فضائح الفساد لا حصر لها في العراق، فمن سرقة القرن إلى التلاعب بجداول الموازنة، مرورا بسرقة سكك الحديد ووصولا إلى الفساد بمشروع الموانئ العراقية، فما أن يتم الكشف عن صفقة فساد مدوية حتى يتم الكشف عن صفقات أخرى أشد دويا، وسط غياب مثير للعدالة والقصاص من المتورطين بتلك الصفقات.

آخر ما أثير من ضجات إعلامية حول صفقات الفساد في العراق، ما كشف عنه رئيس هيئة النزاهة القاضي حيدر حنون الذي فجر مفاجآت تتعلق بقضية الأمانات الضريبية، وملف مكافحة الفساد في العراق.

وخلال مؤتمر صحفي، عقده حنون في مدينة أربيل كشف حنون عن معلومات جديدة تتعلق بقضية الأمانات الضريبية، أو ما يعرف بــ"سرقة القرن"، إذ قال إن "المتهم الرئيس في القضية نور زهير زوّر 114 صكاً ماليا، ويجب معاقبته بـ114 حالة تزوير، وليس جمع القضية في ملف واحد"، كما كشف عن أن "زهير متورط بسرقة 720 دونما في شط العرب جنوب العراق".

وكشف رئيس هيئة النزاهة، في المؤتمر الصحفي الذي غلب عليه التوتر والصراخ عن صدور مذكرة قبض بحقه على خلفية التحقيق في "سرقة القرن"، وقال حنون: إن "القاضي ضياء جعفر (الذي يحاكم زهير) يلاحقني، وأصدر أمر إلقاء قبض بحقي، مع العلم بأن القضية كانت في البصرة، ونقلت إلى بغداد لدى القاضي جعفر، لكن الملفات اختفت عنده"، لافتا إلى أن "نور زهير كان بمثابة العربة التي حملت فيها الأموال".

واتهم القاضي حيدر حنون: "القاضي ضياء جعفر (الذي يحاكم زهير منذ أشهر) بتواطئه مع المتهم بسرقة الأمانات الضريبية، وعدم العمل بجدية لكشف ملابسات القضية"، مطالباً البرلمان" "باستجوابه (حنون) ومعه القاضي (جعفر)، لفهم ملابسات ما حصل، وبشكل علني أمام الملأ".

كما لفت حنون إلى "تسلم قضاة ووزراء قطع أراضٍ بمساحات كبيرة تصل إلى 600 متر في أماكن مهمة وحيوية ، من الحكومات السابقة لضمان الولاء". حسب تعبيره.

من هو حيدر حنون؟

القاضي حيدر حنون سبق أن أعفاه مجلس القضاء الأعلى من منصب رئيس محكمة استئناف ميسان «لفشله في تلك المهمة بارتكابه عددا من المخالفات الإدارية والمالية التي أحيل بسببها إلى اللجنة الانضباطية في مجلس القضاء الأعلى لإجراء محاكمته عليها وفق القانون، "وفقا لبيان الناطق الرسمي باسم مجلس القضاء الأعلى عام 2016".

ثم ظهر حنون لاحقا مرشحا لانتخابات مجلس النواب لعام 2018 ضمن تحالف الفتح الذي يرأسه هادي العامري رئيس منظمة بدر ثم ظهر اسمه ثانية 2021 في بيان لمجلس القضاء الأعلى يعلن فيه توليه منصب رئيس محكمة استئناف ميسان ثانية.

وفي 2022 تم تعيين القاضي حيدر حنون رئيسا لهيئة النزاهة من قبل رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي.

القضاء على المحك

وتعليقا على ما ورد في المؤتمر الصحفي لرئيس هيئة النزاهة، أكد المحلل السياسي نزار حيدر أن المؤتمر كشف أن الفساد والرشوة غير بعيدين عن القضاة، بمن فيهم قاضي النزاهة ذاته الذي اعترف على نفسه.

وقال حيدر في حديث لشبكة "الساعة": إن "ملفات الفساد الكبرى في العراق يتم إغلاقها من قبل القضاة على وجه التحديد لأسباب عدة منها الرشوة".

ولفت إلى أن "تصريحات القاضي حنون كانت بمثابة الضربة الاستباقية أو ما يعرف بالهروب إلى الأمام، وذلك بعد أن تكشفت الكثير من خفايا سرقة القرن التي استغرقت وقتا طويلا، وحجم ارتباطاتها بملفات فساد عدة ترتبط برؤوس كبيرة وتساهل القضاء في التعامل معها"، مبينا أن "القاضي حنون بادر هو لكشف المتهمين بالتورط بالقضية قبل أن يبادروا هم ويوجهوا له التهم".

وأضاف حيدر: أن "القضاء أصبح على المحك فإما أن يدافع عن نفسه ويرد التهم التي وجهها له حنون، ويقنع الرأي العام بأنه ما زال نزيها لم يتورط بفساد السلطة وأحزابها وزعاماتها الفاشلة، أو أنه سيفشل في ذلك ليتأكد وقتها للعراقيين بأن القضاء بات جزءا لا يتجزأ من منظومة الفساد في الدولة العراقية".

سرقة سكك الحديد

كما كشف رئيس هيئة النزاهة حيدر حنون في مؤتمره المثير للجدل عن هدر للأموال ضمن سرقة القرن في عقد تطوير السكك الحديد بقيمة 18 مليار دولار، وأكد أن ملف العقد سلم إلى القاضي (ضياء جعفر) المختص بقضايا النزاهة منذ شهرين دون أي تقدم في الإجراءات التحقيقية.

وأضاف حنون: أن "سكك العراق جرى بيعها بالكامل من خلال قضية سرقة القرن التي لم يتم النظر بها من قبل مجلس القضاء الأعلى والقاضي المخول بملفات النزاهة ضياء جعفر منذ شهرين".

النقل تنفي

من جانبها، علقت وزارة النقل العراقية على الاتهامات الموجهة إليها بوجود عمليات هدر مالي في عقود إنشاء وتأهيل خطوط السكك الحديد والقطارات، ونفت على لسان المتحدث باسمها ميثم الصافي وجود أي علاقة لها مع المتهمين بصفقة القرن.

تهمة فساد جديدة في سكك الحديد

وفي سياق تهم الفساد التي طالت سكك الحديد في العراق، كشف رئيس لجنة الاقتصاد والاستثمار البرلمانية ياسر الحسيني عن فساد في عقد إنشاء سكك الحديد في العراق تفوق قيمته فساد سرقة القرن بعشرة أضعاف.

وقال النائب ياسر الحسيني في تصريحات إعلامية تابعتها شبكة "الساعة": إن "قيمة العقد أكثر من 22 مليار دولار، وأن شركة يملكها المتهم الرئيسي بسرقة الأموال الضريبية؛ نور زهير، منخرطة في الائتلاف الذي وقّع العقد مع الشركة العامة للسكك التابعة لوزارة النقل".

وأكد أن "خط السكك يمتد من البصرة جنوباً ويصل إلى منطقة فيشخابور بمحافظة دهوك شمالاً، إلى جانب خط سكك آخر يربط بين كربلاء ومنفذ عرعر الحدودي مع السعودية".

ووفق الحسيني، فقد "وقعت الشركة العامة للسكك العقد في مايو / آيار الماضي، مع ائتلاف مكون من شركة كورية وشركتين عراقيتين"، مضيفاً أن "إحدى هاتين الشركتين يديرها المتهم بسرقة الأموال الضريبية نور زهير".

وشدد النائب على أن "العقد يتضمن أن تقدم شركة السكك ووزارة النقل ضمانة سيادية لائتلاف الشركات التي ستحصل على أموالها من شحنات النفط العراقية".

ويشير إلى أن "ائتلاف الشركات تمكن من الحصول على موافقة حكومية بأن يضاف مبلغ 4 تريليونات دينار عراقي (نحو 2.5 مليار دولار) إلى الخطة الاستثمارية في موازنة عام 2024؛ وذلك بهدف ضمان أن تباشر الشركات مهامها في تنفيذ بنود العقد".

وسبق للنائب الحسيني أن "ترأس لجنة للتحقيق في شبهات فساد بالموانئ العراقية، وكشف في تموز الماضي بأن لجنته تمكنت من كشف هدر 20 تريليون دينار وأن ذلك ليس شبهات بل حقيقة، وهناك أدلة كثيرة ترافقها عقود طويلة ترهن خيرات العراق لجهات سياسية فاسدة، إضافة إلى أن حجم الضغوط كشف عن هوية من يريد إبقاء آفة الفساد تنخر في الموانئ".

الصراع يكشف الفساد

في مقالة نشرها الباحث والمحلل السياسي مصطفى الكبيسي في صحيفة الشرق الأوسط، أكد فيها أن مراجعة الوقائع المتعلقة بسرقة القرن تظهر أن هذه الفضيحة لم تكتشف إلاَ بسبب الصراع السياسي بين المتنفذين الكبار على حصصهم.

وقال الكبيسي إن "فضيحة سرقة القرن كشفت أيضا أن سلطات الدولة التنفيذية والتشريعية والقضائية، والمؤسسات المعنية بمكافحة الفساد (هيئة النزاهة وديوان الرقابة المالية) فضلا عن مصرف الرافدين والبنك المركزي، كلها كان لها دور مباشر أو ضمني في هذه السرقة، وفي محاولة التغطية عليها".

وأضاف أن "العراق اليوم أمام فضيحة تؤكد الطبيعة الكلبتوقراطية/ اللصوصية للنظام السياسي في العراق، وكيف أن التلاعب والانتهاكات والسرقات لا تظهر إلا عند تصادم السلطات أو الفاعلين السياسيين فيما بينهم على المصالح والاستثمارات الشخصية، ومحاولة كسر الأذرع بينهم!".

ضربة للنظام السياسي

ويؤكد مراقبون للشأن العراقي بأن التطورات الأخيرة والمعلومات التي كشف عنها رئيس هيئة النزاهة تمثل ضربة كبيرة للنظام السياسي في العراق.

وقال الباحث والمحلل السياسي منهل الغريري في حديث لشبكة "الساعة": إن "المعلومات الأخيرة التي أدلى بها القاضي حيدر حنون تمثل ضربة كبيرة للنظام الحالي  الذي بنته الولايات المتحدة بعد 2003، ورعاه النظام الإيراني خلال العقدين الماضيين".

وأضاف الغريري: أن "المعلومات التي كشفت تثير العديد من علامات الاستفهام حول جدية الهيئات الخاصة بالنزاهة والقضاء العراقي بالعمل على محاربة الفساد، بل والأكثر من ذلك بدأت صفقات الفساد الأخيرة وما  يثار حولها من تداعيات تثير الشكوك بتورط كبار المسؤولين والقضاة بتلك الصفقات وهو ما أكده حنون نفسه".

غياب الإرادة السياسية لمكافحة الفساد

من جهته يؤكد رئيس مؤسسة النهرين للشفافية لمكافحة الفساد محمد الربيعي أن استشراء الفساد في العراق سببه غياب الإرادة السياسية لمكافحته.

وقال الربيعي في حديث لشبكة "الساعة": إن "العراق يعاني من وجود منظومة فساد متكاملة تنخر بالدولة وجميع المؤسسات فيها"، مشيرا إلى أن "الحقيقة المرة تتمثل بأن الدولة ضعيفة أمام منظومة الفساد هذه".

وأضاف أن "سرقة الأمانات الضريبة ما هي إلا ملف واحد من عدد كبير من ملفات الفساد الكبرى في البلاد"، وتسائل عن "إثارة هذه السرقة وتداعياتها أثار كل هذه الضجة فكيف لو أثيرت صفقات الفساد الأخرى؟".

وتوقع الربيعي: "ظهور العديد من صفقات الفساد الكبيرة في البلاد ومنها سرقة الإمانات الكمركية وسرقة أمانات المقاولين وغيرها من السرقات الكبيرة".

ولفت إلى أن "انعدام الشفافية في جميع مؤسسات الدولة فاقمت من مشكلة الفساد، حيث إن المؤشر الدولي للشفافية أظهر أن العراق في ذيل البلاد في ملف الفساد وأن شفافية الموازنة لا تزيد عن 9% فقط، ما يعني أن موازنة العراق والتي تبلغ 100 مليار دولار لا يعلم أين تذهب باستثناء الـ 9% منها والتي تظهر في البيانات المالية لمؤسسات الدولة".

وشدد الربيعي على أن "مكافحة الفساد تحتاج إلى إرادة سياسية حقيقة غير أن العراق لا يتملك هذه الإرادة لغاية الآن، وما يفسر استمرار الفساد ويرجح ظهور العديد من ملفات الفساد مستقبلا.

فضيحة التلاعب بجداول الموازنة

والشهر الماضي، تم الكشف عن صفقة فساد جديدة داخل البرلمان العراقي تتمثل بالتلاعب في جداول الموازنة للعام 2024 والتي صوت عليها البرلمان في حزيران/ يونيو الماضي.

وأكدت لجنتا النزاهة والمالية البرلمانيتين ذلك التلاعب، وكشفت عنها قبل ذلك مراسلات من مجلس الوزراء لرئاسة البرلمان تتحدث عن تغييرات جوهرية في الجداول والأرقام الواردة في الموازنة.

وبحسب عضو اللجنة المالية النيابية محاسن حمدون فقد قدرت حجم التلاعب في جداول الموازنة بنحو 15 تريليونا دينار عراقي أي ما يعادل 10 مليارات دولار.

وأكدت حمدون في حديث لشبكة "الساعة" أن "اللجنة التحقيقية التي شكلتها اللجنة المالية باشرت بأعمالها لكنها لم تتوصل إلى الجهات التي قامت بالتزوير ولم تحددها إن كانت في مجلس النواب أو في مجلس الوزراء".

وقالت حمدون: إن "اللجنة ستواصل أعمالها بشكل مكثف خلال أيام بعد انتهاء الزيارة الأربعينية وستقدم نتائج التحقيق للقضاء والجهات المعنية".

وأكدت عضو اللجنة المالية أن "التلاعب والتزوير جرى بعد قراءة اللجنة للجداول وتسليمها لرئاسة البرلمان لغرض التصويت عليها من قبل البرلمان، حيث حصل التصويت دون مناقشة الجداول بسبب وجود توافقات برلمانية على تمريرها كما وردت من الجانب الحكومي"، مشددة على أن "اللجنة المالية لم تقم بإجراء أي تعديلات على الجداول ما يعني إخلاء مسؤولية اللجنة عن التلاعب والتزوير الحاصل".

وأشارت إلى أن "الحكومة ووزارة المالية لن تتعامل مع الموازنة التي فيها جداول مزورة، بل ستعتمد على الجداول المقدمة من الحكومة قبل التلاعب".

وأضافت حمدون: أن "التلاعب والتزوير حصل في أبواب عديدة منها زيادة الإيرادات النفطية بمقدار 5 تريليونات دينار، وزيادة تخصيصات وزارة التجارة من واحد ونصف تريليون إلى 6 تريليونات، وكذلك مناقلة الرسم المفروضة في ملف الكهرباء والتي تقدر بـ 3 تريليونات دينار وغيرها".