على الرغم من التزام الحكومة العراقية بخيار التهدئة وعدم التصعيد إزاء الأحداث التي تشهدها المنطقة عقب العدوان الإسرائيلي في غزة وجنوب لبنان، إلا أن الموقف العراقي لا يقتصر على الموقف الحكومي الرسمي، فالفصائل المسلحة القريبة من إيران والتي تسيطر على القرار الأمني والسياسي في العراق اختارت الدخول في المواجهة منذ بدء التصعيد عقب السابع من أكتوبر 2023.
خيار الفصائل والقوى السياسية التي تدعمها خلق تضاربا في المواقف العراقية تجاه الأحداث الجارية، فالموقف في العراق بات منقسما إلى موقفين، الأول تتبناه الحكومة بمؤسساتها رغم أنها حكومة إطار تنسيقي، والثاني تتبناه الجماعات المسلحة التي تحرك الحكومة وتضبط إيقاعها بحكم أنها التي قادت عملية تشكيلها وإيصالها للسلطة.
تبنت الحكومة العراقية الموقف الداعم للقضية الفلسطينية ورفض العدوان على غزة وجنوب لبنان ومحاولات جر العراق وسوريا واليمن وإيران إلى المواجهة مع "إسرائيل"، ولجأت في هذا الدعم إلى الجانب اللوجستي والإنساني والإغاثي، إلى جانب التحرك السياسي من أجل وقف العدوان الإسرائيلي.
أما الفصائل فبدأت بعد المعركة الدائرة في غزة بقصف القواعد الأمريكية المتواجدة في العراق، على اعتبار أن الولايات المتحدة هي الداعم الرئيس للاحتلال الإسرائيلي في هذا العدوان.
تطورت مشاركة الفصائل العراقية في المواجهة إلى قصف الأهداف والمواقع "الإسرائيلية" ولاسيما خلال الأشهر الأربعة الماضية، وتوجت تلك المشاركة باستهداف قاعدة عسكرية "إسرائيلية" في الجولان السوري في الـ 3 من أكتوبر / تشرين أول الجاري، عندما أسفرت إحدى الهجمات بالطائرات المسيرة عن مقتل جنديين "إسرائيليين" وإصابة 25 آخرين إصابة بعضهم خطيرة، وهو ما تفاخرت به الفصائل لاحقا على عكس الحكومة العراقية التي تخشى من عواقب هذا الهجوم والرد "الإسرائيلي" عليه داخل العراق.
الفصائل تهدد دول المنطقة
ولم يقتصر موقف الفصائل المسلحة العراقية على التصعيد مع "إسرائيل" بل تعدى الأمر إلى تهديد دول المنطقة ولا سيما السعودية والإمارات، وهو ما توعد به زعيم كتائب سيد الشهداء أبو آلاء الولائي، الذي عد الدعم المقدم من البلدين العربيين للاحتلال الإسرائيلي سيجعلها هدفا مشروعا لفصائل المقاومة.
وسبق أن هدد الولائي باستهداف دولة الإمارات العربية المتحدة، التي عدها موقعا متقدما للاحتلال الإسرائيلي في الخليج وخط الاستهداف الأول لنيران المقاومة في حال اندلعت الحرب الشاملة.
وأضاف الولائي، أن "صواريخ المقاومة في العراق وطائراتها المسيرة باتت تصل إلى عمق الكيان الصهيوني، وسيكون من السهل عليها جداً بلوغ المواقع البديلة للكيان في المنطقة".
تلويح بحرب الطاقة
كما لوحت كتائب حزب الله العراقية بحرب الطاقة في الخليج والمنطقة، إذ هددت بفقدان العالم أكثر من 12 مليون برميل نفط يومياً، ما إن تبدأ حرب الطاقة.
