مع اشتداد درجات الحرارة في صيف العراق، تصاعدت نسب الحرائق في البلاد والتي سجلت خلال الأيام الماضية في مواقع مختلفة، والتي تعزو أغلبها السلطات إلى تماس كهربائي.

خلال الأسبوع الماضي، سجل العراق العديد من الحرائق، أبرزها حريق المصفاة النفطية ومعمل الإسفلت في محافظة أربيل بإقليم كردستان العراق والذي استمرت ألسنة النيران والدخان فيه بالتصاعد لنحو 24 ساعة متواصلة.

وأُصيب الخميس الماضي ما لا يقلّ عن 10 أشخاص معظمهم عناصر إطفاء خلال محاولة السيطرة على حريق مستمر لساعات في مصفاة للنفط في أربيل.

وغطت سحب الدخان مساحات واسعة من سماء المنطقة، كما نصحت فرق الإطفاء السكان القاطنين بالقرب منه إلى تجنب الخروج من المنزل وإغلاق النوافذ. 

وقال شاهد عيان في موقع الحادث إن "صهاريج وشاحنات نقل عدة انفجرت نتيجة الحريق أيضاً".

والأسبوع الماضي، اندلع حريق في مستشفى حكومي للنسائية والتوليد وسط مدينة النجف، ما دفعه لإجلاء عشرات الأطفال حديثي الولادة من المستشفى.

وقبل ذلك، التهمت النيران 46 دونما من الأراضي داخل جامعة الموصل، والتي انتشرت في مساحات متروكة بحسب رئاسة الجامعة، واستمر إخمادها ساعات طويلة، وتأثر معظم سكان الموصل بالأدخنة الناتجة عن هذا الحريق.

وخلال الأسابيع الماضية شهد الأراضي الزراعية عشرات الحرائق والتي تزامنت مع موسم حصاد الحنطة والشعير، وهي حرائق تكرر كل عام لكن نسبتها زادت خلال السنوات الأخيرة.

 

الدفاع المدني توضح أسباب الحرائق

وعزت مديرية الدفاع المدني العراقية التابعة لوزارة الداخلية الحرائق التي تسجل إلى ارتفاع درجات الحرارة وحوادث التماس الكهربائي والإهمال وعدم مراعاة شروط السلامة ومتطلبات الدفاع المدني.

وقال مدير شعبة إعلام مديرية الدفاع المدني العامة، نواس صباح شاكر في حديث لشبكة "الساعة": إن "مديرية الدفاع المدني توقعت في وقت سابق ازدياد أعداد حوادث الحريق في عموم المحافظات العراقية نتيجة ارتفاع درجات الحرارة ودخول البلاد موسم الصيف وما يلقى بظلاله على زيارة الأحمال على شبكات الأسلاك الكهربائية من جهة ومع وجود المخالفات والإهمال لتوفير شروط السلامة ومتطلبات الدفاع المدني من جهة أخرى".

وأضاف شاكر: أن "حوادث الحريق بسبب التماس الكهربائي تتصدر أسباب الحرائق، حيث إن 47% من مسببات اندلاع حوادث الحريق في العراق ترجع إلى التماس الكهربائي، فضلا عن الأسباب الأخرى ومنها الإهمال وعبث الأطفال والمتعمد وما إلى ذلك من مسببات الحوادث".

وتابع أن "المديرية اعتمدت على هذا التوقع نظرا للمؤشرات السابقة للسنوات الماضية على الرغم من تشديد الغرامات وتفعيل الإجراءات القانونية الرادعة بحق للمخالفين المتهاونين بتنفيذ متطلبات الدفاع المدني والذي أثر إيجابا بانخفاض أعداد حوادث الحريق المسجلة لعام 2024 بنسبة انخفاض تقدر 36% عن الأعوام السابقة مع تشديد الإجراءات والتنسيق المشترك بين الدفاع المدني والدوائر البلدية برفع المخالفات ومنها السندويج بنل وتغليف الايكوبوند للحد من مسببات الحوادث".

وأشار شاكر إلى أنه "حسب القانون الخاص بالتحقيق فإن فرق الدفاع المدني تطلب حضور واستدعاء خبير الأدلة الجنائية لرفع العينات وبدء التحقيق القضائي وبعد ذلك يصدر تقرير رسمي بأسباب اندلاع حوادث الحريق ويتم إشعار الدفاع المدني بالسبب".

وأردف مدير شعبة إعلام مديرية الدفاع المدني، أن "مديرية الدفاع المدني تعمل على تعديل نص القانون ليتم تشديد الغرامات والعقوبات التي تطال المشروع المخالف وليس صاحب المشروع فقط، أي يتم معاقبة المشاريع المخالفة بالغلق لحين توفير مستلزمات السلامة وتطبيق شروط الدفاع المدني ليعاد فتحه"، داعيا الجهات البرلمانية إلى "الإسراع في إقرار قانون الدفاع المدني الجديد للحد من أسباب اندلاع حوادث الحريق".

 

حرائق كارثية

والعام الماضي 2023، أحصت مديرية الدفاع المدني عدد الحرائق بأكثر من 21 ألف حادث حريق.

وتؤكد مديرية الدفاع المدني أن نسبة الحرائق تراجعت مقارنة بالأعوام السابقة، ففي الربع الأول من عام 2023 تم تسجيل 4 آلاف و413 حادث حريق، أما في الربع الأول من عام 2024 فقد تم تسجيل 3 آلاف و51 حادث بفارق ألف و362حادث"، مشيرة إلى أنه "كلما ارتفع وعي المواطنين بإجراءات السلامة والوقاية انخفضت حوادث الحريق".

وسجل العراق حوادث كارثية بسبب الحرائق راح ضحيتها المئات، ففي سبتمبر/أيلول الماضي، اندلع حريق في قاعة خلال حفل زفاف في بلدة قرقوش بقضاء الحمدانية شمالي العراق، أودى بحياة أكثر من 107 أشخاص، وقالت السلطات حينها إن "الألعاب النارية ومواد بناء شديدة الاشتعال تسببت به".

وفي أبريل/نيسان 2021، قضى أكثر من 80 شخصا جراء حريق في مستشفى لمرضى كوفيد-19 في بغداد نجم عن انفجار أسطوانات أكسجين.

وفي يوليو/تموز من العام نفسه، لقي 64 شخصا حتفهم جرّاء حريق في مستشفى بالناصرية في جنوب العراق اندلع في جناح لمرضى كوفيد-19.

 

حرائق مفتعلة

والكثير من الحرائق في العراق سببها فعل فاعل، ولا سيما التي تحدث في مؤسسات حكومية معينة وتستهدف أقسام العقود والحسابات والتي تهدف في الأغلب لإضاعة صفقات وشبهات الفساد.

ويرجح وجود دوافع سياسية واقتصادية وشخصية وراء حوادث الحريق المتعمد، مثل تلك المتعلقة بالعقود والمشاريع الاستثمارية التي يصل حجم الميزانيات المخصصة لها إلى ملايين الدولارات، فضلا عن بعض الأماكن التجارية المعروفة للتغطية عليها ومنع كشف الفساد فيها، أو لضرب الخصوم أيضاً.

ويؤكد النائب باسم خشان أن الدوافع السياسية والمنافع الشخصية سبب رئيس في وقوع نسب كبيرة من الحرائق.

وقال خشان في حديث لشبكة "الساعة": أن "بعض الحرائق التي تحدث في الأقسام والغرف الخاصة بالملفات والأوراق المعنية بالعقود الاستثمارية داخل وزارات ومؤسسات ودوائر الدولة، يرجح أن يكون ورائها دوافع سياسية وشخصية".

وأضاف النائب: أن "الفساد المستشري في تلك المؤسسات هو الذي يدفع إلى حرق هذه الملفات لتكون وسيلة للتغطية على الأدلة التي تثبت تورط جهات معينة متهمة بالفساد في مشاريع وعقود استثمارية"، لافتا إلى أنها تحدث بفعل فاعل ولا سيما من المستفيدين من هذه المشاريع والمتورطين بالفساد في ذات الوقت.

 

دوافع سياسية وتغطية السرقات

أما القيادي في دولة القانون عبد الرحمن الجزائري، فأكد أن سلسلة الحرائق التي طالت محافظة كركوك مفتعلة وتقف خلفها أجندة سياسية.

وقال الجزائري في تصريح خاص لشبكة "الساعة" أن "الحرائق التي طالت المجمعات السكنية والتجارية مفتعلة وتقف خلها أجندة، بسبب الخلاف السياسي المتأزم في المحافظة".

كما يرى الخبير الاقتصادي أحمد عيد أن أغلب الحرائق التي تحدث هي مفتعلة لكن يتم تغطيتها على أنها وقعت نتيجة تماس كهربائي أو حرارة الجو أو غيرها من وسائل التغطية على تلك الجرائم.

وقال عيد في حديث لشبكة "الساعة": إن "الحرائق تخلف أضراراً منها بشرية وأخرى مادية تتمثل بالخسائر الاقتصادية المتعلقة أولاً بتعطيل العمل والإنتاج، بالإضافة إلى الخسائر اللوجستية".

وأضاف: أن "أغلب الحرائق التي استهدفت المصانع هدفها تعطيل عمليات الصناعة والإنتاج"، مشيرا إلى أن "بعض الحرائق استهدفت الأقسام الإدارية والأرشفة في بعض المؤسسات وهدفها التغطية على ملف أو إخفاء أدلة لجريمة معينة"، منوها إلى أن "فرق التحقيق أغلبها لم تتخذ المصداقية في نتائجها، وهذا ما تسبب بعمليات هدر كبيرة نتيجة لتكرار عمليات افتعال الحرائق".