أثار اعتقال السلطات السعودية للضابط العراقي عمر نزار المتهم سابقا والمبرأ لاحقا من تهم قتل المتظاهرين العراقيين في مدينة الناصرية ردود أفعال عراقية مؤيدة وأخرى داعية لإعادته للعراق ومحاكمته فيه عن جرائم قتل المتظاهرين.

وبحسب عراقيين فإن نزاراً كان يفترض ومنذ مدة طويلة أن ينال جزاءه وهو الإعدام عن جريمة قتل المتظاهرين في مجزرة جسر الزيتون نهاية 2019، وينتقد هؤلاء السلطات العراقية بسبب إفراجها عن نزار، ويطالبون بأن تشمله إجراءات العدالة عن التهم الموجهة إليه سابقا.

بالمقابل يرى رافضون لاعتقال نزار أن سبب الاعتقال هو موقف سياسي اتخذته السعودية بسبب خلافاتها مع إيران والداعمين لها في المنطقة ومنهم حزب الله الذي خرج عمر نزار بمقطع فيديو عبر وسائل التواصل الاجتماعي وهو يدعو له بالنصر ولأمينه العام السابق حسن نصر الله بالرحمة أثناء طوافه حول الكعبة خلال تأدية مناسك العمرة.

كيف اعتقل ولماذا؟

بحسب المعلومات فإن اعتقال عمر نزار الذي يشغل حاليا منصب آمر فوج في قوات الرد السريع، جاء خلال تواجده في مكة المكرمة لتأدية مناسك العمرة الأسبوع الجاري، تم تأكيدها من مصادر صحفية عراقية وسعودية، فضلا عن تأكيد الحادثة من قبل محامي الضابط الموقوف حاليا لدى السلطات الأمنية السعودية لأغراض التحقيق.

وفي حديث لإسماعيل الراشد محامي المقدم في قوات التدخل السريع عمر نزار أشار إلى أن قوات الأمن السعودية أوقفت نزار بتهمة مخالفة القانون السعودي ومحاولة زعزعة الأمن.

وقال الراشد: إن "الأمن اعتقل نزار من الفندق الذي يقيم فيه، ثم قامت بالتحقيق معه خلال اليومين الماضيين، وبعد ذلك أحالته إلى النيابية "قاضي التحقيق" من أجل إكمال إجراءات التحقيق معه قضائيا عن تهمة تهديد الأمن الداخلي السعودي بسبب مقطع فيديو نشره قبل أسبوع من توقيفه ظهر فيه وهو يدعو لحزب الله اللبناني بالنصر.

وأوضح المحامي أن نزار مودع حاليا لدى الأمن العام السعودي لمواصلة التحقيق معه لخرقه القانون السعودي بالرغم من أن النيابية لم تثبت عليه أي أمر يمكن من خلاله تنفيذ حكم قضائي عليه.

ولم يشر الراشد في حديثه إلى صلة التهم السابقة الموجهة له في العراق عن قتل المتظاهرين وغيرها من التهم في حادثة توقيفه في المملكة العربية السعودية.

 

لا تعليق حكوميا

ولم يصدر عن الحكومة العراقية ووزارة الداخلية أي تعليق على الحادثة، لكن مصدرا في الداخلية أكد في تصريح مقتضب لشبكة "الساعة" أن الوزارة بدأت بالتحرك عبر وزارة الخارجية لمتابعة الموضوع والإفراج عن المقدم عمر نزار وإعادته بسرعة إلى العراق.

 

معاقبة نزار مطلب ذوي الضحايا

وأكد الناشط من مدينة الناصرية أمير السعدي أن الإفراج عن عمر نزار من قبل السلطات العراقية تسبب بانعدام ثقة العراقيين بالجهات الرسمية الحكومية والقضائية.

وقال السعدي في حديث لشبكة "الساعة": إن "خبر توقيف عمر نزار مفرح ومحزن في ذات الوقت، لأنه تم اعتقاله في السعودية لمجرد ارتكابه مخالفة وخرق لتعليمات الدولة التي كان فيها، بينما في العراق يتورط بقتل عشرات الشباب من المتظاهرين العزل ثم يكرم ويطلق سراحه ويحصل على ترقية في رتبته العسكرية".

واستبعد أن يكون هناك علاقة بين التهم السابقة الموجهة للضابط العراقي وبين توقيفه في السعودية، رغم أمله في أن يكون هناك ملاحقة دولية لمرتكبي جرائم القتل والإبادة والمجازر في العراق حسب تعبيره.

وأضاف: أن "الإفراج عن نزار قبل أشهر أصاب ذوي الضحايا بخيبة الأمل، حيث بات من الطبيعي في العراق الإفلات من العقاب وعدم محاسبة القتلة ما دامت أحزاب السلطة الحالية هي ذاتها وهي التي تفرض سيطرتها ونفوذها على مختلف مؤسسات الدولة".

وأكد السعدي أن العشرات من عائلات الضحايا لم ولن يتركوا دماء أبنائهم وسيبقون يضغطون عبر الطرق القانونية المتاحة أمامهم من أجل الاقتصاص من عمر نزار وغيره ممن تورط بعمليات قتل المتظاهرين العراقيين.

 

ذوو الضحايا يتوعدون بالملاحقة

ويصر ناشطون وذوو ضحايا مجزرة الزيتون على ملاحقة المتهم عمر نزار قضائيا بعد تبرئته سابقا من التهم الموجهة إليه لعدم كفاية الأدلة.

وقال عباس كامل وهو أحد الناشطين في تظاهرات الناصرية وشقيق أحد الضحايا الذين قتلوا في مجزرة جسر الزيتون في تصريح لشبكة "الساعة": إن "هناك تحركا من ذوي الضحايا لتقديم طعون وشكاوى جديدة تمهد لمحاكمة عمر نزار".

وشكك كامل بعدالة قرار تبرئة نزار، لأن الأدلة ومقاطع الفيديو وشهادات الشهود كلها تصب في خانة إدانة المتهم عن جريمة قتل المتظاهرين.

ولفت إلى أن ذوي الضحايا يعلمون جيدا بوجود تلاعب في ملف التحقيق الذي أفضى في النهاية إلى البراءة، مبينا أن 22 عائلة من ذوي الضحايا قدموا طلبا لتصحيح للتمييز مع تقديم الأدلة ومقاطع الفيديو الخاصة بالحادثة، حيث قدمت لمجلس القضاء الأعلى لمطالبتهم بإعادة فتح ملف الدعوى مجددا.

 

الإفراج عن المتهم

وأفرجت السلطات العراقية عن المقدم عمر نزار المتهم بقتل المتظاهرين فيما يعرف بمجزرة جسر الزيتون في مدينة الناصرية مركز محافظة ذي قار في العام 2019.

إذ قررت محكمة التمييز الاتحادية في الـ 14 من أغسطس/ آب الماضي، الإفراج عن الضابط عمر نزار، بعد صدور حكم سابق بحقه بالمؤبد عن حادثة جسر الزيتون.

وأظهرت وثائق حصلت عليها شبكة "الساعة" في وقت سابق توجيه محكمة التمييز بغلق التحقيق ونقض كافة القرارات الصادرة في الدعوى وإلغاء التهمة الموجهة ضد الضابط والإفراج عنه، وجاء القرار بحسب الوثيقة، لعدم كفاية الأدلة المتحصلة وإخلاء سبيله عن هذه القضية وإشعار إدارة السجن بذلك.

وأثار الإفراج عن المُدان السابق بجريمة قتل المتظاهرين عمر نزار غضب الناشطين في تظاهرات تشرين وذوي الضحايا، الذين أكدوا رفضهم لما وصفوه خضوع القضاء للضغوطات والأجندة السياسية حسب تعبيرهم.

وأصدر القضاء العراقي حكما بالسجن المؤبد بحق نزار في يوليو/ تموز من العام الماضي على خلفية تقديم حوالي 95 عائلة شكاوى ضد الضابط بتهمة تورطه بقتل المتظاهرين على جسر الزيتون.

 

جرائم أخرى تلاحق عمر نزار

ولم تك تهمة قتل المتظاهرين هي الوحيدة التي وجهت لعمر نزار، ففي وقت سابق، كشفت منظمة "إنهاء الإفلات من العقاب"، بالوثائق والتسجيلات عن ضلوع الضابط في قوات الرد السريع، بارتكاب جرائم قتل وتعذيب بحق المدنيين خلال العمليات العسكرية في الموصل ضد تنظيم "داعش"، عام 2016، وكذلك اغتصاب إحدى النساء، فضلا عن تورطه بحادثة جسر الزيتون خلال الاحتجاجات الشعبية التي شهدتها مدن عراقية عدة عام 2019.

ومجزرة جسر الزيتون، ارتُكبت على مدار يومين، وبدأت مساء الثامن والعشرين من نوفمبر / تشرين الثاني 2019 قرب جسر الزيتون في مدينة الناصرية بعد هجوم مسلح شنته قوات الأمن العراقية ضد المتظاهرين استمر يومي التاسع والعشرين والثلاثين، وخلف 70 قتيلا، ونحو 500 مصاب.

وجاءت الحادثة وما تبعها من عمليات استهداف للمتظاهرين في ذي قار، عقب يوم واحد من اقتحام وحرق القنصلية الإيرانية في محافظة النجف.

وكانت مجزرة الزيتون السبب المباشر وراء استقالة رئيس الوزراء الأسبق عادل عبد المهدي، الذي أعلن في 29 تشرين الثاني 2019 نيته تقديم استقالته إلى البرلمان والتي وافق عليها مجلس النواب عقب يومين لتكون أول استقالة يتقدم بها رئيس وزراء في عراق ما بعد 2003.

وكانت حادثة استهداف متظاهري الناصرية حلقة ضمن مسلسل استهداف تظاهرات تشرين التي راح ضحيتها أكثر من 800 قتيل وأكثر من 25 ألف مصاب، أغلبهم من العاصمة بغداد ومحافظة ذي قار جنوبي العراق.

وفي تقرير صدر بعد أيام من اعتقال الضابط عمر نزار وصفت منظمة "هيومن رايتس ووتش" الدعوى ضد الضابط العراقي بأنها نقطة مفصلية للمساءلة.

وقالت المنظمة إن "أهمية القضية لا تقتصر على كونها إحدى الحالات القليلة التي تلاحق فيها السلطات ضابطا أمنيا كبيرا لارتكاب جرائم ضد المدنيين، بل هي مهمة أيضا لأن الحكومات السابقة تقاعست عن التحرك".