دعم أصحاب المنازل بالقروض لشراء منظومات الطاقة الشمسية على اعتبار أن القروض التي تمنحها المصارف العراقية هي قروض صعبة وكذلك الدولة لا تدعم المنازل لشراء منظومات الطاقة الشمسية والقروض ومجحفة ولا يمكن الحصول عليها من قبل أغلب المواطنين.
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام