تعكس عودة دونالد ترامب إلى رئاسة الولايات المتحدة الأمريكية التناقض في المواقف العراقية تجاه الرئيس "القديم الجديد"، وذلك من خلال مسارعة أعلى السلطات في الدولة لتقديم التهاني بفوزه، على الرغم من إصدار القضاء العراقي أمر قبض بحق ترامب باعتباره متورطاً بجريمة قتل (سليماني والمهندس) اللذين تعدهما السلطات العراقية رموزاً وطنية وتطلق عليهما تسمية قادة النصر.

كما عززت عودة ترامب الخلافات داخل العراق بين المؤيدين والرافضين لعودته، فالفريق الأول برر التأييد نكاية بإيران ومحورها على اعتبار أن ترامب أكثر جدية في كبح جماح إيران من بايدن الضعيف أمام التوغل الإيراني في المنطقة، بينما يرى الرافضون أن تلك العودة ستزيد من تعقيد المشهد والتوتر فضلا عن التعامل بقوة من إيران وحلفائها الذين يمسكون زمام الأمور في العراق.

كيف ستكون المرحلة المقبلة؟

وخلال الـ 48 ساعة الماضية أثار فوز المرشح الجمهوري والرئيس السابق للولايات المتحدة دونالد ترامب في انتخابات الرئاسة الأمريكية، تساؤلات عن طبيعة المرحلة المقبلة التي سيشهدها العراق على المستويات السياسية والاقتصادية والأمنية.

ويعد ترامب قائد التحول في السياسية الأمريكية تجاه العراق التي شهدت منذ 2003 والغزو الأمريكي دعما مفتوحا للعملية السياسية، فهو أول من بدأ عمليات عسكرية ضد الجماعات المسلحة الحليفة لإيران نهاية عام 2019، بعدما كانت تقتصر العمليات الأميركية في العراق على الجماعات المسلحة كتنظيم القاعدة، و"داعش".

ووجهت واشنطن سلسلة من الغارات التي خلفت خسائر بشرية ومادية كبيرة في صفوف الفصائل المدعومة من إيران، كان أبرزها هجوم القائم نهاية سنة 2019، واغتيال قائد فيلق القدس قاسم سليماني، والقيادي في الحشد الشعبي أبو مهدي المهندس يناير 2020، ثم تنفيذ سلسلة عمليات جوية ضد قيادات بالفصائل ذاتها، تقول إنها مسؤولة عن مهاجمة قواعد أميركية في العراق وسوريا.

تناقض داخلي

واختلف الموقف الحكومي الرسمي في العراق عن موقف الفصائل المسلحة والكتل القريبة منها بين تقديم تهانٍ وإعلان عن استعداد لتعاون مشترك، وبين تنديد بتقديم مثل هذه التهاني من المسؤولين العراقيين، وتحذير من تبني مواقف أكثر تأييداً للاحتلال الإسرائيلي من إدارة الرئيس جو بايدن.

وقدّم كل من رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، ورئيس الجمهورية عبد اللطيف رشيد، ورئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان البارزاني، برقيات تهنئة رسمية مؤكدين في عبارات بدت متشابهة من جهة المضمون على أهمية التعاون وتعزيز العلاقات، دون إغفال أوضاع المنطقة ومطالبة واشنطن بلعب دور إيجابي فيها.

اللافت أن رئيس الوزراء العراقي الذي قدم التهاني لترامب وأكد حرصه على علاقات قوية مع واشنطن مستقبلا، هو نفسه كان قد هاجم الرئيس الأمريكي على خلفية ما وصفه ارتكابه جريمة "بشعة" تمثلت باغتيال سليماني والمهندس.

صمت شبه كلي

والتزمت أغلب الفصائل المسلحة والكتل السياسية القريبة منها الصمت بعد المتغير الجديد في البيت الأبيض، وهو ما فسره مراقبون بأن يأخذ احتمالين: الأول يعكس الموقف العدائي المسبق تجاه الإدارة الأمريكية، والثاني يعكس خشية تلك الجهات من رد الفعل الأمريكي القوي تجاه المقربين من إيران في العراق.

وتعليقاً على عودة ترامب إلى البيت الأبيض، عد عباس الزيدي القيادي بـكتائب سيد الشهداء، أبرز الفصائل المسلحة في العراق، أنه "لا فرق بين ترامب وبين سلفه فيما يتعلق بسياسة الولايات المتحدة من الاحتلال الإسرائيلي ودعمه".

وقال الزيدي في تصريحات صحفية أن "مسألة التصعيد الأميركي ضد العراق خلال الفترة القادمة، مرهونة برضا وتوجهات إسرائيل".

فيما أكد عضو جماعة أنصار الله الأوفياء علي الوندي أن "الفصائل لا تتوقع وضعاً أفضل في السنوات الأربع المقبلة". 

وقال الوندي إن "سياسة ترامب في ولايته السابقة، لن تتغير في الولاية الجديدة له، ونعتقد أنه سيضغط على العراق بالعقوبات، ومن غير المستبعد أن يعاود سلسلة استهداف قادة المقاومة الإسلامية في العراق أيضا"، فيما وصف التهاني الرسمية التي قدمت له من المسؤولين العراقيين بأنها تجاوز على القضاء الذي أصدر مذكرة قبض بحقه.

 مذكرة القبض بحق ترامب

وتصدرت مذكرة القبض الصادرة من القضاء العراقي قبل سنوات بحق ترامب مواقع التواصل الاجتماعي في العراق، ولا سيما أن الخط الأول في الدولة العراقية قدم التهاني لشخص مطلوب قضائيا ومتهم بجريمة القتل.

وتعليقا على ذلك قال القاضي السابق والخبير القانوني علي التميمي إن "القضاء العراقي اتخذ تلك الإجراءات القانونية وأصدر أمر القبض على دونالد ترامب كونه وجد أنه شريك في جريمة قتل، وفق المادة 406 من قانون العقوبات، وهذا إجراء قضائي صحيح".

وأضاف التميمي في تصريح لشبكة "الساعة": أن "تطبيق القانون واجب على القضاء وفق المادة 30 من قانون المرافعات العراقي"، مبيناً أن "مسألة تنفيذ القانون تقع على عاتق الجهات التنفيذية".

ولفت إلى أنه "كان بإمكان العراق مفاتحة الشرطة الدولية الإنتربول لتنفيذ مذكرة إلقاء القبض، خاصة وأن ترامب لم يكن رئيساً، واللجوء أيضاً إلى الأمم المتحدة لأن ما حدث هو انتهاك للسيادة العراقية في حينه".

وتابع أن "ترامب أصبح الآن رئيساً للولايات المتحدة، والرؤساء وفق القانون الدولي يتمتعون بالحصانة الرئاسية وفق اتفاقيات دولية تمنع أي إجراء قانوني ضد رؤساء الدول لتمتعهم بالحصانة طالما كانوا في مناصبهم"، مشيراً إلى "اتخاذ الإجراءات القانونية ضد الرئيس ترامب في الوقت الحاضر غير ممكن، لوجود تلك الاتفاقيات التي تعطي الحصانة الدبلوماسية، وهي حصانة مطلقة غير مجزأة".

وبين التميمي أن "إمكانية لجوء العراق إلى اتفاقية روما الخاصة بالمحكمة الجنائية الدولية لعام 1998، التي بموجبها لا حصانة للرؤساء، فعبر الانضمام إلى هذه الاتفاقية ووفق المادة السادسة من قانونها يمكن للعراق أن يطلب اتخاذ الإجراءات القانونية ضد ترامب لأن ما حصل يُعد عدواناً يحاسب عليه قانون الجنائية الدولية".

ترامب يستهدف إيران وحلفاءها

وعن تعاطي الرئيس الأمريكي الجديد مع الملف في العراق والشرق الأوسط، أكد السياسي العراقي المقيم في الولايات المتحدة انتفاض قنبر: على الحكومة العراقية والمسؤولين السياسيين أن يضعوا في حساباتهم أن ترامب عازم على تغيير المعادلة في الشرق الأوسط وأول تلك التغييرات استهداف إيران وأتباعها في المنطقة والعراق.

وقال قنبر في تصريح لشبكة "الساعة" إن "ترامب سيغير المعادلة الاستراتيجية في الشرق الأوسط والعالم، ومن الآن فصاعدا لن تحصل إيران على المال لأن إدارة ترامب عازمة على تركيع إيران اقتصاديا من خلال تفعيل العقوبات على إيران".

وأضاف قنبر: أن "ترامب عازم على إضعاف إيران وإنهاء قدرتها على دعم أذرعها في العراق وسوريا واليمن ولا سيما بعد الضربات الكبيرة لحليفها المهم في لبنان حزب الله".

وتابع أن "المنطقة بعد استهداف أذرع إيران ستشهد حالة فراغ سياسي بعد أن كانت تلك الأذرع تملأ هذا الفراغ ولا سيما في زمن إدارة بايدن، حيث كانت إيران وحلفاؤها يصولون ويجولون في المنطقة دون حساب".

وأوضح أن "الفصائل العراقية سيكون شأنها شأن باقي الفصائل حيث لن تجد شيء تتعكز عليه على اعتبار أن إيران ستكون مشغولة بمشاكلها وهمومها".

وأشار إلى أن "ترامب سيواجه العراق بسياسة واضحة مفادها أن حكومة العراق يجب أن لا تستمر في علاقتها من واشنطن وطهران بهذا الشكل، فحكومة العراق لا يمكن لها أن تكون حليفة إيران والولايات المتحدة في وقت واحد"، مشددا على أن "الرئيس الأمريكي الجديد عازم على إيقاف تمويل الفصائل المسلحة من قبل الحكومة العراقية خاصة وأن تلك الفصائل تستخدم التمويل القادم لها من الدولة العراقية في ضرب القوات الأمريكية والمنطقة".

ولفت إلى أن "إدارة ترامب لن تقبل باستخدام العراق من قبل الفصائل الموالية لإيران في الصراع الدائر حالياً، وتوقع أن تكون هناك ضربات تستهدف قيادات تلك الفصائل إضافة إلى تفعيل العقوبات الاقتصادية في العراق في حال كان موقف حكومته داعما لإيران وأذرعها".

ونوه إلى أن "المنطقة مقبلة على عصف قريب وأن العراق سيتأثر بهذا العصف إن لم يحسنوا التعامل مع المقبل من خلال تمكين الدولة وإنهاء الدور والنفوذ الإيراني في العراق لأن واشنطن عازمة على إضعافه بكل الوسائل".