انطلقت في العراق اليوم الجمعة (31 مايو / أيار 2024) عملية التعداد التجريبي العام للسكان والتي تشمل عموم البلاد بما فيها إقليم كردستان، وذلك تمهيدا لإجراء أول تعداد شامل تنظمه السلطات العراقية منذ العام 1997.

وبحسب وزارة التخطيط العراقية فإن التعداد التجريبي الذي يشمل مناطق محددة من كل محافظة سيستمر لمدة 14 يوما، بينما سينطلق التعداد العام الرسمي في الـ 20 من شهر نوفمبر / تشرين الثاني المقبل.

 

تعداد لا يشمل المذهب والقومية

وقالت وكيلة وزارة التخطيط أزهار حسين في حديث لشبكة "الساعة": إن "التعداد العام للسكان لن يتعامل مع موضوع الانتماء المذهبي والقومي والديني للعراقيين، إذ إن استمارة التعداد لن تتطرق لسؤال المواطن عن انتمائه الطائفي والقومي".

وأضافت حسين أن "الهدف من التعداد هو تثبيت قاعدة بيانات صحيحة وحقيقية عن عدد السكان لضمان توزيع الموارد والمستحقات المالية على جميع المحافظات بشكل عادل، إلى جانب الاعتماد على بيانات التعداد في برامج التنمية المستقبلية"، مشيرةً إلى أن "التعداد سيشمل جميع المحافظات العراقية، بما في ذلك إقليم كردستان".

وبينت أن "الوزارة أعدّت خطة للتعامل مع تعداد السكان في المناطق التي يعيش فيها خليط من القوميات والمذاهب والأديان في المناطق المتنازع عليها كمناطق كركوك وسنجار وسهل نينوى وغيرها من المناطق".

 

تفاصيل التعداد التجريبي

وأوضح المتحدث باسم وزارة التخطيط عبد الزهرة الهنداوي تفاصيل عملية التعداد التجريبي التي انطلقت اليوم، وقال في تصريح لشبكة "الساعة": إن "التعداد التجريبي انطلق اليوم ويستمر لغاية 13 يونيو / حزيران، وسيشمل 86 منطقة ومحلة في عموم العراق، موزعة بواقع 40 منطقة في المدن، و46 منطقة في القرى".

وأضاف الهنداوي: أن "التعداد التجريبي سيكون فرصة لاختبار إمكانيات فرق الإحصاء التي شاركت بـ 800 كادر على تجاوز المشاكل التي تواجههم في العملية، إضافة إلى اختبار الأجهزة الخاصة بالتعداد وإدخال البيانات ورفعها وإصدار النتائج إلكترونيا"، مشيرا إلى أن "العدادين المشاركين في الإحصاء يرتدون ملابس خاصة (ستر وقبعات) مرسوم عليها شعار التعداد العام في العراق".

وبشأن الوضع الخاص بالنازحين والعراقيين الساكنين في الخارج اكتفى الهنداوي بالقول: إن "الوزارة وضعت خطة متكاملة لإجراء التعداد في جميع المناطق وفقا لطبيعة كل منطقة، بما يضمن نجاح التعداد".

وتمثل قضية التعداد السكاني ملفاً سياسياً شائكاً في العراق، أكثر من كونها إجراء تنظيمياً، بسبب ارتباطها بعملية الانتخابات والمحاصصة الطائفية التي تقوم عليها العملية السياسية في العراق بعد الغزو الأميركي.

وفي الوقت الحالي، يقوم نظام الانتخابات في البلاد على أن يمثل نائب كل 100 ألف شخص، ويمنح تقديرات السكان بشكل تقريبي لكل دائرة انتخابية وفقاً لبيانات وزارة التجارة بشكل رئيسي.

ويُقدّر العدد الإجمالي لسكان العراق ممن يعيشون داخل البلاد بنحو 43 مليون نسمة، في حين تبلغ أرقام عراقيي المهجر أكثر من 6 ملايين، يتوزّعون على نحو 40 دولة غربية وعربية.

يشار إلى أن آخر تعداد سكاني أجراه العراق كان في عام 1997، واستثنى منه محافظات إقليم كردستان الثلاث؛ أربيل والسليمانية ودهوك، لأنها كانت خارج سيطرة النظام العراقي في ذلك الوقت. وأظهر التعداد أن عدد السكان يبلغ 22 مليون نسمة.
 ومن المقرر أن يجرى التعداد مرة واحدة كل عشر سنوات. وكان من المفترض أن يجرى عام 2007، لكنه تأجل إلى عام 2009 بسبب الظروف الأمنية، ثم تأجل عشر سنوات بسبب المشكلات الأمنية ودخول تنظيم "داعش" وفي 2019، أرجئ مُجدداً بسبب خلافات سياسية تخصّ المناطق المتنازع عليها وعدم وجود تخصيصات مالية وجائحة كورونا.

 

أهمية التعداد الحالي

يؤكد الباحث بالشأن العراقي خالد غازي أن قرار تجنب التعداد لمعلومات المذهب والقومية خيار صائب من شأنه تجنب إدخال البلاد في الكثير من المشكلات السياسية ذات الصبغة الطائفية والقومية.

وأكد على "ضرورة إنجاز التعداد التنموي دون تأخير، وأن يعمل الجميع على تبديد المخاوف السياسية بصدده، وتذليل العقبات التي تحول دون إنجازه"، مشدداً على أنه "من غير الممكن إطلاق التنمية الشاملة دون وجود بيانات قائمة على تعداد السكان".

ولفت إلى أن "التعداد التنموي من شأنه وضع قاعدة بيانات للسكان ترتكز عليها الدولة في إطلاق المشاريع والخدمات في قطاعات الصحة والتعليم والبنى التحتية وغيرها وهو ما معمول به في أغلب دول العالم مع اختلاف طريقة التعداد".

 

التغيير الديمغرافي بعد 2003

ويثير التعداد بالرغم من كونه تعدادا "تنمويا" كما أعلنت وزارة التخطيط، الكثير من مخاوف العرب السنة في العراق، فهم يشعرون أن التعداد يأتي عقب ممارسة التغيير الديمغرافي تجاه مناطقهم وخاصة في العاصمة بغداد وغيرها من المدن، إلى جانب نزوح عدد كبير من السنة داخل العراق ولجوء أعداد أكبر للعيش خارج البلاد، فضلا عن وجود عشرات الآلاف من أبنائهم في السجون الحكومية.

وقال الناشط السياسي العراقي عبد القادر النايل في حديث لشبكة "الساعة": إن " التغير الديموغرافي في العراق بدأ منذ اليوم الأول للاحتلال الأمريكي وكانت البصرة هي الركيزة الأولى بعد دخول الجماعات المسلحة من إيران حيث تراجع لنسب كبيرة وجود المكون السني الذي كان يشكل أكثر من 40% من سكانها".

وأضاف أن "التغير الديموغرافي الذي مارسته الجماعات الطائفية القريبة من إيران اعتمد على الطائفية والدين، حيث شهدت بغداد تهجير الآلاف من المكون المسيحي والاستيلاء على مئات المنازل والعقارات المملوكة للمواطنين من ذات الجهات الحزبية أو الجماعات المسلحة وانتهجت ذات المبدأ مع المكون السني في بغداد من أبو غريب إلى اللطيفة والمشاهدة والطارمية فضلا عن المدن الكبيرة داخلها".

وأشار النايل إلى أن "لديالى النصيب الأكبر، حيث شكل نسبة السنة فيها أكثر من 80% إزعاجا لإيران باعتبار أنها أقرب طريق بري لبغداد ولذلك أوكل إلى مليشيات مسلحة عمليات التهجير والتطهير العرقي فيها والتجنيس حيث كشفت جهات حكومية عن وجود الآلاف من منح الجنسية العراقية لغير العراقيين في ديالى".

 

التغيير الديمغرافي بعد 2014

ولفت الناشط السياسي إلى أن "ازدياد عمليات التطهير العرقي والطائفي والاستيلاء على المدن العراقية بقوة السلاح وأصبحت منزوعة السكان بعد أحداث عام 2014 ودخول تنظيم داعش، حيث سجلنا ونحن في عام 2024 من خلال إحصاءات دقيقة أن مئة مدينة وقرية إلى الآن منزوعة السكان وفي مقدمتها جرف الصخر وعزيز بلد والعوجة ويثرب ومجمع الفوسفات غرب الأنبار والعويسات في عامرية الفلوجة فضلا عن قضاء سنجار الذي لم يسمح لعودة أهلها وفي مقدمتهم الإيزيدين".

وشدد النايل "على عدم إمكانية إجراء تعداد سكاني عادل في ظل المعطيات التي ذكرت سابقا والتي تؤكد ممارسة التغيير الديمغرافي لسنوات عدة يستهدف العرب السنة".

وأوضح أن "سبب اختيار هذا التوقيت للتعداد السكاني لأن الجهات المتنفذة في العراق استطاعت أن تغير التركيبة السكانية بإطارها الطائفي لذلك يريدون إجراء التعداد وفق مقاسات طائفية سيكون المكون السني الخاسر الأكبر فيها"، مشيرا إلى أن "السبب من الاستعجال في العمل على إجراء التعداد السكاني هو للوصول إلى التطابق مع النسب التي فرضها بول بريمر الحاكم المدني للاحتلال في عام 2004 عندما أسس مجلس الحكم على تقديرات وهمية عندما منح أغلبية سياسية لمكون معين على حساب مكونات العراق الأخرى من دون أن تخضع لتعداد حقيقي أو رؤية علمية وهي بعيدة عن الواقع الاجتماعي".

وبين أن "المستفيدين من هذه النسب المفروضة وبدعم إيراني يريدون أن يوهموا العالم بتعداد وهمي لأن الجهة التي ستنفذ هذا التعداد هي ذات الجهة التي مارست التهجير والقتل والتغير الديموغرافي في العراق"، متسائلا عن "كيفية إجراء تعداد لمدن منزوعة السكان؟ وما هو مصير ملايين العراقيين في الخارج وعشرات الآلاف في المعتقلات؟ واصفا التعداد الذي تخطط له الحكومة العراقية بأنه أكبر جريمة تزوير وترسيخ للتغير الديموغرافي في العراق".

 

التعداد والكرد

الصحفي والمحلل السياسي محمد زنكنة المقرب من الحزب الديمقراطي الكردستاني شكك مقدما في مصداقية وواقعية التعداد الذي تخطط لإجرائه الحكومة العراقية، مبينا أنه تعداد استعراضي بعيد عن الواقع والحقيقة.

وقال زنكنة في حديث لشبكة "الساعة": إن "أي إحصاء لا يعتمد على الأمور العلمية يعد خاطئا واستعراضا إعلاميا، ونتائجه بعيدة عن الواقع، وذلك لأنه يجري في ظل تغيير ديمغرافي تعرضت له مناطق الكرد خلال حقبة النظام السابق وخلال الفترة الحالية"، حسب تعبيره.

وأضاف زنكنة، أن "الإحصاء الأكثر واقعية في العراق هو تعداد العام 1957، وما بعده شهد العراق حملة للتغيير الديمغرافي بدأت في كركوك وصولا إلى سياسية التعريب التي انتهجها نظام البعث، فضلا عن التغيير السكاني الذي حصل في البلدات التي يسكنها الكرد وزج العرب فيها في محافظة نينوى، إضافة إلى استقطاع  مناطق من كردستان وإلحاقها بمحافظات أخرى".

وأكد: "عدم إمكانية إجراء تعداد علمي ودقيق حاليا في ظل الفوضى السياسية والفساد الحكومي والتلاعب والتغيير الديمغرافي الذي طال مناطق الكرد والسنة في العراق.

 

كركوك والتعداد السكاني

وشدد المحلل السياسي محمد زنكنة على "استحالة إجراء تعداد للسكان في كركوك في ظل تهجير السكان الكرد بعد عمليات فرض القانون في 16 تشرين الأول / أكتوبر"، مبينا أن "كركوك حاليا تخضع للحكم العسكري وتحتلها الفصائل المسلحة غير النظامية وتزامن مع ذلك ترحيل أعداد كبيرة من الكرد الذين ما زالوا في محافظتي أربيل والسليمانية"، لافتا إلى أن "تلك الجهات تمنع عودة المهجرين الكرد إلى مناطقهم في كركوك وبالتالي سينعكس ذلك على نتائج التعداد العام للسكان".

لكن الرؤية الكردية بشأن كركوك لا يتفق معها العرب والتركمان الذين يؤكدون أن الأحزاب الكردية قادت تغييرا ديمغرافيا في كركوك خلال سيطرتهم على المحافظة منذ 2003 ولغاية أكتوبر 2017.

وقال الصحفي الكركوكي أتيلا الأغا في حديث لشبكة "الساعة": إن "التركمان والعرب أبدوا ارتياحا للتعداد التجريبي الممهد للتعداد العام طالما أن نتائج هذا التعداد لن تكون الفيصل في تقرير مصير كركوك".

وأضاف الأغا: أن "التعداد لن يكون فيصلا لتقرير مصير كركوك، والاستبيان لا يشمل خانات عن المذهب والقومية، ولو كان هذا التعداد معتمد على التصنيف القومي والمذهبي وغرضه تقرير مصير كركوك فإن العرب والتركمان سيكونوا أول الرافضين".

 وأشار إلى أن "مخاوفهم من ذلك ترجع إلى اتهام الجانبين للأحزاب الكردية بممارسة عمليات تغيير ديمغرافية في كركوك بهدف زيادة السكان الكرد الذين استقدموا من مناطق أخرى إلى كركوك، وبالتالي إظهار الكرد على أنهم الأغلبية تمهيدا لإلحاقها بكردستان عبر الاستفتاء على تقرير مصير المحافظة التي تعد أهم المناطق المتنازع عليها بين بغداد وأربيل، وهو ما أشارت إليه المادة 140 من الدستور العراقي".