يشكك أغلب العراقيين بالوعود التي تطلقها الحكومة العراقية بشأن تحسين وضع الكهرباء خلال فصل الصيف الحالي الذي دشنه العراق بدرجات حرارة مرتفعة تجاوزت الـ 40 مئوية.

ومع بداية الارتفاع في درجات الحرارة تراجعت ساعات تجهيز الكهرباء الوطنية التي لا تتحسن إلا في فصلي الربيع والخريف نتيجة تراجع الأحمال وقلة استهلاك الطاقة في عموم البلاد.

ومع بداية موسم الصيف وارتفاع درجات الحرارة، يزداد الطلب على الكهرباء بشكل كبير لتشغيل أجهزة التبريد، ما يؤدي إلى زيادة الضغط على الشبكة الوطنية، وغالباً ما يلجأ المواطنون إلى استخدام المولدات الخاصة لتعويض نقص الكهرباء، ما يشكل عبئا ماليا إضافيا على الأسر العراقية.

وبينما يواجه مواطنون عراقيون قلة ساعات إمداد الطاقة من شبكة منظومة الكهرباء الوطنية بالاستياء والتذمر، لا يخفي آخرين استعدادهم للخروج بتظاهرات كما في مواسم الصيف السابقة احتجاجا على تردي الكهرباء.

وتُعد أزمة الكهرباء من أبرز المشكلات التي يعاني منها البلد منذ عقود، ويعود السبب الرئيسي لهذه الأزمة إلى البنية التحتية الضعيفة وتعاني المنظومة الكهربائية من نقص في الاستثمارات اللازمة للتحديث والتطوير، فضلاً عن انتشار الفساد وسوء الإدارة.

 

الكهرباء تعد بصيف أفضل

وزارة الكهرباء العراقية أعلنت خلال الساعات الماضية أن وضع الطاقة خلال صيف 2024، سيكون أفضل من الأعوام الماضية من ناحية التجهيز والتشغيل.

وقال المتحدث الرسمي باسم الوزارة أحمد موسى في تصريح تابعته شبكة "الساعة": إن "وزارته نسقت مع وزارة النفط لتوفير الغاز والوقود لاستمرار تشغيل محطات الطاقة، وعدم الوقوع بنفس الأخطاء التي حصلت خلال المواسم السابقة وتسببت بنقص التجهيز"، مبينا أن "الإجراء يأتي تماشيا مع توجيهات رئيس الوزراء بزيادة ساعات التجهيز وفق الطاقة التوليدية الجديدة، بما يضمن إضافة سعات أكبر لبغداد والمحافظات".

وأشار إلى "رسم خارطة طريق فنية لتحديد حاجة محطات الإنتاج من وقود وغاز وطني، بالإضافة إلى التعاقد مع إيران لاستيراد 50 مليون متر مكعب من الغاز، لضمان استمرار الإنتاج للمحطات التي تعمل بالغاز الإيراني ضمن خطة تشغيل موسم الصيف الحالي"، مشيدا بـ"التعاون الكبير بين وزارته ووزارة النفط بهذا الصدد، ما يشير إلى أن صيف 2024 سيكون أفضل من الأعوام الماضية من ناحية التجهيز والتشغيل"، حسب تعبيره.

 

أسباب الأزمة

لكن مدير مركز العراق للطاقة فرات الموسوي توقع عكس ذلك، إذ رجح استمرار  مشكلة الكهرباء خلال موسم الصيف الحالي للعديد من الأسباب.

وقال الموسوي في حديث لشبكة "الساعة" إن "أهم المشاكل التي تواجه منظومة الطاقة الكهربائية في البلاد سببها انحسار الغاز المورد من إيران، لا سيما في أوقات ذروة الأحمال صيفا وشتاء".

وأضاف الموسوي: أن "مشكلة الطاقة الكهربائية تتكرر بسبب الغاز الإيراني لأسباب فنية، منها المشاكل الفنية في العقد تضمن حق إيران بوقف تصدير الغاز متى ما تحتاجه للاستخدام المحلي".

وأشار إلى أن "الغاز الإيراني من المفترض أن يساهم في إنتاج 8 آلاف ميغا واط من الكهرباء، ومن المفروض أن تورد إيران للعراق 50 مليون متر مكعب يومياً، ولكن ما يصل لا يتجاوز ربع الكمية"، مبينا أن "هذه المشكلة تتحملها الحكومات العراقية السابقة التي أبرمت عقود استيراد الغاز من إيران"، فضلا عن "عدم بحثها عن بدائل للغاز الإيراني".

وأوضح مدير مركز العراق للطاقة أن "منظومة الطاقة الكهربائية تعتمد على 3 مصادر من الطاقة وهي الغاز من إيران، والغاز المستثمر من الحقول العراقية، والوقود السائل الذي ينتجه العراق".

وأشار إلى أن "حكومة محمد شياع السوداني تعاقدت مع تركمانستان لاستيراد 20 مليون متر مكعب يومياً، لكنه استبعد أن تساهم هذه الخطوة وحدها في الحد من المشكلة، لأن الغاز التركمانستاني يُورّد للعراق عبر إيران أيضا".

ولفت الموسوي إلى أن "العراق تحرك بشكل متأخر نحو الغاز القطري"، مبينا أن "بغداد تعمل حالياً على إنشاء منصة عائمة على الخليج لاستقبال الغاز من قطر، ولكن هذه المنصة تحتاج إلى عامين لتكون جاهزة للعمل".

وتابع أن "مشكلة الكهرباء ستتواصل وتتفاقم خلال الصيف الحالي بسبب عدم امتلاك العراق أماكن لتخزين الغاز المستورد واستخدامه وقت الحاجة"، لافتا إلى أن "العراق لم يتحرك لغاية الآن لإنشاء هذه الخزانات بسبب ارتفاع تكاليفها".

وخلال السنوات السابقة، مثل تأخر تسديد العراق مستحقات الغاز للجانب الإيراني بسبب العقوبات الأميركية سببا في تكرار توقف إمدادات الغاز للعراق، ولكن العراق تجاوز حالياً هذه المشكلة بعد تسديد الديون السابقة والاتفاق على آلية جديدة لتسديد المستحقات عبر تصدير النفط الخام".

 

تظاهرات مرتقبة

كما أكد الصحفي والباحث العراقي حسين العامل أن الصيف الحالي سيكون كالأعوام السابقة من حيث التجهيز ومشاكل الانقطاع المتكرر خلال الارتفاع بدرحات الحرارة.

وقال العامل في حديث لشبكة "الساعة": إن "أزمة الكهرباء تخضع لإدارة سياسية، لأن الجهات المتنفذة في الدولة حالياً هي القريبة من إيران، وبالتالي فإنها ستقف بوجه أي خطوات من شأنها إيجاد البدائل عن الغاز الإيراني ولو كان على حساب استمرار مشكلة الكهرباء".

وأضاف العامل: أن "الصيف المقبل سيكون شبيهاً بمواسم الصيف السابقة من حيث أزمة الكهرباء"، متوقعاً "تكرار الاحتجاجات في الشارع العراقي بسبب استمرار الأزمة".

 

كهرباء العراق رهينة غاز إيران

من جانبه، يرى الخبير النفطي والاقتصادي نبيل المرسومي أن هناك إرادات متنفذة في العراق تعمل على إبقاء قطاع الكهرباء رهينة الغاز الإيراني.

وقال المرسومي في حديث لشبكة "الساعة": إن "الطلب الكلي الحالي على الكهرباء يبلغ 36 ألف ميغاواط، بينما يبلغ حجم الطاقة المنتجة 26 ألف ميغاواط".

وأوضح أن "هناك فجوة كبيرة بين الإنتاج والطلب وأنها ستستمر وتتسع في السنوات المقبلة"، مرجحا أن "تصل حاجة الاستهلاك في العراق إلى 70 ألف ميغاواط بحلول العام 2050".

كما توقع المرسومي أن "يبقى العراق يعتمد على الغاز الإيراني خلال السنوات المقبلة، بسبب عدم وجود إرادة حقيقية لوقف الاعتماد على إيران في هذا المجال، إلى جانب البطء في استغلال الغاز المحلي، حيث لا يزال العراق ثالث أكبر دولة في حرق الغاز".

وقال إن "جهات متنفذة تستهدف تعطيل إنتاج الغاز العراقي، وهو ما حصل خلال الهجمات الصاروخية التي طالت حقل خورمر في كردستان، وهذه الجهات تسعى لتعطيل اعتماد العراق على الغاز المحلي".

 

خسائر عراقية

من جهته، قال الباحث في الشأن الاقتصادي عمر الحلبوسي إن "العراق تكبد خسائر مالية كبيرة بسبب اعتماده على الغاز الإيراني".

وأضاف في حديث لشبكة "الساعة": أن "العراق يمتلك الكثير من مصادر الغاز (الغاز الطبيعي المصاحب، والغاز الحر)، واحتياطياته من الغاز تأتي في المرتبة 11 عالمياً، وفي حال استثمارها، فإنها ستكون كافية لسد احتياج العراق إضافة إلى تصديره".

وأشار إلى أن "العراق يحرق يوميا أكثر من 17 مليون متر مكعب من الغاز المصاحب لإنتاج النفط، وبذلك يخسر سنوياً جراء هدر الغاز أكثر من 3 مليارات دولار".

واعتبر أن "استثمار الغاز العراقي سيحقق انتقالا نوعيا على كافة الأصعدة وتجعله من مصنعي ومصدري الغاز"، مشيرا إلى أن "التدخلات الخارجية تعطل عجلة الاستثمار في الغاز العراقي، مبينا أن العراق يستورد سنوياً الغاز من إيران بمبالغ تصل إلى 6.5 مليارات دولار، علما أن إيران تبيع العراق الغاز أعلى من السعر الذي تطرحه الدول الأخرى"، حسب تعبيره.