أثارت تحركات عسكرية لقوات الحشد الشعبي باتجاه حقول نفطية بين محافظتي ديالى والسليمانية خلال اليومين الماضيين المخاوف من صدام بين قوتي الحشد والبيشمركة الكردية.
لكن حالة التوتر والمخاوف من الصدام هي الظاهرة في العلن، أما في الخفاء فثمة توافقات سياسية على الأرض ورسائل متبادلة بين الحشد الشعبي وحزب الاتحاد الوطني الكردستاني بزعامة بافل طالباني المعروف بقربه من قوى الإطار التنسيقي الحاكمة في البلاد والتي تمثل الواجهة السياسية للحشد الشعبي.
وتضاربت الآراء الواردة بشأن التحركات التي قامت بها الأحد الماضي قوة تابعة للحشد الشعبي باتجاه منطقة كرميان وتمركزها في منطقة كولاجو التي توجد فيها نحو 3 حقول نفطية.
ومنطقة كرميان امتداد جغرافي طويل من محافظة ديالى وصولاً إلى محافظتي كركوك والسليمانية، وهي من المناطق التي باتت تعرف بـالمناطق المتنازع عليها بين حكومتي المركز في بغداد وإقليم كردستان.
ورغم وقوع معظم مناطق كرميان خارج السليمانية وإقليم كردستان إدارياً، فإنها منطقة نفوذ جغرافي وسياسي يديرها حزب الاتحاد الوطني ويسيطر على معظمها.
وبحسب وسائل الإعلام المحلية الكردية فإن قوة من الحشد دخلت إلى منطقة كولاجو التابعة لمنطقة كرميان التي تضم حقولا نفطية، ما تسببت بتوتر أمني بينها وبين قوات البيشمركة كونها دخلت من غير تنسيق، ودون علم قوات البيشمركة.
لكن وسائل الإعلام أكدت أن اتصالات أجرتها قوات البيشمركة والاتحاد الوطني مع السلطات المركزية في بغداد أفضت إلى سحب قوات الحشد من المنطقة، بينما تنفي مصادر أمنية وسياسية انسحاب قوات الحشد وأكدت أنها متواجدة لساعة نشر هذا التقرير.
وتشير المصادر الكردية إلى أن القوة التي دخلت المنطقة قوامها 3 آلاف مقاتل، برفقة 200 مدرعة وعربة عسكرية، وهي تعرف عسكريا بأنها منطقة الفراغ الأمني لوقوعها على المنطقة الفاصلة بين سيطرة القوات العراقية من جهة والقوات الكردية من جهة أخرى.
عملية لملاحقة داعش
وهوّنت مصادر حكومية عراقية من انتشار قوات الحشد الشعبي في ناحية كولاجو بمنطقة كرميان على الحدود بين محافظتي ديالى والسليمانية، وقالت إنّها جزء من عملية أمنية روتينية نفذها الحشد بحثا عن عناصر إرهابية تم رصد تحركات لها في تلك المنطقة.
وقال الحشد الشعبي في بيان، إن "قواته انطلقت في عملية أمنية مباغتة ومفاجئة، وكل ذلك وفق معلومات استخبارية دقيقة ومراقبة من خلال الطائرات المسيرة التي تعقبت خلايا الإرهاب في جبل قمر شمال غرب ناحية قرة تبة".
هل الغاية هي النفط؟
غير أن منصات إعلامية مقربة من الحشد قالت إن الاقتحام الذي نُفّذ باستخدام رتل عسكري كبير يضم الآلاف من المقاتلين والعشرات من المركبات والآليات العسكرية عبارة عن عملية سيطرة على بئر للنفط مخصصة للتهريب إلى الخارج، وذلك لـمنع تهريب النفط من البئر.
وأحالت الحادثة إلى الصراع الدائر على منابع النفط العراقي في شمال البلاد ومحاولة استغلالها من فصائل مسلحة وحتى أحزاب سياسية في ظلّ حالة الفوضى التي ما زالت تحكم الكثير منها قياسا بمنابع النفط في الجنوب.
ولم تصدر مواقف رسمية عن الحزبين الكبيرين المتنافسين على السلطة في إقليم كردستان، الحزب الديمقراطي الكردستاني وحزب الاتّحاد الوطني، بشأن عملية الحشد في كرميان، لكنّ القضية سرعان ما شهدت تصعيدا إعلاميا في ظل الأجواء المتوتّرة بين الطرفين مع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية في الإقليم.
الديمقراطي يوجه التهم للاتحاد
ووجّهت جهات تابعة للحزب الديمقراطي اتهامات مباشرة لقيادة الاتحاد الوطني بالتواطؤ مع الحشد في اقتحام الأخير لناحية كولاجو.
ووصف عضو مجلس النواب عن الحزب الديمقراطي الكردستاني شوان كلاري سيطرة قوة تابعة للحشد على ناحية كولاجو بأنه محاولة لاحتلال المنطقة، مشددا على ضرورة إجراء تحقيق عاجل في الحادثة.
وقال كلاري في حديث لشبكة "الساعة": إن "قوات الحشد التي وصلت إلى كرميان جاءت في توقيت مشبوه وغير مناسب، مع تبريرات غير مقنعة لتحركها"، مبينا أن "تلك القوات تذرعت بحجة حماية آبار النفط، وملاحقة عناصر داعش، رغم أن تحركات داعش في هذه المنطقة محدودة للغاية، ويمكن لقوات البيشمركة التعامل معها دون الحاجة إلى دعم من الحشد الشعبي".
ولفت النائب إلى أن "الحشد أبلغ قوات البيشمركة في المنطقة أن انتشاره جاء بعد التنسيق مع قيادة الاتحاد الوطني الكردستاني"، مؤكدا أن "دخول قوة عسكرية دون التنسيق مع قوات البيشمركة يعد خرقاً واضحاً ومن المحتمل أن تؤدي إلى كارثة أو صدام عسكري بين القوتين".
وتابع كلاري: أن "إرسال قوة من الحشد الشعبي إلى ناحية كولاجو في إدارة كرميان المستقلة يعد اعتداءً ويميل إلى أن يكون محاولة احتلال".
اتفاق الحشد والاتحاد!
وأشار الوزير السابق في حكومة كردستان العراق محمد إحسان إلى اتّفاق مبرم بين الاتحاد الوطني والحشد يشمل النفط والاقتصاد وتدمير الوضع في كردستان تبعا للمصالح الخاصة بالطرفين، مؤكدا أنّ الاتفاق بين الجانبين أُبرِم على أعلى مستوى من القيادات.
وقال في تصريحات إعلامية إنه "كلما اقترب موعد الانتخابات زاد العنف الممارس من الجانبين".
وأضاف أنه "إذا نظرنا إلى منطقة كفري وكرميان حيث يوجد النفط، نجد الاتحاد الوطني والحشد الشعبي يصنعان السيناريوهات"، حسب وصفه.
الاتحاد ينفي ويرفض
بالمقابل نفى الاتحاد الوطني الكردستاني وجود تنسيق مسبق بينه وبين الحشد الشعبي بشأن دخول المنطقة والانتشار العسكري فيها.
وقال عضو الاتحاد الوطني عباس كاريزي في حديث لشبكة "الساعة": إن "الاتحاد الوطني يدين ويرفض دخول قوات الحشد إلى منطقة تابعة لسيطرة قوات البيشمركة، ولا يسمح بالتجاوز على أراضي إقليم كردستان"، مؤكدا أن "الحزب طالب حكومة بغداد بسحب القوات التي انتشرت في المنطقة"، مشددا على أنه "لا يوجد أي اتفاق مسبق بين الاتحاد والحشد على دخول كولاجو".
ورجح كاريزي أن "يكون دخول قوات الحشد إلى المنطقة هدفه التأكد من وجود حقول نفطية اكتشفت مؤخرا، واستخدمت موضوع ملاحقة داعش ذريعة للانتشار العسكري"، حسب تعبيره.
رسائل سياسية
من جانبه يؤكد الباحث والمحلل السياسي الكردي محمد زنكنة أن الأحداث الأخيرة وانتشار قوات الحشد في منطقة كولاجو تؤكد وجود رسائل سياسية أطرافها الحشد والاتحاد الوطني.
وقال زنكنة في حديث لشبكة "الساعة": إن "تصريحات ومواقف الحشد تؤكد أن تحرك قواته في كولاجو كان باتفاق مسبق مع الاتحاد الوطني بالرغم من نفي الاتحاد ذلك".
وأضاف أن "انتشار قطعات الحشد تزامن مع المواجهات بين الحشد والجيش بين كربلاء والنجف من جهة، كما جاء بعد الانشقاق الذي تعرض له الحزب الاشتراكي الكردستاني المتواجد في السليمانية والذي يعرف بمعارضته الواسعة للاتحاد"، مبينا أن "الرسالة من التحرك ربما تكون مثل استعراض للعضلات من الحشد الذي يحاول أن يثبت للجميع أنه ما يزال في صدارة المشهد من جهة، أو أنها رسالة استفزاز من الاتحاد الوطني للحزب الاشتراكي الكردستاني المعارض له".
وأشار إلى أن الرسائل الواضحة من الحادثة تؤكد أن "الاتحاد الوطني حاول إرسال الرسائل للحزب الديمقراطي والشارع الكردستاني عن أنه ما يزال يحتفظ بقوته وعلاقته المتينة أحزاب السلطة في بغداد وأنه أحد الأحزاب الكبيرة والمتنفذة في العراق وكردستان".
كما نوه إلى أن "الاتحاد لجأ إلى هذا الخيار كمحاولة منه لاختلاق أزمة محددة من شأنها تأجيل الانتخابات البرلمانية في كردستان أو إلغاؤها، ولا سيما أن هذا الحدث يأتي قبيل الانتخابات"، موضحا أنه "ذات الأسلوب الذي لجأ إليه الاتحاد عندما شعر بتدني شعبيته خلال الدورة البرلمانية الثانية في كردستان عام 1992 عندما بدأ بخلق التوترات، ثم التصعيد، ثم الصراع المسلح من أجل إلغاء الانتخابات".
عملية أمنية
غير أن المحلل السياسي والعسكري صباح العكيلي يرى أن العملية فسرت من الحزبيين الكرديين على أنها تحمل أهدافا سياسية وهي بالحقيقة عملية أمنية لا رسائل سياسية فيها.
وقال العكيلي في حديث لشبكة "الساعة": إن "العملية الأخيرة التي نفذها الحشد الشعبي في منطقة فاصلة بين السليمانية وديالى هي عملية أمنية ولا تحمل أي علامات أو رسائل سياسية".
وأضاف أن "الحزبيين الكرديين حاولا استغلال العملية سياسيا، حيث يحاول أن يستغلها الاتحاد الوطني ضد الحزب الديمقراطي والعكس صحيح ولا سيما مع توتر العلاقة بينهما على خلفية تشكيل الحكومة المحلية في كركوك".
كما استبعد العكيلي أن "تكون للعملية أي أغراض اقتصادية كما يحاول البعض الترويج لذلك"، مبينا أن "قوات الحشد قوات رسمية عراقية مرتبطة بالقيادة العامة للقوات المسلحة ولا يمكن لها أن تنفذ عمليات بدافع سياسي أو اقتصادي أو بهدف السيطرة على الحقول النفطية في المنطقة".
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام