وجاء رد الاحتلال الإسرائيلي المرتقب على إيران، والذي يشبه الهجوم الإيراني على "إسرائيل" مطلع شهر تشرين أول الجاري، حيث وصف بأنه جاء لحفظ ماء الوجه لتجنبه استهداف المواقع الحيوية في إيران وأنه اكتفى بضرب مواقع عسكرية اعتيادية.
وطيلة الأسابيع الثلاثة الماضية، كان العالم يترقب ردا "إسرائيليا" انتقاميا على إيران، وأشارت التوقعات السابقة فإن الهجوم الإسرائيلي كان من المتوقع أن يستهدف المنشآت النووية الإيرانية أو المرشد الإيراني علي خامنئي.
وفجر يوم السبت 26 أكتوبر شن طيران الاحتلال الإسرائيلي هجوما على مواقع عسكرية في إيران، وبعد ساعات أعلن الجيش "الإسرائيلي" انتهاء الهجوم على إيران ووصفه بالدقيق والذي جاء ردا على سلسلة من الهجمات التي شنتها إيران.
وقال بيان لجيش الاحتلال: إن "الغارات الجوية شملت مواقع إنتاج صواريخ إيرانية كانت قد أُطلقت نحو إسرائيل في وقت سابق حيث شكلت هذه الصواريخ تهديدا مباشرا على أمن مواطني إسرائيل".
وقال مسؤولون "إسرائيليون": إن "الجيش هاجم 20 موقعا عسكريا في إيران عبر 3 هجمات متفرقة".
واستهدف الهجوم الإسرائيلي على إيران مواقع عسكرية ومصانع للأسلحة في محافظات طهران وخوزستان وإيلام، دون استهداف مواقع للنفط وأخرى نووية أو مدنية، وفق مصادر إيرانية وإسرائيلية وأميركية.
في المقابل قللت إيران من شأن الضربات "الإسرائيلية"، وأشار إعلامها الرسمي إلى أن القصف تسبب في أضرار محدودة.
هجمات منسقة مسبقاً
ولا يشبه الرد الإسرائيلي الهجوم الإيراني من ناحية حفظ ماء وجه الطرفين أو من حيث غياب الفاعلية واستهداف المواقع الحيوية، بل من ناحية إبلاغ كلا الطرفين للطرف الآخر قبيل شن الهجوم.
ونقل موقع "أكسيوس" الإخباري، عن مصادر مطلعة القول: إن "إسرائيل بعثت برسالة لطهران قبيل شن غاراتها الجوية حذرت فيها الإيرانيين من الرد وأبلغتهم بطبيعة الأهداف التي سيتم استهدافها".
ووفقا للمصادر فقد جرى إيصال الرسالة الإسرائيلية إلى الإيرانيين عبر عدة أطراف ثالثة، وقال أحد المصادر إن "الإسرائيليين أوضحوا للإيرانيين مسبقا ما الذي سيستهدفونه بشكل عام وما الذي لن يستهدفوه".
وضغطت الولايات المتحدة الأمريكية بعد الهجوم الإيراني على "إسرائيل" لتجنب استهداف مواقع حيوية في إيران وفي مقدمتها البرنامج النووي، في حركة وصفت بأنها خطوة أمريكية لضبط إيقاع الصراع الدائر في المنطقة، وضمان بقاء النظام الإيراني على وضعه مع ضمان إضعافه فقط.
وسطاء عراقيون
في الأثناء كشفت صحيفة الشرق الأوسط عن وجود رسالة أمريكية نقلت إلى إيران عبر وسيط عراقي لتجنب المزيد من الرد والرد المقابل وخفض التصعيد في المنطقة.
وقالت الصحيفة نقلا عن مصادر وصفتها بالموثوقة: إن "وسيطاً عراقياً نقل إلى طهران رسالة أميركية قبل الهجوم الإسرائيلي".
وأضافت أن "الرسالة نُقلت من مسؤولين في السفارة الأميركية ببغداد إلى طهران عبر وسيط عراقي، تضمنت معلومات عن الخطوط الحمراء التي استثناها الرد الإسرائيلي على إيران".
وأكدت المصادر أن "طهران فهمت من الرسالة أن واشنطن بذلت جهداً استثنائياً لتحجيم الرد الإسرائيلي، إلى درجة لا تسمح بانفلات مواجهة أكبر في المنطقة، وأنها، وفقاً لذلك لن تسمح للإيرانيين بخرق المزيد من قواعد الاشتباك، وأن الأمر يتوقف عند هذا الحد، في هذه المرحلة من النزاع على الأقل، وشددت الرسالة الأميركية على المسؤولين الإيرانيين، عدم الخوض مجدداً في لعبة الرد والرد المضاد".
العراق ضمن مسارات الطائرات الإسرائيلية
وتطرح العديد من التساؤلات عن مسار الطائرات الإسرائيلية في طريقها لمهاجمة إيران، حيث إن هناك 3 مسارات محتملة، من ضمنه المسار العراقي الذي سلكته الطائرات الإسرائيلية في الأغلب.
ويمر المسار الأول من فوق سوريا والعراق باتجاه إيران، يتضمن التحليق فوق مناطق فيها تواجد كثيف لأنظمة الدفاع الجوي الروسية والأمريكية، إلى جانب وجود تمركز كثيف لجماعات مسلحة تابعة لإيران.
أما المسار الثاني يشمل التحليق فوق أجواء البحر الأحمر من جهة جنوب الأردن، مرورا بالأجواء العراقية، وصولا إلى إيران، وهذا المسار يعد طويلا ومعقدا، وهو المسار الذي سلكته طائرات الاحتلال حين ضربت المفاعل النووي العراقي عام 1982.
فيما يمر المسار الثالث وهو الأقصر من فوق الأجواء الأردنية ثم العراقية وصولا إلى الأهداف الإيرانية.
في حين نفت كل من السعودية والأردن مرور أي طائرات من أجوائها لضرب إيران، يلتزم العراق الصمت تجاه هذا الموضوع.
وبحسب الطيار السابق والمحلل العسكري إسماعيل أبو أيوب فإن المقاتلات الحربية الإسرائيلية دخلت بالفعل المجال الجوي الإيراني عبر العراق.
وأكد أبو أيوب أن الطائرات الإسرائيلية وصلت إلى الحدود الغربية لإيران عبر المجال الجوي العراقي، وإن الطائرات التي ضربت بالقرب من طهران مرت فوق سوريا والعراق.
وشدد على أن الطائرات الإسرائيلية دخلت المجال الجوي الإيراني، وأن جيش الاحتلال يقول إنه استخدم نحو 100 مقاتلة في الهجوم.
العراق وسيناريو ما بعد الضربة
يرى باحثون عراقيون أن شكل الضربة الإسرائيلية وعدم فاعليتها قد تؤدي إلى تجنب الحرب الشاملة في المنطقة والتي كان من المتوقع أن يدخل العراق طرفا فيها مع إصرار بعض الفصائل على إقحام البلاد فيها.
وقال الباحث في الشأن العراقي مصطفى العبيدي في تصريح لشبكة "الساعة": إن "العراق حاول تجنب الدخول في الصراع الذي تشهده المنطقة خشية أن يكون الرد الإسرائيلي مدمرا لإيران، ومن ثم جميع أذرعها في المنطقة بما فيها العراق".
وأضاف أن "الرد الإسرائيلي الناعم والذي جاء لحفظ ماء الوجه من شأنه وقف التصعيد في المنطقة ولو بشكل مؤقت، وذلك يعني أن العراق سيبقى بعيدا عن خطر الحرب التي تشعل جميع المنطقة في حال كان الرد الإسرائيلي مزلزلا وردت عليه إيران بضربة مقابلة".
وأشار إلى أن "احتمالية الرد على الفصائل العراقية من قبل الكيان الإسرائيلي ما تزال قائمة، ولكن عبر ضربات محدودة تستهدف الفصائل المشاركة في الحرب"، مبينا أن "خيار الحرب الشاملة كان من المتوقع أن يشهد خروجا للأمور عن السيطرة وبالتالي استهداف القوات الأمريكية في العراق وإدخال البلاد في مواجهة مع إسرائيل والولايات المتحدة".
أسباب عدم فاعلية الرد الإسرائيلي
في الأثناء يرى الباحث والخبير الاستراتيجي لقاء مكي أن عدم فاعلية الرد الإسرائيلي على إيران تؤكد ابتزاز بنيامين بنتياهو للإدارة الأمريكية وحصول إسرائيل على دعم سياسي واقتصادي من أجل مواصلة الحرب في غزة وجنوب لبنان.
وقال مكي في تغريدة على موقع "X": إن "نتنياهو قضى نحو 4 أسابيع، وهو يبتز إدارة بايدن، ليجعل الرد على إيران، ضمن قواعد محسوبة"، مبينا أن "المهم لواشنطن أن لا يتسبب الرد بحرب مفتوحة عشية الانتخابات الأميركية".
وأضاف أن "نتنياهو استغل الفرصة ليحصل من واشنطن على مكاسب مهمة مقابل منحها ما تريد"، متوقعاً أن "الأمر يشمل دعما عسكريا مفتوحا، وغطاء سياسيا، ووقف إجراءات الجنائية الدولية، ومساعدات اقتصادية، وإطلاق يد إسرائيل في غزة، واستمرار الحرب على لبنان، وهذه مكاسب مهمة لإسرائيل تديم حربها الطويلة والمكلفة".
ولفت إلى أن "المهم أيضا أن هذه النتيجة لا تنهي الصراع في المنطقة، فضرب الأذرع الإيرانية بدءا من حزب الله، له الأولوية اليوم، وهو أكثر أهمية لإسرائيل من ضرب إيران ذاتها في الوقت الحاضر".
ونوه إلى أن "التفاهم على حدود الضربة وعدم الرد الإيراني، جنّب إيران الحرب، لكنه كبّل يدها نسبيا في دعم حزب الله، أو بقية الأذرع في المنطقة، وهو أمر جيد بالنسبة لإسرائيل على المدى القريب".
نجاح إيراني
من جهة أخرى يرى الباحث والخبير الاستراتيجي فراس إلياس أن إيران ستبقى تتحكم بمشهد التصعيد في المنطقة من عدمه بعد الهجوم الإسرائيلي غير الفعال على إيران.
وقال إلياس في منشور في منصة "فيسبوك": إن "إيران نجحت في تهذيب السلوك الإسرائيلي عبر تحديد ضربته العسكرية التي طالما حاول نتنياهو القول بأنها ستكون مميتة، بحيث أصبحنا أمام هجوم محدود التأثير والأثر، لإرضاء غرور نتنياهو، وضمن سقف قبول خامنئي".
وبين أن "ذلك يرجع إلى دبلوماسية الساعات الأخيرة التي قامت بها الولايات المتحدة ودول إقليمية عربية، والأهم وزير الخارجية عباس عراقجي خلال الأيام الماضية، عبر عروض التهديد والإغراء التي قدمها للعديد من دول المنطقة".
وأضاف أن "ما يهم إيران ليس ما يحاول أن يقوله البعض بأنها تراجعت أو قدمت تنازلات من أجل أن لا ترد إسرائيل بردها المزلزل، ففكرة التراجع التكتيكي في القاموس السياسي الإيراني تُعرف عادة بأنها خطوة للوراء من أجل كسب عشرة خطوات للأمام، وهذا ما حصل مع الضربة الأخيرة، فهي تقبلت الضربة، لكنها كسبت النظام والبرنامج النووي وغيرها من المنشآت الحيوية في البلاد".
وأوضح أن "المهم أيضاً بالنسبة لإيران أنها كسبت لنفسها فصول جديدة من الصراع، ونجحت حتى الآن بحصر الحرب في نطاق غزة ولبنان، وأجلت سيناريو الحرب المفتوحة التي طالما راهن عليها نتنياهو مطولاً".
وتابع أنه "ليس واضحاً ما قد يكون عليه شكل الرد الإيراني، ولكن الثابت أن إيران هي من سيقرر شكل المرحلة المقبلة، ما بين الذهاب نحو التصعيد، أو ممارسة دبلوماسية جديدة الهدف منها إنهاء الحرب في لبنان، خصوصاً وإن إدارة بايدن مستعدة لفعل أي شيء من أجل توفير بيئة آمنة في مرحلة ما قبل الانتخابات الرئاسية".
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام