ساعات قليلة ويبدأ السباق نحو البيت الأبيض عبر الانتخابات الرئاسية الأمريكية التي يتنافس فيها مرشح الحزب الجمهوري دونالد ترامب ومرشحة الحزب الديمقراطي كمالا هاريس.

وتشير استطلاعات المراكز الأمريكية ونتائج التصويت المبكر في العديد من الولايات الأمريكية إلى تقدم ترامب على هاريس،كما أن أغلب قراءات وتحليلات المراقبين تشير إلى اقتراب ترامب من العودة رئيسا للولايات المتحدة الأمريكية.

ويسعى العراق عبر موقفه الرسمي المتمثل بحكومة محمد شياع السوداني إلى مرحلة جديدة من العلاقات الاستراتيجية مع الولايات المتحدة الأميركية، تركز بشكل أكبر على السياسة والاقتصاد والطاقة، بعدما كانت لسنوات طويلة تركز على المجالين الأمني والعسكري.

في المقابل حرصت الولايات المتحدة خلال السنوات الثمانية الماضية سواء في ظل إدارة الجمهوريين أو الديمقراطيين، على تجنب تصعيد العنف أو الإخلال بالوضع السياسي والاقتصادي في العراق.

اتفاقية الإطار الاستراتيجي

والأسبوع الماضي أكد وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين خلال ترأسه الاجتماع الدوري للجنة التنسيقية العليا لاتفاقية الإطار الاستراتيجي بين بغداد وواشنطن، على أهمية تعزيز العلاقات مع واشنطن والانتقال إلى شراكة اقتصادية متينة.

وشدد حسين على ضرورة عدم التركيز على الجوانب العسكرية والأمنية فقط، بل توسيع التعاون ليشمل المجالات الاقتصادية، والصحية، والتعليمية، والبيئية.

وحاليا ورغم الحذر الشديد جراء مشاركة الفصائل العراقية في التصعيد الدائر في المنطقة مع الكيان الإسرائيلي، إلا أن العلاقة بين بغداد وواشنطن ما تزال تخضع لاتفاقية الإطار الاستراتيجي التي وقعها العراق مع الولايات المتحدة الأميركية عام 2008، وبدأ الجانبان بتنفيذ بنودها عام 2009، والتي تتضمن 11 بندا تشمل المجالات الدبلوماسية والسياسية والأمنية والاقتصادية والثقافية، وتنص على علاقات طويلة الأمد بين البلدين وفق مبدأ المساواة في السيادة والحقوق والمصالح المشتركة.

يتزامن ذلك مع إعلان كل من واشنطن وبغداد أنها اتفقتا على خطة لانسحاب قوات التحالف التي تقودها الولايات المتحدة من الأراضي العراقية تنتهي بنهاية 2026. 

ويؤكد الجانب العراقي أن قرار سحب القوات الأمريكية من العراق قائم ولا تغيير فيه سواء وصل الجمهوريون أو الديمقراطيون إلى الإدارة الأمريكية الجديدة.

غير أن المسؤولين العسكريين الأمريكيين أكدوا أن الولايات المتحدة ليست مستعدة بعد للإعلان عن أي مواعيد محددة بشأن الانسحاب من العراق.

وأعلن رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني في وقت سابق أن القوات الأمريكية أصبحت عامل جذب لعدم الاستقرار، إذ يجري استهدافها على نحو متكرر وعادة ما ترد بهجمات دون تنسيق مع الحكومة العراقية.

وعلى الرغم من انتقاد ترامب لقرار الرئيس الجمهوري الأسبق جورج بوش، بغزو العراق، إلا أنه لم يتردد في توجيه تهديد بـعقوبات شديدة إلى حكومة عادل عبد المهدي والبرلمان العراقي عندما عقدا جلسة مشتركة من أجل إنهاء أي تواجد للقوات الأجنبية في الأراضي العراقية عام 2020، وذلك بعدما اتخذ ترامب قرار اغتيال قائد فيلق القدس الإيراني قاسم سليماني، في 3 كانون الثاني يناير 2020 بغارة جوية قرب مطار بغداد.

وأدخلت حادثة الاغتيال العلاقات العراقية الأمريكية التي كانت مستقرة نسبيا، بمرحلة جديدة من الاضطراب والتوتر والحرج، حيث بدأت تتصاعد هجمات الفصائل العراقية المسلحة ضد القوات الأمريكية في أنحاء العراق.

وعلى اعتبار أن الموقف العراقي ينقسم إلى قسمين الأول رسمي تمثله الحكومة والثاني غير رسمي تمثله الفصائل المسلحة القريبة من إيران، فإن فوز ترامب بالانتخابات الأمريكية قد يدفع الأمور إلى مزيد من التصعيد مع الفصائل العراقية ولا سيما إن ذهبت هي إلى خيار التصعيد كما يحدث حاليا.

لا تغييرات أمريكية جذرية 

ويرى مدير المركز العراقي للدراسات غازي فيصل أن الجمهوريين ورغم ميولهم لخيار القوة في العلاقات الخارجية إلا أنه من المستبعد أن يلجأوا لخيار التصعيد العسكري ضد إيران أو العراق في المرحلة المقبلة.

وقال فيصل في تصريح لشبكة "الساعة": إن "السياسة الخارجية الأمريكية تعتمد على الثوابت الخاصة بالمصالح الأمريكية المتعلقة بالأمن القومي الأمريكي تجاه أوروبا والشرق الأوسط والصين وروسيا وأفريقيا".

وأضاف: أن "الاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط تقوم على أساس ضمان أمن الخليج ومصادر الطاقة، وهو ما عملت به الولايات المتحدة منذ عام 1979، حيث كانت واشنطن وما تزال مستعدة لمواجهة أي تهديد حتى ولو اضطرت للتدخل عسكريا لضمان أمن الطاقة وأمن المصالح والحلفاء في الشرق الأوسط".

وتوقع فيصل أن "السياسة الخارجية الأمريكية تجاه الشرق الأوسط لن تتغير بشكل جذري، ولكن بشكل محدود وفق ما تحدده مصالحها وأمنها القومي والمتغيرات التي تشهدها المنطقة".

وأوضح أن "ترامب ورغم خطابه عن مواجهة إيران إلا أنه عمليا لم يتخذ أي إجراءات عسكرية ضد إيران سوى تنفيذ عملية اغتيال سليماني"، مبينا أن "خطابه الحالي ضد إيران في الأغلب هو جزء من الحملة الدعائية والانتخابية التي يسعى منها الظهور بموقف الحريص المدافع عن الأمن القومي الأمريكي والمصالح الأمريكية في الشرق الأوسط".

وتابع أنه "وبالرغم من أن الجمهوريين يميلون للقوة في العلاقات الدولية إلا أن ترامب لم يذهب إلى حرب فعلية كما فعل جورج بوش"، مشككا في "وجود أي احتمالات لتوجه ترامب نحو إحداث تغييرات جوهرية في طبيعية الأنظمة السياسية في إيران والعراق وسوريا".

 وأشار إلى أن "إمكانية توجه ترامب إلى فرض المزيد من العقوبات الاقتصادية على إيران وأي دولة تهدد المصالح والأمن الأمريكي".

ترامب ربما يلجأ إلى التصعيد

ويعد الخبير الاستراتيجي العراقي الناصر دريد ما أسماها "الإجراءات العقابية" الأميركية ضد مجموعة من البنوك والمصارف العراقية خلال السنوات الأربع الماضية، "تصعيدا" اقتصاديا مع النظام السياسي في العراق.

ويقول دريد في تصريح صحفي تابعته شبكة "الساعة": "إذا ما استمرت الإدارة الديمقراطية في الحكم، فتستمر وتيرة العلاقات بالشكل القائم حاليا، على أساس المواجهة الاقتصادية، مع بقاء العلاقات السياسية بشكلها الحالي، الذي يبدو طبيعياً، لكن في حال وصول ترامب فسيكون هناك نوع من الشدة في المواجهة السياسية وربما حتى العسكرية".

ويرى دريد أن "اختلاف السياسة الخارجية الأميركية في التعامل مع العراق وقضايا الشرق الأوسط ما بين إدارتي ترامب وهاريس، تكمن في كون الأول سيكون أكثر حدة في التعامل مع إيران ووكلائها في العراق والمنطقة، وسيذهب إلى تشكيل تحالف دولي لمواجهة إيران وأذرعها بعد أكتوبر 2025".

أما هاريس وفقاً للخبير الاستراتيجي، فستبحث في الدرجة الأولى عن تطبيع سعودي إسرائيلي، وفي ما بعد تشكيل تحالف دولي لمواجهة إيران ربما في 2025 أو 2026، على حد قوله.

كيف ستتعامل الفصائل؟

من جانبه يرى أستاذ العلوم السياسية في الجامعة المستنصرية عصام الفيلي أن التصعيد بين الجانب الأمريكي والعراقي في المرحلة المقبلة مرهون بقرار وموقف الفصائل العراقية في حال اختارت التصعيد من عدمه.

وقال الفيلي في تصريح لشبكة "الساعة": إن "فوز الديمقراطيين بالرئاسة يعني أن السياسية الأمريكية ستستمر كما هي الآن في العراق، حيث سيستمرون في سياسة عدم التصعيد ولا سيما أن الديمقراطيين لا يذهبون نحو حافات الصدام في تعاملهم مع العراق".

وأضاف: أن "هناك موقفين في العراق الأول رسمي تمثله الدولة وحكومة السوداني والثاني غير رسمي تمثله الفصائل المسلحة"، مبينا أن الجمهوريين والديمقراطيين يعلمون ذلك جيدا ويضعون ذلك في حساباتهم في التعاطي مع الملف العراقي".

وأشار الفيلي إلى أنه "في حال فوز ترامب في الانتخابات الرئاسية فإن من المتوقع لجوءه إلى فرض العقوبات على الفصائل والسياسيين العراقيين على الرغم من أن ذلك سيؤدي إلى توتر في العلاقات مع بغداد والتي تسعى واشنطن إلى تجنب مثل هذا التوتر.

وبشأن تعاطي الإدارة الأمريكية الجديدة مع الفصائل العراقية أوضح الفيلي أن "قراءة ذلك من المبكر والسابق لأوانه، لكنه أكد أن ذلك يعتمد على طبيعة تعامل الفصائل العراقية وهل أنها ستلجأ إلى التصعيد أم التعامل بشكل جديد مع الإدارة الجديدة".

وبين أن "طبيعة التصعيد مرهونة بموقف الفصائل الذي ستحدده الأيام المقبلة والأحداث التي تجري حاليا في الصراع الدائر بين إسرائيل وإيران".