وقال المتحدث باسم الكتائب أبو علي العسكري في تغريدة على منصة "X"، إن "المنطقة أمام خيارين، إما أن ينعم الجميع بالخيرات، أو يُحرَم الجميع"، بينما أكد العراق سابقا السعي إلى حماية الممرات البحرية لنقل النفط في الخليج العربي، وسط تحذيرات من اتساع رقعة الحرب بين "إسرائيل" وإيران.
الحكومة تتبرأ من تصعيد الفصائل
كل ما سبق دفع الحكومة العراقية إلى الخروج من حالة الصمت تجاه التصعيد الذي تمارسه الفصائل ومحاولتها زج العراق في الحرب، إذ شددت على أن الموقف الرسمي في العراق لا تمثله إلا الحكومة العراقية.
وأكد المتحدث باسم الحكومة باسم العوادي أمس الثلاثاء أن المواقف الرسمية للعراق تعبّر عنها الحكومة حصراً.
وقال العوادي في بيان ورد لشبكة "الساعة"، إن "الحكومة العراقية تؤكد مضيها في دعم كل الجهود الدولية والإقليمية الرامية الى وقف العدوان الصهيوني على أهلنا الصامدين في غزّة ولبنان، وتوظيف كل حضورها الدولي والإقليمي، والروابط مع الأشقاء والأصدقاء، من أجل ذلك الهدف، فضلاً عن إغاثة ودعم صمود الشعبين اللبناني والفلسطيني".
وأضاف العوادي: أن "الحكومة تشدد على رفضها طروحات التخوين الموجّهة للأشقاء والإساءة لهم، ولا سيما هم يسعون في ذات السبيل الى حماية الشعب الفلسطيني وتأكيد حقّه، وكذلك حق الشعب اللبناني، في السيادة على أرضه وحماية حدوده".
وتابع: أن "المواقف الرسمية للعراق تعبر عنها الحكومة حصراً، بسياساتها وخطواتها المُستندة إلى الدستور والنظام الديمقراطي، ومسؤوليتها في رسم السياسات العامة، وتقدير المصلحة العليا للشعب العراقي".
الفصائل تقامر وتزج العراق في الخطر
واتهم عضو مجلس النواب العراقي عن الحزب الديمقراطي الكردستاني ماجد شنكالي قوى اللا دولة بمحاولة زج العراق في الحرب الدائرة في المنطقة وتعريض أمن واقتصاد البلاد للمخاطر.
وقال شنكالي في تصريح لشبكة "الساعة"، إن "قوى اللا دولة اتخذت قرار الدخول في الحرب دون عمل أي حساب للدولة ومؤسساتها".
وأضاف شنكالي: أن "تلك الجهات وبسبب نزوات قادتها الباحثين عن المجد الزائف والمكانة لدى ولاة أمرهم يعرضون أمن وسياسة واقتصاد العراق للخطر والعواقب الكبيرة".
وأكد النائب أن العيب ليس في هؤلاء القادة الذين يعرضون أمن العراق للخطر، ولكن العيب في المؤسستين التشريعية والتنفيذية في العراق لسماحهما لهؤلاء بالتمدد على الدولة ومؤسساتها والمقامرة بأمن الدولة واستقرارها واقتصادها من أجل أهوائهم ومصالح من يتبعونهم.
أما النائب المستقل سجاد سالم فانتقد بشدة في تغريدة على منصة "X" محاولة بعض الجهات إشعال حرب الطاقة في المنطقة عبر العراق.
وقال النائب سجاد سالم، إن "الفصيل المسلّح الذي يهدد بحرب الطاقة هل يستطيع تأمين رواتب شهرين فقط إذا توقّف تصدير النفط العراق"؟
الحكومة تخلي مسؤوليتها
ويرى أستاذ العلوم السياسية في الجامعة المستنصرية عصام الفيلي أن الحكومة العراقية تحاول أن تؤكد أن تصعيد الفصائل وتهديدها لدول المنطقة ومحاولتها إدخال البلاد في الحرب لا تمثل الحكومة ولا الموقف الرسمي العراقي.
وقال الفيلي في تصريح لشبكة "الساعة"، إن "ما تحدث به بيان الحكومة يؤكد على سيادة الدستور الذي ينص على الحرص على إقامة علاقات متوازنة مع دول الجوار وعدم التدخل بالشؤون الداخلية واحترام الاتفاقيات الدولية، وألا يكون مصدر تهديد بالمنطقة، فضلا عن تغليب المصلحة العراقية على المصالح الأخرى".
وأضاف أن "البيان الحكومي الأخير أراد أن يبعث رسالة واضحة مفادها أن خطاب الفصائل والإعلان عن دخولها المعركة ضد (إسرائيل) والتلويح بحرب الطاقة والتهديدات التي تطلقها لدول الجوار لا تمثل الموقف الرسمي العراقي".
وأوضح الفيلي أن "بعض الجهات هددت بإيقاف تصدير النفط ومنع المنطقة من تصدير أكثر من 12 مليون برميل وتعطيل العمل في مضيقي باب المندب وهرمز ما يعني أن العالم سيدخل في كارثة كبيرة سببها العراق، في حين أن حكومة السوداني لا تريد أن تدخل في الصراع وفي محور على حساب محور آخر لأنها تدرك أن ذلك سيؤدي إلى حرب كارثية في المنطقة".
وأشار إلى أن "بعض الفصائل تريد أن تضع دول الخليج في دائرة الاستهداف، محذرا من ذلك سيجر المنطقة إلى حرب كارثية في وقت تسعى دول الخليج إلى التهدئة وأن تكون جزءًا من محور السلام".
ونوه الفيلي إلى أن "عدم رد الحكومة وعدم اتخاذ موقف تجاه التهديدات ومحاولات التصعيد والسعي لزج العراق بالمعركة من قبل الفصائل فإنه سيؤدي إلى نتائج وعواقب وخيمة على العراق وعموم المنطقة".
الفصائل فوق الدولة
من جهته يؤكد الناشط السياسي عبد القادر النايل أن الفصائل العراقية التي ترتبط بإيران ترى أنها هي التي تدير حكومة السوداني التي جاءت عبر فوهات بنادقها.
وقال النايل في حديث لشبكة "الساعة"، إن "الفصائل في العراق تأخذ قرارها من خارج العراق وفي أدبياتها تظن أنها أعلى من الحكومة وأن وجود حكومة الإطار التنسيقي الحالية بإدارة السوداني جاءت عبر فوهات بنادقها ولابد أن تكون خاضعة ومسيرة لمسؤولي هذه الفصائل".
وأضاف أن "سيطرة الحرس الثوري الإيراني على قرار الفصائل عقد الأمور كثيرا لأنه يسيطر على القرار ومفاصل إدارة هذه الفصائل علما أن الدستور الحالي النافذ يجرم أي سلاح أو تشكيل مسلح خارج الدولة".
وأشار النايل إلى أن "التماهي الحكومي والقضائي واضح على ازدواجية التعامل على أسس طائفية لأنه لو كانت هذه الفصائل من غير مذهب لتم محاكمتها على قانون الإرهاب".
وتابع أن "تهديدات هذه الفصائل للسعودية والإمارات عبر مسؤوليها تدلل أن محور إيران لا يستطيع مواجهة الكيان ويريد حرف بوصلة الصراع إلى الدول المجاورة وهو خنجر أن حدث سيكون في ظهر المقاومة الفلسطينية الحقيقة لأن محور هذه الفصائل والمليشيات تصعيدها إعلامي إلى الآن بالرغم من اغتيال حسن نصر الله مؤخرا".
ولفت النايل إلى أن "من يمتلك القرار في العراق ليس الحكومة إنما هذه الفصائل وإذا أرادت الحكومة أن تثبت نفسها للشارع العراقي يجب عليها اعتقال كل خارج عن القانون ويهدد دول الجوار ويهدد بإدخال العراق في صراع نزولا عند رغبات وتوجيهات إيران".
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام