ما أن تعصف الأزمات بالعملية السياسية في العراق أو يبدأ الاستعداد المبكر للانتخابات، إلا وترتفع الأصوات المحذرة من عودة حزب العبث المحظور والمنحل بعد احتلال العراق في العام 2003.
تحذيرات السياسيين وقادة الكتل والأحزاب يراها بعض المراقبين دعاية انتخابية وإشغالاً للشارع العراقي، فيما يرى آخرون وجود تحركات للحزب المحظور تستدعي المراقبة والمتابعة.
والتحذيرات الأخيرة من عودة حزب البعث جاءت مجدداً من زعيم دولة القانون، نوري المالكي، بعد أن شدد بكلمة متلفزة على ضرورة الالتفات بحذر وبقوة لنشاط خلايا البعث التي تمثل أدوات لأعداء العراق الذين يتحركون ويخربون، على حد وصفه.
قلق يساور المالكي
ذكر الكاتب والباحث مجاشع التميمي، خلال حديثه لشبكة "الساعة"، أن "المقصود بحزب البعث في كلام المالكي هو كل المعارضين للنظام السياسي في العراق، لأن منطقياً عمر الرفيق البعثي قد انتهى ولذلك فإن المالكي يقصد بالبعثيين هم الأشخاص المعارضين للنظام العراقي الذي ولد بعد العام 2003".
وأضاف أن "المعارضين للنظام السياسي بدأوا يزدادون خصوصاً مع تراجع شرعية النظام منذ سنوات، وأكبر دليل على ذلك هو تراجع نسبة الإقبال على صناديق الاقتراع في الانتخابات المحلية والبرلمانية".
وتابع أن "التحذيرات من وجهة نظري منطقية لأن مرجعية المالكي الإسلام السياسي الشيعي وبالتحديد حزب الدعوة الإسلامية الذين تعرضوا إلى أبشع أنواع التنكيل والقتل والإقصاء خلال فترة البعث ولذلك هناك قلق يساور المالكي من عودة البعثيين خاصة وأن هناك عدم رضا شعبي عما يقدم من خدمات وفساد إداري وتخبط واضح في إدارة الدولة".
وبين أن "المالكي وبعض قيادات الشيعة يحاولون التذكير بجرائم البعث ومقارنتها بما يحصل اليوم من حرية التعبير والحصول على امتيازات لم تكن تحلم بها القوى الشيعية في عهد البعث".
وأشار إلى أن "المعارضة للنظام السياسي العراقي تجاوزت اليوم البعثيين وهناك معارضة بدأت تتشكل في عدد من الدول الخارجية فضلاً عن المتغيرات الإقليمية التي بدأت تعزز دور معارضة النظام العراقي والمتعلقة بعودة ترامب إلى البيت الأبيض والصراع في غزة وجنوب لبنان فضلا عن عوامل داخلية تتعلق بعدم الرضا الشعبي تجاه ما يحصل وخصوصا بعد بيان المرجعية الدينية العليا الذي كان صريحاً ومباشراً بعدم الرضا تجاه ما يحصل في العراق".
ويعتقد التميمي، أن "أسباب هذه التصريحات المتكررة من المالكي لا تخلو من محاولة تحفيز الجمهور للمشاركة في الانتخابات التي بدأت تقترب حيث تشير المعلومات إلى أن المالكي ما يزال يصر على إجراء الانتخابات في وقت أبكر وهناك معلومات تشير إلى احتمالية أن تجرى منتصف العام المقبل، لأن المالكيّ يعلم جيدا أن نسبة المشاركة ستكون ضعيفة وأن استمرار الإحباط من الجمهور الشيعي ربما سيهدد بقاء الإسلام السياسي الشيعي".
واختتم الكاتب والباحث قوله، إن "هذه التصريحات هي جزء من الحملات الانتخابية لحزب الدعوة الإسلامية باعتباره هو المتصدي الأول من وجهة نظرهم لعودة البعث".
أسطوانة تستهدف المعارضين
الصحفي والمراقب السياسي، عمر الجنابي، قال لشبكة "الساعة"، إن النظام الدولي وعلى رأسه الولايات المتحدة الأمريكية هو من غير النظام في العراق ولا يرغب بعودة حزب البعث قبل أن يرفضه المالكي أو غيره".
وأضاف أن "أسطوانة البعث منذ العام 2003 تستهدف كل المعارضين للنظام الفاسد في العراق"، مؤكداً أن "حملات الاعتقالات أو الاعتقال بالمخبر السري كانت بهدف اجتثاث البعث وهي أسطوانة تستخدم كل ما شعر النظام الحاكم بالخطر".
وبين أن "النظام السياسي في العراق يشعر بالقلق من المجتمع الدولي بعد أن وضع نفسه بوجه المدفع بالارتماء بحضن إيران بشكل صارخ".
وأوضح أن "قضية حزب البعث سياسية تخدم مصلحة النظام السياسي وقد طبقت على البعض من موظفي الدولة والضباط واستخدمت ضد أقطاب الطبقة السياسية وكان آخرها شمول خميس الخنجر بإجراءات العادلة والمساءلة، رغم وجوده بالعمل السياسي بالعراق منذ سنوات".
وأشار إلى أن "المالكي كلما حصلت مضايقة دولية على التحالف الحاكم بدأ بالتحشيد وتعبئة الشارع من خلال استخدام العشائر والمخبر السري وأسطوانة حزب البعث لتصفية المعارضين من الداخل".
ولفت إلى أن "حزب البعث ليس لديه أي أنشطة، ولو كان لديه أنشطة لقامت الدنيا ولم تقعد"، مؤكداً أن "التحالف الحاكم يبحث عن إشارة لإظهار أنهم يتعرضون لمؤامرة دولية وإزاحة من الحكم، ويعيشون بهذا القلق منذ 21 سنة".
وأكد الجنابي، عدم "وجود أي أنشطة لحزب البعث ولو كانت موجودة لرصدناه في الإعلام"، مبيناً أن "تحذيرات المالكي هدفها كبح جماح كل من يعارض النظام السياسي في العراق".
وزاد أن "تهمة حزب البعث أصبحت تطلق على كل من يعارض النظام، وكما حدث مع متظاهري محافظة ذي قار في جنوب البلاد".
وسيلة لتحفيز الناخبين
قال السياسي المستقل، عائد الهلالي، لشبكة "الساعة"، إن "عودة حزب البعث المحظور في العراق تبدو صعبة من الناحية القانونية والسياسية في الوقت الحالي، لكن هناك بعض العوامل التي قد تثير قلق السلطات السياسية في البلاد حول إمكانية وجود أنشطة للحزب، رغم الحظر".
وأضاف أنه "بموجب الدستور العراقي لعام 2005، يُعد حزب البعث محظورًا تمامًا، وهو محرم من ممارسة الأنشطة السياسية أو أي نشاط آخر يتصل بالسلطة، وهذا الحظر يشمل الأفراد الذين كانوا جزءًا من النظام السابق، وما يزال يتسم بالتطبيق القوي في الدوائر الحكومية".
وأشار إلى "صعوبة عودة الحزب إلى الحياة السياسية بشكل علني، ولكن قد توجد بعض المحاولات لعودة رموزه أو إعادة تجميع بعض عناصره، سواء داخل العراق أو من خلال دول مجاورة".
وبين أن "تحذيرات المالكي من عودة حزب البعث أو محاولة عودة فلول النظام السابق هي تحذيرات منطقية في سياق التوترات السياسية والتحديات الأمنية التي يشهدها العراق"، لافتاً إلى أن "المالكي كان أحد أبرز الشخصيات السياسية التي شهدت صراعًا طويلًا ضد حزب البعث، وخصوصًا بعد سقوط النظام عام 2003".
وذكر أن "هناك تقارير استخباراتية وأمنية بين الحين والآخر تشير إلى وجود خلايا نائمة أو جماعات صغيرة تدعي الولاء لحزب البعث (...) ومع ذلك، تبقى هذه الأنشطة في الغالب غير منظَّمة، ويصعب القول إنها تمثل عودة حقيقية للحزب ككيان سياسي فاعل".
