على الرغم من الانتقادات المحلية والدولية لتنفيذ أحكام الإعدام في العراق، إلا أن السلطات العراقية واصلت في العام الحالي 2024 تنفيذ سلسلة من أحكام الإعدام والتي تفتقر أغلبها للعدالة وللإجراءات والشروط القانونية بحسب المعارضين لتلك الأحكام.
وتوجه التهم للسلطات العراقية بتنفيذ أحكام الإعدام على المحكومين بتهم الإرهاب بناء على اعترافات انتزعت بالقوة والإكراه وتحت التعذيب من المعتقلين الذين أودعوا السجون بناء على وشايات كاذبة أو بلاغ من المخبر السري أو شكاوى كيدية.
كما توجه التهم للجهات القضائية والتنفيذية العراقية بتنفيذ أحكام الإعدام على المتهمين بدوافع سياسية وطائفية، حيث تستهدف أغلب الإعدامات المتهمين من المكون العربي السُني دون غيرهم من المتهمين، بحسب تأكيدات لمراقبين وناشطين حقوقيين.
إعدامات سياسية وطائفية
مرصد "أفاد" المعني بملف حقوق الإنسان في العراق قال إن "السلطات العراقية أعدمت ما لا يقل عن 63 شخصاً بشكل غير معلن في سجن الحوت بالناصرية خلال الأسابيع الأخيرة رغم أن التحقيقات أثبتت إصدار الأحكام وفق اعترافات انتزعت تحت التعذيب ومحاكمات تفتقر لشروط العدالة وفق القانون الدولي".
وأوضح المرصد في بيان تلقته شبكة "الساعة": أنه حصل على شهادات لمعتقلين داخل سجن الناصرية المعروف محليا بسجن (الحوت) جنوبي العراق، يظهر أن السلطات العراقية وبإيعاز من رئيس الحكومة محمد شياع السوداني، سرعت وتيرة تنفيذ أحكام الإعدام خلال الشهرين الماضيين، بواقع يومين أسبوعيا بحق محكومين بتهم الإرهاب تحديدا.
وأضاف المرصد: أن "عمليات الإعدام الأخيرة طالت محكومين منذ سنوات طويلة بعضهم منذ عام 2008 و2007، كانوا قد قدّموا تظلمات تطالب بعرضهم على القضاء وتؤكد براءتهم من تُهم نسبت إليهم، أو باعترافات انتزعت تحت التعذيب"، مشيرا إلى أن "عمليات الإعدام أظهرت إصرارا حكوميا على تجاهل كل الدعوات الأممية والدولية في إعادة النظر بأحكام الإعدام التي استسهلتها الحكومات السابقة، والأجهزة القضائية في أجواء تفتقر للعدالة والمحاكمات الشفافة".
وبحسب "أفاد" فإن "محافظة صلاح الدين جاءت بالصدارة كأعلى نسبة بمن تم تنفيذ حكم الإعدام بحقهم، حيث تجاوز 32 شخصا، بينهم أشقاء اثنان، كما تم تنفيذ حكم الإعدام بشخص تجاوز عمره الرابعة والسبعين من أهالي تكريت وبمعتقل آخر قبع ما يزيد على 16 عاما في السجن".
كما سجل المرصد، "وصول جثمان شخص من أهالي الرمادي، سبق وأن أيّد تقرير طبي صادر من لجنة بوزارة الصحة تعرضه للتعذيب والضرب بالفترة التي تم التحقيق معه فيها في سجن ببغداد عام 2018، لكن تم تجاهل التقرير وطلب إعادة المحاكمة بإعدامه مطلع شهر حزيران الحالي".
وتابع المرصد: أن "مواصلة عمليات الإعدام بأسلوب جديد من خلال إعدام المحكومين دون الإعلان عن ذلك رسميا، وإبلاغ ذويهم عبر الهاتف بالمجيء إلى مستشفى الطب العدلي في الناصرية بغية تسلمهم مع توقيعهم على تعهدات بعدم الكتابة على مواقع التواصل الاجتماعي أو التحدث لوسائل الإعلام وعدم إقامة مجالس عزاء لهم، بل وحتى بمنع ذوي المعدوم من فتح التابوت لمعاينة الجثة ومرافقة قوة أمنية لهم إلى المقبرة لدفنه، تمثل واحدة من أسوأ صور انتهاكات حقوق الإنسان، والتأكيد على آلية قُتل بسببها الكثير من الأبرياء، والمتضمنة انتزاع اعترافات تحت التعذيب المفرط وإجبار المعتقلين التوقيع على اعترافاتهم".
وأكد المرصد أن "رفض السلطات النظر بطلبات عرض المعتقلين المحكومين بالإعدام على لجان طبية أو استئناف محاكمتهم، والمماطلة بإقرار قانون العفو العام، رغم تعهدات قوى التحالف الحاكم في البلاد، قبيل تشكيل الحكومة الحالية، يمثل دليلا على رغبة تنكيل جديدة بحق المعتقلين المحكومين بالإعدام والذين يتخطى عددهم الحالي الآلاف".
وحمل "أفاد": "رئيس الجمهورية عبد اللطيف رشيد، مسؤولية إعدام الكثير من الأبرياء عبر التوقيع على أوامر الإعدام، ويُذكر بامتناع رؤساء سابقين من التوقيع لأسباب تتعلق ببراءة الكثير من المحكومين، أو الحكم المبالغ به عليهم، إذ أدين الكثير بالإعدام في وقت لا تتعدى جريرته الحكم بالسجن بضع سنوات في أفضل الأحوال، حيث يؤشر وجود جنبة سياسية واضحة في التهافت على إنهاء حياة المحكومين، وفقا للطائفة والمذهب، وناشد المنظمات الأممية والحقوقية التدخل لوقف جرائم الإعدام التي باتت تُنفذ بشكل أسبوعي، وبدون إعلان مسبق مع إجراءات تنفيذ غير إنسانية تشمل ترهيبا وحربا نفسية تستمر لساعات، وصولا إلى إجراءات تسليم ذويه الجثة، واضطرارهم دفع مبالغ مالية كبيرة للحصول عليها بسرعة، أو للحصول على وصية ابنهم المعدوم ومتعلقاته الشخصية".
هل يرضخ القضاء للضغوط؟
وبحسب مصادر حكومية وقضائية فإن السلطات القضائية أفرجت قبل أسابيع عن المدان بقتل الخبير الأمني والاستراتيجي هشام الهاشمي والذي ينتمي لكتائب حزب الله ويعمل ضابطا في الشرطة برتبة ملازم أول، وذلك بعد إلغاء السلطات القضائية حكما بالإعدام صدر ضده على خلفية إقراره بالجريمة.
كما كشفت مصادر خاصة لشبكة "الساعة" أن القضاء العراقي ألغى حكما سابقا بالإعدام صدر بحق المتهم المدان بجريمة قتل عائلة عربية من عشيرة "الجحيش" في قرية "الجري" الواقعة بين قضاء سنجار وناحية ربيعة بمحافظة نينوى.
وبحسب المصدر فإن إلغاء الحكم جاء بعد تهديدات أطلقتها ميليشيا "بيشمركة سنجار" الإيزيدية القريبة من سلطات الإقليم والتي ينتمي لها المتهم المدان، حيث هددت بقتل أبناء القرى العربية في سنجار في حال تم تنفيذ حكم الإعدام بحق المتهم المنتمي لقوات بيشمركة سنجار والتي يقودها المدعو قاسم ششو.
موقف هيومن رايتش ووتش
وفي وقت سابق قالت "هيومن رايتس ووتش" إن "150 سجينا على الأقل في سجن الناصرية في العراق يواجهون الإعدام الوشيك بدون إنذار في حال موافقة الرئيس عبد اللطيف رشيد على الأحكام بحقهم، ودعت السلطات العراقية إلى الإعلان فورا عن وقف تنفيذ جميع الإعدامات تمهيدا لإلغاء هذه العقوبة، وأوضحت أن سجن الحوت يشهد العديد من حالات الإعدام الجماعية"، مؤكدة أنها "نُفذت بدون مراعاة الحقوق الإنسانية للمحكومين".
وقالت سارة صنبر باحثة العراق في هيومن رايتس ووتش: إن "استئناف الإعدامات الجماعية في العراق تطورٌ مريع، ينبغي للحكومة العراقية أن تعلن فورا عن وقف تنفيذ عقوبة الإعدام، هذا الظلم الهائل تفاقمه الشوائب القضائية الموثقة جيدا، التي تحرم المتهمين من المحاكمات العادلة".
موقف العفو الدولية
وقالت منظمة العفو الدولية في نيسان / أبريل الماضي إنه "ينبغي على السلطات العراقية أن توقف فورًا جميع عمليات الإعدام، عقب إعدام 13 رجلًا على الأقل في 22 أبريل/نيسان في سجن الناصرية المركزي، في محافظة ذي قار، في أعقاب إدانتهم بتهم إرهاب فضفاضة ومبهمة للغاية".
وتؤكد العفو الدولية القلق من أن "العديد من الأشخاص ربما أُعدموا سرًا وسط انعدام مقلق للشفافية فيما يتعلق بالإعدامات التي نُفّذت في العراق في الأشهر الأخيرة".
وقالت رازاو صالحي، الباحثة المعنية بالعراق في منظمة العفو الدولية "إن الإعدامات الأخيرة في العراق مروّعة وتُسبّب الإحباط، فعلى مدى سنوات، ابتُلي نظام القضاء في العراق بإرث من الانتهاكات والتجاوزات فيما يخص حقوق الإنسان، ما أدى إلى الحكم بالإعدام على الآلاف من الأشخاص عقب محاكمات بالغة الجور".
وأضافت أنه "قد ترقى الإعدامات التي تُنفَّذ عقب محاكمات لا تستوفي المعايير الدولية لحقوق الإنسان إلى حد الحرمان التعسفي من الحياة، وعلى الحكومة العراقية أن تفرض على الفور وقفًا رسميًا لعمليات الإعدام وأن تعمل على إلغاء عقوبة الإعدام برمتها".
موقف البعثة الأممية
في أيار / مايو الماضي، وفي آخر إحاطة قدمتها المبعوثة الأممية في العراق التي غادرت موقعها من العراق حذرت جينين بلاسخارت من زيادة عمليات الإعدام السرية في العراق ولا سيما ضد المتهمين بملفات الإرهاب.
وقالت بلاسخارت: إن "عمليات الإعدام الجماعية غير المعلنة مسبقا للمدانين بموجب قوانين مكافحة الإرهاب في الآونة الأخيرة تثير قلقا كبيرا".
إيقاف تنفيذ أحكام الإعدام
وعلى خلفية تنفيذ أحكام الإعدام الأخيرة دعا النائب عن محافظة ديالى رعد الدهلكي، رئاسة الجمهورية إلى التريث في المصادقة على قوائم الإعدامات المرسلة إليهم لحين حسم جميع الملفات المتعلقة بالأبرياء.
وقال الدهلكي في تصريح لشبكة "الساعة": إن "هناك معلومات يتم تناقلها بشأن إرسال قوائم إلى رئاسة الجمهورية تضم أسماء 500 معتقل في السجون، أغلبهم من مقاومي الاحتلال للمصادقة على إعدامهم"، مبيناً أن "توقيت هذه الخطوة، لم يكن موفقاً لعدة اعتبارات، أولها عدم حسم مراجعة جميع ملفات المعتقلين، فضلا عن أن تلك الخطوة لا تنسجم مع تفاهمات الاتفاق السياسي الذي تشكلت من خلاله الحكومة".
وأضاف الدهلكي أن "الوضع السياسي وحتى الأمني في العراق والمنطقة، يجعلنا بحاجة إلى التريث في أي خطوات من شأنها خلق نوع من التوتر، على اعتبار أن حجم التحديات بحاجة إلى احتواء الأزمة وعدم البحث عن قرارات أو مواقف تعقد المشهد بدل تلطيف الأجواء" مشدداً على أن "هناك العديد من القابعين خلف قضبان السجون هم ضحية للمخبر السري والوشاية الكاذبة أو الإدلاء باعترافات تحت التهديد والتعذيب، وهناك لجان مشكلة لتدقيق ومراجعة جميع الطعون في الأحكام الجنائية المتعلقة بتلك الملفات".
إعادة التحقيق والمحاكمات
كما طالب النائب عن محافظة نينوى نايف الشمري السلطات العراقية بإعادة التحقيق والمحاكمات للمعتقلين من المحافظات التي شهدت عمليات عسكرية ضد داعش.
وقال الشمري في حديث لشبكة "الساعة": إن "الكثير من المعتقلين تم اعتقالهم بناء على معلومات مغلوطة ودونت اعترافات خاصة بهم بطرق غير قانونية وأحيانا التعذيب من أجل الابتزاز المالي من قبل ضباط سيئين تولوا عمليات التحقيق في تلك الفترة".
وأكد الشمري على "ضرورة إعادة المحاكمات وتبرئة من صدرت بحقهم أحكام قضائية مختلفة بتهم الإرهاب في حال أثبتت التحقيقات براءتهم، أما الذين تثبت التحقيقات العادلة تورطهم بعمليات القتل والإرهاب فيجب أن تنفذ بهم أقسى العقوبات"، حسب تعبيره.
وتطالب القوى السنية في البرلمان العراقي بتشريع قانون العفو العام، الذي وعدت حكومة محمد السوداني بإقراره، عند تشكيلها عام 2022، ولكن معارضة القوى الشيعية تحول دون التصويت عليه في البرلمان لغاية الآن.
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام