أثارت تصريحات السفيرة الألمانية في العراق كريستيانا هومان بشأن ابتزاز الشركات الأجنبية الشكوك حول فاعلية الإجراءات التي تعلن عنها الجهات الحكومية والرقابية والقضائية في البلاد في ملف مكافحة الفساد المالي والإداري ومحاربة الابتزاز.
كما تتنافى تصريحات السفيرة الألمانية في بغداد مع ما تعلنه الحكومات العراقية المتعاقبة عن دعم الاستثمار وتسهيل عمل الشركات الأجنبية في العراق، فيما وصف مراقبون للملف العراقي أن ما ورد في إفادة الوزيرة يعكس جزءًا من النظرة العالمية للعراق الغارق في الفساد ونفوذ المبتزين على مختلف الأصعدة.
تحرك حكومي
ودفعت تصريحات المسؤولة الألمانية السلطات العراقية للتحرك في محاولة لمعالجة حالات الفساد والابتزاز، إذ وجه رئيس الوزراء محمد شياع السوداني، هيئة النزاهة، بالتحقيق الفوري في تصريحات السفيرة الألمانية عن تعرض مستثمرين ألمان إلى الابتزاز في العراق، فيما أجرت السفيرة زيارة إلى هيئة النزاهة لإجراء مباحثات مع رئيسها بهذا الخصوص.
وأكدت هيئة النزاهة الاتحادية أهمية وجود الشركات والمستثمرين الألمان ومشاركتهم في تطوير مختلف القطاعات، والإفادة من الجانب الألماني في تنفيذ استراتيجيات مكافحة الفساد.
وقال بيان للهيئة ورد لشبكة "الساعة": إن "سياسة الحكومة الحالية جعلت مكافحة الفساد أولوية إلى جانب ملفات الإعمار والتنمية والمشاريع الاقتصاديّة الاستراتيجية"، لافتاً إلى "ضرورة توفير البيئة الآمنة للمستثمرين والشركات الأجنبية التي تساهم في الإعمار وتشييد البنى التحتية للبلد".
النزاهة تتوعد المبتزين
وشدد رئيس هيئة النزاهة خلال اللقاء على ضرورة التصدي لآفة الفساد وعمليات الابتزاز والرشى التي تتعرض لها الشركات الأجنبية، وتوفير بيئة آمنة لعملها، مؤكداً رغبة الهيئة في إبرام مذكرة تفاهم مع الجهة النظيرة في ألمانيا المعنية بمنع الفساد ومكافحته.
وأشاد، بــ"التعاون مع الوكالة الألمانية للتعاون الدولي (GIZ)، ولا سيما في عقد ورش وبرامج تدريبية حول استرداد الموجودات المهربة، والمساعدة القانونية المتبادلة، ومهارات إدارة الاتفاقيات، والتعامل مع العقبات السياسية والجوانب التشريعية، ومنها مشروع (تعزيز إدارة المالية العامة والأسواق المالية)".
من جانبها، أعربت السفيرة الألمانية عن "سرورها بالعمل جنباً إلى جنب مع مؤسسات الدولة العراقيَّة"، مشيرة إلى "رغبة بلادها في تطوير مجالات التعاون مع العراق وانتقالها من العمل في القطاع النفطي والكهربائي إلى غيرهما من القطاعات الحيوية".
وأشارت إلى أن "عملية مكافحة الفساد توفر بيئة آمنة ومستقرة للشركات وتحفزها للاستمرار وتوسيع أعماله".
ابتزاز الشركات الأجنبية
وكشف السفيرة الألمانية كريستيانا هومان مؤخرا عن "تعرض الشركات الألمانية الكبيرة العاملة في مجالات الكهرباء والنفط وغيرها من المجالات للابتزاز من جهات متنفذة رفضت تسميتها".
وفي أول ظهور لها بعد 8 أشهر من تسنمها منصب سفارة بلادها ببغداد، قالت هومان، في مقابلة تلفزيونية: "نعم هناك مستثمرون ألمان طُلب منهم دفع نوع من الرشا والإتاوات مقابل حصولهم على عقود، لكنهم لم يدفعوا، فالأمر غير قانوني في بلادنا وسيقعون تحت طائلة القانون إن فعلوا ذلك".
ورأت السفيرة أن "ذلك سوف يتسبب بتعثر قضية الاستثمارات، ولن تقبل الشركات على ذلك ويدفعها للانسحاب من العراق".
ورفضت الإجابة على سؤال حول طبيعة الشخصيات التي تمارس أعمال الابتزاز على الشركات، وإذا ما كانوا مسؤولين كباراً في الوزارة أو جماعات خارجة عن القانون، واكتفت بالإشارة إلى أن "القضية ما زالت متواصلة وتشمل معظم القطاعات الحكومية في العراق، ويجب التصدي لها بحسم".
ويعوّل العراق كثيراً على الشركات الاستثمارية الألمانية، بخاصة في مجالي الكهرباء والصحة، حيث وقع رئيس الوزراء العراقي، مطلع العام الماضي 2023 في أثناء زيارته لألمانيا عقداً مع شركة سيمنز الألمانية، لتطوير قطاع الكهرباء، وتعمل الشركة على وضع خطة متكاملة لمنظومة الكهرباء العراقية بشكل عام، تتضمن حلولاً للمشاكل.
وتتولى الشركة إنشاء محطات توليد جديدة، والاستفادة من الغاز المصاحب في دعم وزيادة إنتاج الطاقة الكهربائية، فضلاً عن تنفيذ مشاريع الطاقة المتجددة، وهي الطاقة الشمسية وحركة الرياح، وإنشاء محطات تحويل في عموم مناطق العراق، إلى جانب تطوير وتأهيل كوادر وزارة الكهرباء ونقل الخبرات.
استمرار الفساد والابتزاز
من جانبها أكدت عضو لجنة النزاهة بالبرلمان العراقي سروة عبد الواحد استشراء الفساد والابتزاز في مختلف مؤسسات الدولة، وأشارت إلى وجود حالات الابتزاز حتى داخل اللجان البرلمانية.
وقالت عبد الواحد في تصريحات تابعتها شبكة "الساعة": إن "السفيرة الألمانية لم تأت بجديد بشأن قضية الابتزاز والمطالبة بالرشوة والعمولات التي تتعرض لها الشركات الأجنبية العاملة بالعراق".
وأضافت أن "تصريحات السفيرة ليست مفاجئة لنا، وهناك حالات ابتزاز للشركات تُمارَس حتى داخل اللجان البرلمانية وفي مؤسسات حكومية عدة".
وأوضحت عبد الواحد أن "مشكلة الاستثمار والعمل في العراق ترتبط في الغالب بشركات غير رصينة وهي تعرف كيف تحمي نفسها عبر منح الأموال والرشاوى للشخصيات المسؤولة والنافذة"، مبينةً أن "الشركات العالمية الرصينة لا تقبل بذلك وتُفضل عدم التورط في بيئة أعمال غير نظيفة من هذا النوع".
وأشارت عضو لجنة النزاهة النيابية إلى أن "السلوكيات من هذا النوع تسهم في تقويض جدية العمل والاستثمارات في البلاد"، مؤكدة أن "العراق لن يرى على المدى القريب أو المتوسط شركات رصينة وعالية المستوى تدخل مجالات الاستثمارات".
لا قدرة على محاسبة الفاسدين
وشككت البرلمانية العراقية بجدوى الإجراءات التي تتخذها السلطات العراقية في محاربة الفساد، وقالت إن "ما نسمعه في الإعلام عن مشاريع الحكومة لمحاربة الفساد أكثر بكثير مما هو في الواقع"، ونوهت إلى أن "الفساد آفة خطيرة ومحاربته ليست بالسهولة المتوقعة".
ولفتت عبد الواحد إلى أن "الحكومة اتخذت عددا من الإجراءات الإيجابية في ملف محاربة الفساد، ولكنها رجحت عدم قدرة السلطات على محاسبة كبار الفاسدين لأنهم يفرضون سيطرتهم على معظم مفاصل الدولة وهم بمنأى عن المحاسبة".
وتراجعت في السنوات الأخيرة عمليات الابتزاز التي تعرضت لها شركات أجنبية استثمارية في العراق، عما كانت عليه قبل عام 2021، إذ اضطرت قبل ذلك الوقت شركات كثيرة إلى وقف أعمالها أو تسليمها لشركات ثانوية أخرى في مناطق عدة من البلاد، بسبب مشاكل مختلفة، أبرزها مضايقات جهات قبلية وعشائرية أو فصائل مسلحة للحصول على مكاسب مادية عبر إجبار الشركات على دفع إتاوات أو توظيف نسبة معينة لديها من أبناء المنطقة.
وبحسب بيانات الحكومة فإن "الأخيرة تبذل جهوداً كبيرة لتأمين بيئة استثمارية آمنة وجيدة في البلاد، ولا سيما أنها تولي ملف الخدمات وتطوير البنى التحتية أولوية قصوى ضمن خططها".
لكن الشركات العالمية لا تلتفت لجهود الفريق الإعلامي الحكومي والبرامج التلفزيونية وصفحات مواقع التواصل، التي تمجّد بالحالة العراقية وتفَوّق الحكومة ورئيسها وأحزابها ورعاتها، فبالإضافة لتقييماتها وتقييمات دولها، هناك المؤشرات الدولية التي تصدر عن المنظمات والهيئات العالمية المعنية بمختلف القضايا الاقتصادية والسياسية والمؤسسية، وتقيس مدى سلامة وجاذبية مناخ الاستثمار، ولا يمكن إغفال العلاقة بين ترتيب دولة في هذه المؤشرات وحجم ما تستقطب من استثمارات أجنبية، مباشرة وغير مباشرة".
وعلى المؤشر المركب للمخاطر القُطرية حل تصنيف العراق بالمرتبة (167) من أصل (201) دولة حول العالم في عام 2022، ويتنبّأ هذا المؤشر بالتغيرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي يمكن أن تحدث في مستقبل دولة ما، وتؤثر في بيئة الاستثمار والأعمال فيها.
ويرجع التصنيف المتأخر الذي حصل عليه العراق إلى حالة عدم الاستقرار السياسي، فضلاً عن غياب الاستقرار الاقتصادي والمالي نتيجة تبني سياسات خاطئة، ويعكس هذا التصنيف، إلى حدّ كبير، حقيقة المناخ الاستثماري العراقي الطارد، وضعف بنية الاقتصاد العراقي في مواجهة الأزمات الاقتصادية والمالية، وبلغ تصنيف العراق في مؤشر مخاطر العنف السياسي (208) من أصل (240) دولة في المؤشر.
كما صنفت منظمة الشفافية الدولية في تقريرها لعام 2023، العراق في المرتبة (154) عالميًا على مؤشر مدركات الفساد بحصوله على (23) نقطة فقط من أصل (100).
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام