تحتفل الأسرة الصحفية العراقية في الخامس عشر من حزيران بعيدها السنوي والذي يمر هذا العام بذكراه الـ 55 بعد المئة.

ويرتبط تاريخ الصحافة العراقية بذكرى تأسيس جريدة الزوراء وهي أول صحيفة عراقية صدرت في مثل هذا التاريخ عام 1869.

وبدأت قصة الصحافة العراقية مع تعيين الوالي العثماني مدحت باشا على العراق، حيث جلب معه مطبعة من باريس وصارت تطبع فيها جريدة (الزوراء)، باعتبارها صحيفة رسمية أسسها الكاتب أحمد مدحت أفندي وهو في الوقت نفسه أول من تولى رئاسة التحرير فيها.

وشكل ظهور هذه الجريدة علامة تحول بارزة وانعطافة للتحول إلى الحياة الحضارية والتقدم الذي كان يتسارع في العالم وخصوصا في أوروبا.

وبعد مرور 155 عاما على صدور صحيفة الزوراء، يوجد اليوم مئات المؤسسات الصحفية والتي توزعت بين صحف مطبوعة أو رقمية وإذاعات وقنوات فضائية ومواقع إلكترونية إخبارية.

 

شهداء الأسرة الصحفية

ويواجه الصحفيون العراقيون في عيدهم جملة من الاستهدافات والمضايقات والاغتيالات، حتى وصف الكثير من الصحفيين العراق بأنه بيئة غير مناسبة للعمل الصحفي.

وبحسب الأرقام الصادرة عن نقابة الصحفيين العراقيين فإن "الأسرة الصحفية فقدت أكثر من 500 صحفي قتلوا بسبب هجمات مسلحة وبنيران القوات الأمريكية وهجمات داعش".

وقال نقيب الصحفيين العراقيين مؤيد اللامي في تصريحات صحفية تابعتها شبكة "الساعة": إن "518 صحفيا قتلوا بينهم 36 صحفية منذ عام 2003"، مؤكدا أن "عدد قتلى الصحفيين في العراق هو الأعلى في العالم".

وأوضح اللامي أنه "في حرب داعش قتل أكثر من 60 صحفيا بينهم 3 صحفيات، كما سجلت النقابة اختفاء زميلين لم يظهرا حتى الآن رغم الجهود التي بذلت مع المؤسسات الأمنية والحكومية لمعرفة مصيرهم لكن دون جدوى".

وأكد نقيب الصحفيين العراقيين أن "عدد الأعضاء العاملين المسجلين في النقابة يبلغ 6 آلاف صحفي بينما يبلغ العدد الكلي 30 ألفا والعدد الفعلي 20 ألف صحفي ما بين مشارك ومتمرس".

ولفت اللامي إلى أن "هذا العدد يُعد متواضعا بالنسبة للعراق الذي توجد فيه 30 كلية لتدريس الإعلام، وسنويا تضخ هذه الكليات آلاف الخريجين، وتوجد أكثر من ألف مؤسسة إعلامية، فضائيات وصحافة ورقية ورقمية ومواقع إخبارية وإذاعات، وأيضا فيها آلاف العاملين من الصحفيين"، مبينا أن "ذلك يضع النقابة في موقف محرج بأغلب الأحيان في موضوع قبول العضوية لمن يستحقونها قانونيا".

 ونوه اللامي إلى أن "العراق لم يستقر منذ 2003 وحتى اليوم وانعكس على عمل الصحفيين كونهم يعملون في بيئة خطرة وهم بحاجة إلى بيئة آمنة لم تتوفر منذ سنوات طويلة"، لافتا إلى أن "العراق يشهد الآن استقرارا نسبيا، وهناك تفهم من قبل المؤسسات الحكومية للإعلاميين وتسهيل مهامهم ولا سيما أن رئيس الوزراء، محمد شياع السوداني، متفهم ويقدر الصحافة وحرية الرأي"، حسب تعبيره.

 

انتهاكات ضد الصحفيين

بالرغم من تبني السلطات العراقية شعارات حماية الصحفيين وحرية الصحافة وحرية الرأي والتعبير، غير أن العراق ما يزال أحد أكثر بلدان العالم خطورة للعمل الصحفي، وهو ما أكدته منظمات دولية، إذ وضعت لجنة حماية الصحفيين الدولية العراق العام الماضي في المرتبة الخامسة عالميا في مؤشر الإفلات من العقاب بعد كل من الصومال، وسوريا، وجنوب السودان، وأفغانستان.

وتمر عمليات الاغتيال والاستهداف للصحفيين في العراق من دون أي عقاب، علماً أن التحقيقات النادرة التي تُفتح بشأنها لا تؤدي إلى أي نتائج مجدية. كما أن عمليات الاختطاف والتهديد بالقتل أصبحت أسلوباً شائعاً أيضاً لترهيب الصحافيين وإسكاتهم.

وفي الأعوام الأخيرة بدأ فصل جديد من فصول استهداف الصحفيين في العراق، وذلك من خلال ملاحقتهم عبر الدعاوى القضائية التي يتقدم بها مسؤولون حكوميون وزعامات الأحزاب السياسية، وهو ما وصفه البعض انعكاس للضغوطات التي تمارس على القضاء في هذا الخصوص.

 

اعتقال الصحفي زياد السنجري

آخر الانتهاكات التي سجلها العراق ضد الصحفيين كان الأسبوع الماضي وتمثلت باعتقال الصحفي زياد السنجري الذي عاد مؤخرا من النمسا لزيارة عائلته في مدينة الموصل.

وأفاد مصدر أمني في نينوى لشبكة "الساعة" بأن "قوة تابعة للاستخبارات اعتقلت السنجري دون مذكرة قبض قضائية، وقامت الجهات القضائية فيما بعد بإصدار أمر القبض عليه".

وأكد المصدر أن "السنجري وجهت له تهم انتحال الصفة والابتزاز وهي تهمة نفاها ذوو الصحفي المعتقل، الذين أشاروا إلى أن الاعتقال جاء بسبب نشره العديد من ملفات الفساد في محافظة نينوى".

ونشر السنجري قبيل اعتقاله بساعات انتقادات ضد حركة "بابليون" التي يتزعمها ريان الكلداني، بسبب سيطرتها على أراضٍ داخل مدينة الموصل ومنعها تنفيذ مشاريع خدمية فيها رغم مباشرة الجهات الحكومية ذلك. 

وخلال العامين الماضيين، نشر السنجري عشرات الملفات التي كشفت عن هدر الأموال والفساد المستشري في مؤسسات الدولة والحكومة المحلية في نينوى، ونفوذ الفصائل المسلحة والمكاتب الاقتصادية وهيمنتها على الوضع في مدينة الموصل.

 

عمل الصحافة كالسير بحقل ألغام

الصحفي العراقي ومدير المرصد العراقي للحقوق والحريات عادل الخزاعي شبه عمل الصحافة في العراق كالمشي في حقول ألغام.

وقال الخزاعي في حديث لشبكة "الساعة": إنه "منذ عام 2003 ويحاول الصحفيون العراقيون أن يكونوا متوازنين بالخطاب الصحفي دون أدنى سقف للحرية خوفاً من رصاصة كاتم أو عبوة ناسفة أو دعوى قضائية (منحازة) تودي بحياة الصحفي أو تؤدي به إلى إمضاء أيام وسنوات في السجون ".

وأضاف أن "سلامة الصحفي في العراق مقترنة بقرب الصحفي من الأحزاب أو الفصائل المسلحة أو القضاة، والذين يجب أن يقدم الصحفي في العراق المديح والثناء لهم لكي يبقى سالما".

وتابع الخزاعي: أن "حكومة محمد شياع السوداني لم تكن الحكومة الأولى بسجل الانتهاكات ضد الصحفيين التي بدأت منذ عام 2003، ولكنها الأسوأ على الإطلاق بهذا السجل السيء الصيت".

وشدد على أن "وضع الصحافة في العراق لا يبشر بخير ولا يطمئن كما أن السلطات العراقية تتعامل بقسوة شديدة وتتعمد إرعاب وإرهاب الصحفي حتى تتمكن إسكات كل أصحاب الرأي الحر".

ونوه الخزاعي إلى أن "الانتهاكات ضد الصحفيين أصبحت ظاهرة طبيعية وليست ضمن المحرمات بفضل وجود قضاة داعمين للتضييق على الصحفيين"، حسب تعبيره.

وكشف الخزاعي عن "تسجيل المرصد لـ 206 حالات انتهاك لحقوق الصحفيين وأصحاب الرأي منذ بداية العام الجاري 2024، وأوضح أن الانتهاكات شملت الاعتقالات التعسفية، التهديدات، الاعتداءات الجسدية، وتقييد الوصول إلى المعلومات"، مبينا أن "هذه الأرقام تؤكد الحاجة الماسة لاتخاذ إجراءات حازمة لحماية الصحفيين وضمان حرية الإعلام".

وأشار مدير المرصد العراقي للحقوق والحريات إلى أن "قضية اعتقال الصحفي زياد السنجري تثير الكثير من الاستفهامات حول دور بعض المسؤولين الذين فضح زياد ملفات فسادهم وصفقاتهم في اعتقاله".

ودعا المرصد السلطات العراقية والجهات المعنية إلى "الإفراج الفوري عن زياد السنجري والصحفيين المعتقلين ظلماً كافة، والتحقيق الجدي في جميع الانتهاكات".

 

الصحفيون ملاحقون.. والمجرمون طلقاء

من جهته حمل الناشط السياسي عبد القادر النايل السلطات الحكومة العراقية والأجهزة الأمنية وإدارة نينوى المسؤولية عن حياة وسلامة الصحفي زياد السنجري، واصفا ما حدث معه بأنها عملية اختطاف وليس اعتقال.

وأشار النايل في حديث لشبكة "الساعة" إلى وجود مخاوف حقيقة على حياة السنجري بسبب عدم وجود مذكرة قبض بحق السنجري وأنه اختطف من الشارع فضلا عن أن الجهات التي تملك السلاح المنفلت والمتورطة بعمليات القتل والاختطاف والتغييب هي التي تفرض سلطتها اليوم على الموصل".

ونوه إلى أن "اختطاف الصحفي يأتي بالتزامن مع الذكرى العاشرة على سيطرة تنظيم داعش على المدينة وهو ما يعني أن الموصل بعد تلك السنوات والتجربة المريرة ما تزال تعاني من ذات الظروف السابقة من غياب للقانون وهيمنة للسلاح والفصائل المسلحة على الأوضاع الأمنية"، مؤكدا أن "الحادثة تعكس أن العراق ما يزال بيئة غير صالحة للعيش حيث يتم اعتقال الناشطين الذين يرصدون حالات التغييب وانتقاد الخارجين عن القانون".

وأعرب النايل عن "استغرابه من اعتقال وملاحقة الناشطين والصحفيين فيما تترك الجهات المتورطة بانتهاك حقوق الإنسان وممارسة أعمال القتل الطائفي والتهجير والتغييب القسري دون حساب أو ملاحقة قضائية".