على الرغم من الدعوة الصريحة لحصر السلاح بيد الدولة التي أطلقها المرجع الشيعي الأعلى في العراق السيد علي السيستاني، إلا أن الفصائل المسلحة تؤكد أنها ليست المشمولة بتلك الدعوات، على اعتبار أن سلاحها لا يستخدم إلا ضمن إطار الدولة كما تؤكد.

وما يزال حصر السلاح بيد الدولة شعارات تستخدمه منذ سنوات جميع الحكومات المتعاقبة والقوى السياسية في طروحاتها الإعلامية، غير أن الشارع العراقي ما يزال يلمس تداعيات عدم ضبط السلاح بيد الدولة وذلك من خلال وجود جهات تعمل خارج سلطتها وفوق إرادتها، كما يرى مراقبون.

وأكد المرجع الشيعي الأعلى في العراق الاثنين الماضي خلال استقباله ممثل الأمين العام للأمم المتحدة ورئيس بعثتها في العراق (يونامي) محمد الحسان يوم الاثنين الماضي، على ضرورة حصر السلاح بيد الدولة العراقية، وتحكيم سلطة القانون، ومنع كل صور التدخلات الخارجية.

وبحسب بيان لمكتب السيستاني نشره الموقع الخاص به فإن "المرجع أعرب عن أسفه لعجز المجتمع الدولي ومؤسساته في فرض حلول لإيقاف الحرب في لبنان وقطاع غزة، أو على الأقل تحييد المدنيين من مآسي العدوان".

كما تحدث السيستاني عن التحديات الكبيرة التي يواجهها العراق في الوقت الحالي، وما يعانيه شعبه، كما أشار إلى أنه ينبغي للعراقيين، وبخاصة النخب، أن يأخذوا العِبر من التجارب التي مرّوا بها، ويبذلوا قصارى جهدهم في تجاوز إخفاقاتها، ويعملوا بجدّ لتحقيق مستقبل أفضل لبلدهم ينعم فيه الجميع بالأمن والاستقرار.

وأضاف بيان مكتب السيستاني: أن "ذلك لا يتسنى من دون منع التدخلات الخارجية بمختلف وجوهها، وتحكيم سلطة القانون، وحصر السلاح بيد الدولة، ومكافحة الفساد على جميع المستويات"، ونوه إلى أن "مسارا طويلا أمام العراقيين حتى يصلوا إلى تحقيق ذلك".

السوداني يدعم حصر السلاح

وجاءت دعوة السيستاني ووصاياه الأخيرة بمثابة التعزيز لموقف رئيس الوزراء محمد شياع السوداني، والذي أكد أن ما ذكره المرجع الشيعي الأعلى في العراق حول حصر السلاح بيد الدولة كان ضمن برنامج حكومته.

وكان السوداني أشاد لدى استقباله الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة محمد الحسّان بأهمية ما طرحه المرجع السيستاني من تشخيص لاحتياجات البلاد. 

وقال المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء إن "السوداني استقبل الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة في العراق"، وبحسب البيان فقد "أكد السوداني على أهمية ما طرحه السيستاني خلال استقباله الحسان من تشخيص لاحتياجات العراق والرؤى الواقعية لتطلعات الشعب العراقي التي أوجزتها الحكومة في أولويات برنامجها العامل والجاري تنفيذه".

وتتزامن الدعوة لحصر السلاح بيد الدولة العراقية مع وقوف المنطقة على أعتاب حرب وشيكة يراها البعض أنها ربما ستقود إلى الحرب العالمية الثالثة، وذلك على خلفية التصعيد الإسرائيلي – الإيراني.

السوداني يتدخل لدى الأمريكيين

كما جاءت الدعوة في وقت يخوض رئيس الحكومة العراقية مساعي لتجنيب العراق ضربات إسرائيلية محتملة نتيجة مشاركة الفصائل العراقية في المعركة الدائرة ضد الكيان الإسرائيلي، ومساعي أخرى للضغط على الفصائل من أجل التوقف عن التصعيد وتجنب شن المزيد من الهجمات الصاروخية سواء على القواعد الأمريكية أو الأهداف الإسرائيلية.

وبحسب صحيفة الشرق الأوسط فإن "السوداني يخوض معركة صامتة مع العديد من الفصائل التي لم تلتزم بقرارات الحكومة".

وكشفت الصحيفة عن "تدخل السوداني لدى الأميركيين نحو 6 مرات لمنع توجيه ضربات إسرائيلية داخل العراق بسبب استمرار الفصائل في قصف أهداف داخل إسرائيل بالطائرات المسيرة".

الفصائل غير مشمولة بحصر السلاح

لكن الفصائل المسلحة ترى أنها غير مشمولة بالدعوة التي أطلقها السيستاني، على اعتبار أن المرجع الديني أعلن في أكثر من مناسبة دعمه لموقف "فصائل المقاومة العراقية".

القيادي في كتائب سيد الشهداء عباس الزيدي قال في تصريحات إعلامية إن "المرجع علي السيستاني لم يقصد فصائل المقاومة في لقائه مع مبعوث الأمم المتحدة في النجف، حين دعا إلى حصر السلاح بيد الدولة".

وأوضح الزيدي أن "المرجعية الدينية هي من أسست العملية السياسية، وهي من صممتها وفقاً لرؤية إخراج الاحتلال الأميركي، وهي الآن تحث على القفز على حالة التعثر التي واكبت بناء الدولة".

وتابع بالقول: أن "كتائب سيد الشهداء لم تطلق أي عملية ضد قوات الاحتلال إلا بعد أخذ الإذن من المرجعية الدينية، بعد الذهاب لها زحفا وأخذ الأذن منها بشرطها وشروطها"، على حد وصفه.

وختم الزيدي حديثه بالقول: "أجزم بأن حديث المرجعية عن حصر السلاح بيد الدولة يستثني سلاح المقاومة، لأن مقاومتنا شرعية، ولن نعمل من دون غطاء شرعي وأن المرجعية قد تقصد بعض الجهات غير المنضبطة دون أن يسميها".

المرجعية لن تتقاطع مع فصائل "المقاومة"

وتأييدا لما طرحه القيادي في كتائب سيد الشهداء، أكد الباحث والمحلل السياسي العراقي صباح العكيلي أن دعوة السيد السيستاني لا تشمل فصائل المقاومة ولا سيما أن الحقيقة الثابتة هي أن المرجعية لم ولن تتقاطع مع فصائل المقاومة في العراق.

وقال العكيلي في تصريح لشبكة "الساعة": إن "المرجعية وخلال اللقاء مع المبعوث الأممي الجديد في العراق طرحت العديد من الأمور والقضايا ومن بينها حصر السلاح بيد الدولة والذي جرى التركيز عليه والإشارة إلى أن المقصود منه فصائل المقاومة".

وأضاف العكيلي: أن "الجميع يعلم بأن مرجعية السيد السيستاني تدعم المقاومة وتساندها وهي من أعطت الغطاء الشرعي لها، فضلا عن تأييدها كما حصل مع موقف المرجع من استهداف سليماني والمهندس واغتيال حسن نصر الله وغيرها من المواقف".

وتابع أن "حصر السلاح الذي أشار إليه السيستاني قد يقصد منه تقوية الدولة وإخلاء العراق من القوات الأجنبية والتواجد العسكري الأمريكي"، مؤكدا أن "المرجعية لن تتقاطع مع الفصائل وأن حصر السلاح لا تقصد فصائل المقاومة به ولكن الجهات المنفلتة".

الفصائل تتمرد على السيستاني

لكن الباحث والمحلل السياسي مجاهد الطائي يرى العكس تماما، فهو يؤكد أن دعوة المرجع السيستاني تقصد وبكل وضوح الفصائل المسلحة التي ستدخل العراق في الصراع الدائر حاليا.

وقال الطائي في تصريح لشبكة "الساعة": إن "دعوة السيستاني لحصر السلاح بيد الدولة ليست الأولى لكنها قديمة وتجددت خلال لقائه المبعوث الأممي في العراق والذي تضمن التأكيد على تجنيب العراق التصعيد الحالي وابعاد العراق عن ضربة إسرائيلية أو استخدام الأراضي العراقية من قبل إيران في مهاجمة الكيان الإسرائيلي".

وأضاف أن "الدعوة جاءت داعمة لما يسعى له السوداني والقوى الدولية وفي مقدمتها الولايات المتحدة لإبعاد العراق عن التصعيد الدائر في المنطقة".

وأوضح الطائي أن "الفصائل لا تكترث بموقف السوداني الذي أصبح في كثير من المواقف خصماً لها كما أنها لا تكترث بمواقف ودعوات المرجعية في النجف السابقة والحالية بخصوص حصر السلاح بيد الدولة".

وبين أن "الفصائل بدأت تتنصل من الأمر من خلال طرحها تفسيرات عن أنها ليست المشمولة بتلك الدعوات أو أن السيستاني لا يقصد هذا النوع من السلاح، أو أنه يقصد من الدعوة الفصائل المنفلتة فقط".

وتابع أن "الفصائل العراقية المسلحة معروفة بقربها من إيران وهي بالأصل تقلد الخامنئي ولا تقلد السيد السيستاني، لكنهم وجدوا في الدعوة نوعا من الإحراج لهم خاصة وأنها تبنت خطاب الالتزام بوصايا المرجعية في النجف ابتداء من فتوى الجهاد الكفائي ولغاية اليوم".

وشدد الطائي على أن "الفصائل العراقية تحاول الالتفاف على دعوة المرجعية حيث إنها لا تأخذ بوصاياها إلا في الأمور التي تصب في مصلحتها"، حسب وصفه.