وبشأن تكرار هذه التحذيرات في فترة الحملات الانتخابية المبكرة، قال الهلالي، إن "بعض القوى السياسية قد تستخدم موضوع عودة البعث كوسيلة لتحفيز الناخبين على الحذر من المخاطر الأمنية والسياسية، خاصة إذا كانت هذه القوى تستشعر تهديدًا انتخابيًا".
وتابع أن "بعض الأحزاب تستخدم هذا الموضوع لتعزيز موقفها أمام الجمهور، مشيرة إلى أنها تمثل جبهة ضد أي محاولات لعودة البعث أو الفلول التي قد تهدد استقرار البلاد".
واختتم السياسي المستقل قوله، إنه "من غير المرجح أن يعود حزب البعث بشكل رسمي في العراق في الوقت الحالي نظرًا للحظر الدستوري والأوضاع السياسية الراهنة".
مزاعم غير حقيقية
الخبير الأمني أعياد الطوفان، قال لشبكة "الساعة"، إن "العملية السياسية التي تأسست بإشراف الأمريكيين كلما تعرضت لشيء ذهبوا يبحثون عن شماعة لتبرير فشلهم".
وأضاف أن "عودة البعث غير حقيقية؛ لأن أغلب قيادات البعث إما كبيرة بالسن، أو بالمعتقل، أو وضعه الصحي لا يسمح له بالعمل"، مبيناً أن "التحذيرات أسباب تافهة لتأليب الناس والهروب من الفشل والمشاكل التي عصفت بهم".
وبين أن "التصريحات التي أطلقها المالكي غير منطقية ولا تمت للواقع بصلة"، مستغرباً "دعوة المالكي للمواطنين للتبليغ عن نشاطات حزب البعث"، متسائلاً عن "دور الأجهزة الأمنية والبالغة عددها نحو مليوني عنصر أمن".
وحذر الطوفان، من "عودة المخبر السري بحجة التبليغ عن نشاطات حزب البعث"، مستذكراً "الشرخ المجتمعي الذي أحدثه المخبر السري من خلال التهم الكيدية والتي إلى الآن نعاني من آثارها".
وأشار إلى أن "التحذيرات من عودة حزب البعث سواء من المالكي أو قادة الأحزاب لا تعدو عن كونها دعاية انتخابية"، مؤكداً أن "المواطنين لا تنطلي عليهم هذه الأمور لكونهم يعلمون استحالة عودة البعث".
جهات تروج للبعث
من جهته، قال عضو ائتلاف دولة القانون، سعد المطلبي، لشبكة "الساعة"، إن "التحذير من عودة البعث لا علاقة له بالسياسة، وإنما موضوع أمني بحت، وأن القوات الأمنية اعتقلت شبكات وخلايا تروج لحزب البعث في مناطق جنوب ووسط وغرب العراق".
وأضاف أن "أغلب عناصر هذه الشبكات والخلايا من فئة الشباب وبعيدين تاريخ النظام السابق"، مرجحاً "وجود جهة تروج لحزب البعث وتستخدم بعض المشاكل والسلبيات الموجودة بالنظام الحالي".
ولفت إلى "وجود خطر حقيقي من هذا الموضوع، وأن محاربة الأفكار موضوع خطر جداً كونها دائماً حاضرة وقد تستغل بعض الثغرات".
بدوره، استبعد الكاتب والباحث، الناصر دريد "عودة حزب البعث"، مؤكداً أن "الحزب كتنظيم لم تعد له أي قدرة للعودة بأي شكل من الأشكال؛ كونهم يعانون انقسامات وتفككات وانهيارات".
وأضاف خلال حديثه مع "الساعة"، أن "التحذيرات لا أصل لها"، مؤكداً أن "الحديث عن عودة البعث دعاية انتخابية ساذجة وتنم عن غباء سياسي كون لا يوجد من يصدق هذه التحذيرات؟".
وبموجب الدستور العراقي فإنه يمنع عودة حزب البعث تحت أي مسمى إلى السلطة أو الحياة السياسية وعدم السماح له بأن يكون ضمن التعددية السياسية والحزبية في البلاد.
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام