خرجت الحكومة العراقية عن صمتها بشأن حقها السيادي إعلان السلم والحرب وخيار المشاركة في الصراع الدائر في المنطقة من عدمه، وذلك عقب تصريحات مثيرة أطلقها قادة في الفصائل العراقية لا تضع لموقف الدولة أي اعتبار بعد أن اتخذت (الفصائل) قرار المشاركة في المعركة بعيدا عن موقف الدولة العراقية.

وأكدت الحكومة العراقية أن قرار الحرب والسلم بيد السلطات الرسمية في البلاد، وحذرت الجهات والأطراف العراقية من الخروج عن السياقات الدستورية، واضعةً تلك الجهات في حال مخالفتها في خانة المواجهة مع الدولة.

وقال رئيس الوزراء محمد شياع السوداني خلال لقائه مع شيوخ عشائر عراقية: إن "قرار الحرب والسلم تقرره الدولة بمؤسساتها الدستورية، وكل من يخرج عن ذلك سيكون بمواجهة الدولة التي تستند إلى قوة الدستور والقانون في تنفيذ واجباتها ومهامّها".

وأضاف السوداني: أن "موقف العراق مبدئي برفض العدوان على غزة ولبنان، والذي تم التعبير عنه في كل المحافل الدولية"، مشيراً إلى أن "مصلحة العراق والعراقيين فوق أي اعتبار".

وتزامنت تحذيرات السوداني مع جهود وحراك يقوده عبر اجتماعاته السياسية مع الإطار التنسيقي المقرب من الفصائل المسلحة لإقناع تلك الفصائل بالكف عن توجيه ضربات قد تتخذها إسرائيل ذريعة لتوجيه ضربات إلى الداخل العراقي.

هجمات متواصلة

كما جاءت تحذيرات السوداني بعد ساعات من إعلان الفصائل العراقية التي تعرف بفصائل "المقاومة الإسلامية في العراق" من شن هجمات على أهداف إسرائيلية.

وهاجمت "المقاومة الإسلامية في العراق" بالطيران المسيّر 3 أهداف داخل الكيان الإسرائيلي"، وقالت الفصائل في بيانات منفصلة: إنها "هاجمت بالطيران المسيّر هدفين عسكريين شمالي الأراضي المحتلة"، مشيرة إلى أنها "شنّت هجوماً ثالثاً في غور الأردن المحتل".

الفصائل: قرار الحرب بيد المقاومة

ورغم تصريحات السوداني، إلا أن الفصائل المسلحة تؤكد أن قرار الحرب في العراق بيد "المقاومة" وليس بيد الدولة، كما تؤكد رفضها الوساطات السياسية للتهدئة، ولوحت بتوسيع ضرباتها، كما هددت باستئناف الهجمات ضد القوات الأميركية في العراق.

والفصائل العراقية التي اختارت الدخول في المعركة القائمة مع الكيان الإسرائيلي هي 3 فصائل فقط، وهي النجباء وحزب الله وسيد الشهداء.

وقال رئيس المجلس السياسي لحركة النجباء علي الأسدي في تصريحات صحفية إن "قرار الحرب في الدول المحتلة مثل العراق ولبنان وفلسطين بيد المقاومة وليس الدولة".

وأكد المسؤول في النجباء أن "الفصائل ليست في حالة هدنة مع القوات الأميركية، لكنها ملتزمة بطلب الحكومة العراقية، وأن العمليات ضد الأمريكان ستُستأنف إذا ما استخدمت الأراضي العراقية لضرب إيران، أو القيام باغتيالات داخلية".

وأضاف الأسدي: أن "تهديد قادة فصائل المقاومة بضرب دول الخليج لم يكن لأغراض الحرب الإعلامية، بل إنهم عازمون على ذلك".

كما ظهر زعيم النجباء أكرم الكعبي بشكل علني ولافت، في مدينة النجف قبل أيام، وتعهد بـالثأر لقادة المقاومة في لبنان وغزة.

وكان القيادي في كتائب سيد الشهداء عباس الزيدي شدد في وقت سابق على أن فصائل المقاومة في العراق لن تبقى مكتوفة الأيدي في حال دخلت إيران في حرب مباشرة أو غير مباشرة مع الكيان الصهيوني والولايات المتحدة الأمريكية، فالفصائل ستكون جزءا من هذه الحرب بما لا يقبل الشك.

الفصائل تتحكم بقرار الحرب

ويرى الصحفي والباحث في الشأن العراقي عمر الجنابي أن الفصائل المسلحة في العراق تتحكم في قرار السلم والحرب وفقاً لمصالحها الإقليمية والأجندة الإيرانية.

وقال الجنابي في تصريح لشبكة "الساعة": إن "العراق اليوم يقف عند مفترق طرق حيث ترتبط سياساته الأمنية بشكل وثيق بالفصائل المسلحة المنضوية تحت لواء الإطار التنسيقي الحاكم".

وأضاف أن "هذه الفصائل التي لا تقتصر على كونها قوة عسكرية، بل تتغلغل في النظام السياسي من خلال سيطرتها على وزارات حيوية وامتلاكها تمثيلاً واسعاً في البرلمان، باتت العامل الأساسي في تحديد اتجاه العراق في خضم التصعيد الإقليمي"، مشيراً إلى أن "ما يعزز نفوذ الفصائل هو هيمنتها على هيئة الحشد الشعبي، التي باتت بمثابة جيش موازٍ يمتلك تجهيزات عسكرية ولوجستية هائلة".

وتابع الجنابي: أن "الفصائل العراقية بدعم من الحشد الشعبي تتحكم في قرار السلم والحرب وفقاً لمصالحها الإقليمية والأجندة الإيرانية"، متوقعاً أن "أي تصعيد في المنطقة خاصة في لبنان أو سوريا سيجد انعكاساته المباشرة في العراق".

وحذر الصحفي والباحث العراقي من أنه "في ظل التوغل الإسرائيلي البري في لبنان والهجمات المستمرة على حزب الله، يصبح احتمال انتقال الصراع إلى العراق وشيكاً"، لافتاً إلى أنه "في حال تعرضت إيران لضربة إسرائيلية مباشرة، فإن الفصائل المسلحة في العراق لن تبقى على الحياد، باعتبارها الذراع العسكري والسياسي لإيران في المنطقة، ومن المتوقع أن ترد هذه الفصائل عبر استهداف القواعد الأمريكية المنتشرة في العراق أو تنفيذ هجمات على مصالح إسرائيلية إقليمية".

وشدد على أن "ما يزيد من تعقيد المشهد العراقي هو أن الحكومة العراقية تبدو مقيدة بإملاءات الفصائل الشيعية المسلحة، التي تملك اليد العليا في تحديد مسار الأمور الأمنية والعسكرية".

واستدرك أنه "في حال تفاقمت الأوضاع في لبنان أو تعرضت إيران لضربة، ستقرر الفصائل ما إذا كانت ستمضي نحو التصعيد العسكري أو التهدئة المؤقتة، ومن المرجح أن يصبح العراق مركزاً لصراع إقليمي واسع النطاق، مع تنامي النفوذ الإيراني من جهة، والمصالح الأمريكية والإسرائيلية من جهة أخرى"، مبينا أن "هذه المواجهة الإقليمية قد تغيّر جذريا توازنات القوى في المنطقة والعراق بحكم موقعه الجغرافي ومكانته الاستراتيجية التي ستبقيه في قلب هذه العاصفة"، حسب تعبيره.

العدوان الإسرائيلي لا يحتاج لإعلان الحرب

بالمقابل يرى الباحث السياسي العراقي صباح العكيلي أن الكيان الإسرائيلي هو من فرض الحرب على الجميع سواء على فلسطين ولبنان والعراق.

وأشار العيكيلي في تصريح لشبكة "الساعة" إلى أن "العدوان الإسرائيلي على العراق هو مثل إعلان حرب وأن ذلك لا يتطلب إعلانا من العراق بالحرب على اعتبار أنها مفروضة عليه".

وأضاف أن "سياسية الدولة العراقية تضع الكيان الصهيوني في خانة العدو، ولذلك لا يحتاج العدو لإعلان حالة الحرب  ولا سيما أن قد فرضها على العراق من خلال العدوان الذي شنه على الحشد الشعبي والأجهزة الأمنية العراقية قبل سنوات، وقبل ذلك الاعتداء على المفاعل النووي العراقي عام 1982".

ولفت العكيلي إلى أن "الحرب وجدت مع وجود الكيان الإسرائيلي وأن تلك الحروب ابتداء من حرب 1948 وحرب 1967 وحرب 1973 والحرب الحالية ما هو إلا دليل على أن حالة الحرب مع الكيان قائمة ولم تتوقف في الأساس".

إقحام العراق بالخطر

وفي وقت سابق أكد وزير الخارجية العراقي الأسبق هوشيار زيباري أن إصرار بعض الفصائل لإقحام العراق في الحرب الإقليمية القادمة ولا سيما النجباء وكتائب حزب الله وبالضد من إرادة حكومة السوداني والبرلمان والإطار التنسيقي في إعلان حالة الحرب أو السلم كقرار سيادي عراقي إنما يعرض أمن العراق إلى خطر محدق و الخاسر الأكبر سيكون الشعب العراقي.

غير أن المحلل السياسي المقرب من الفصائل المسلحة حيدر البرزنجي يؤكد على أن الفصائل لم تختر الدخول في المعركة بل إن الكيان الصهيوني هو من بدأ بفرض المعركة على العراق.

وقال البرزنجي في تصريح لشبكة "الساعة": إن "الكيان الصهيوني هو من جعل العراق ضمن الخارطة السوداء حتى قبل التصعيد الأخير"، وشدد على أن "الحديث عن الفصائل تزج العراق في الصراع عبارة عن سردية صهيونية أو أحاديث يطلقها الجبناء"، حسب تعبيره.

جدية إسرائيلية وضغوط أمريكية

وتخشى حكومة السوداني من عدوان "إسرائيلي" محتمل على العراق، بسبب هجمات الفصائل بالصواريخ والمسيرات على مواقع جيش الاحتلال، وزادت تلك المخاوف عقب مقتل جنديين "إسرائيليين" بهجوم شنته الفصائل العراقية في الـ 4 من أكتوبر الجاري والتهديدات الإسرائيلية بالرد على ذلك الهجوم.

في حين تفيد المعلومات المسربة من الجانب الحكومة بوجود ضغوطات أمريكية على الجانب الإسرائيلي لتجنيب العراق الضربات الإسرائيلية في الوقت الحالي.

وأكد المستشار السياسي لرئيس الوزراء العراقي فادي الشمري أن الولايات المتحدة والتحالف الدولي ساهما بتجنيب العراق الضربات الإسرائيلية المحتملة.

وفي وقت سابق كشفت مصادر سياسية عراقية عن حراك لوقف هجمات الفصائل العراقية على الأهداف "الإسرائيلية" وذلك في محاولة من الحكومة لتجنب شبح الحرب.

لكن مصدرا مقربا من الفصائل العراقية، نفى وجود اتفاق على توقف الهجمات على أهداف الاحتلال الإسرائيلي لحين وقف العدوان على غزة وجنوب لبنان.

ولم يذكر المصدر في اتصال مع شبكة "الساعة" تفاصيل إضافية، لكنه أكد أن الفصائل ورغم الهجمات التي تشنها تؤيد الحراك الدبلوماسي للحكومة العراقية من أجل إنهاء التصعيد ووقف الحرب.