لم تكُ إحاطة المبعوثة الأممية في العراق جنين بلاسخارت الأخيرة أمام مجلس الأمن الدولي كسابقاتها من الإحاطات، فهي تأتي بعد طلب موجه لمجلس الأمن لإنهاء مهام بعثة "يونامي" ما يعني أنها ستكون الورقة الحاسمة في تقييم تمديد التواجد الأممي في العراق من عدمه خلال الفترة المقبلة.

وتعد إحاطة بلاسخارت أمام مجلس الأمن الدولي، الأخيرة لها قبيل مغادرة مهامها في العراق المقررة نهاية شهر آيار / مايو الجاري، بحسب ما أعلنت عنه المسؤولة الأممية في إفادتها السابقة قبل أشهر.

كما أن التقرير المقدم من المبعوثة الأممية إلى مجلس الأمن كشف حقيقة الأوضاع والمخاطر التي تواجه العراق دون مجاملات، وهو ما عده البعض انقلاباً من بلاسخارت على السلطة والقوى السياسية النافذة في العراق.

 

مشاكل العراق المتواصلة

وأكدت جنين بلاسخارت في إحاطتها أن العراق ما يزال يواجه جملة من المشاكل، منها الصراعات السياسية، والفساد، وهيمنة الفصائل المسلحة، وأزمة النازحين، وتأخر ملف الإعمار، وغياب العدالة، وكثرة أحكام الإعدام غير المعلنة، وإفلات المتورطين بالجرائم من العقاب، إضافة إلى نهج التهميش والإقصاء السياسي الذي تمارسه القوى الحاكمة التابعة لطائفة محددة ضد الكثير من المكونات العراقية.

الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة في العراق جنين بلاسخارت قالت: إنه "رغم العقود الماضية من الاضطرابات التي لا تزال تؤثر على الحاضر في العراق، إلا أنه يتطور وبسرعة خلال عام 2024. في الوقت نفسه طلبت بغداد مغادرة بعثة الأمم المتحدة في العراق، كتطور طبيعي للعلاقة بين الجانبين ولتعميق التعاون بينهما على مستويات أخرى".

وأضافت: أن "العراق يبدو مختلفا اليوم عما كان عليه عندما بدأت مهام منصبها عام 2018، أو ما كان عليه قبل 20 عاما تقريبا عندما تم نشر بعثة يونامي لأول مرة"، ولكنها نبهت إلى أن هذا "لا يعني أن كل شيء على ما يرام في العراق".

 

التهميش والفساد وغياب العدالة

وتابعت بلاسخارت: أن "الفساد والانقسامات والإفلات من العقاب والتدخل غير المبرر في مهام الدولة والجهات المسلحة التي تعمل خارج سيطرة الدولة - وهو ما تعمل الحكومة على التصدي إليه - لا تزال تمثل عقبات كبيرة يجب التغلب عليها".

وقالت إن "الأمر نفسه ينطبق على مشاعر التهميش والإقصاء التي تنتشر بين مكونات معينة، والتي إذا تُرِكت دون معالجة، فإنها تخاطر بتأجيج نيران التوتر داخل المجتمعات وفيما بينها".

وأوضحت أن "السيطرة على السلطة أو السياسات العقابية قد تفيد شريحة واحدة من المجتمع على المدى القصير، لكن في النهاية الجميع خاسر"، مشيرة إلى أن "الزيادة الأخيرة في عمليات الإعدام الجماعية غير المعلنة لأفراد مدانين بموجب قوانين مكافحة الإرهاب تشكل مصدر قلق بالغ".

وعن الوضع في مدينة سنجار، أوضحت بلاسخارت أنه "بعد مرور تسع سنوات على تحريرها من داعش، فإن المدينة لا تزال في حالة خراب، وأشارت إلى الذكرى العاشرة لارتكاب داعش إبادة جماعية ضد المجتمع الإيزيدي التي تحل هذا الصيف".

وأعربت عن "أملها في ألا تضيع الذكرى العاشرة القادمة، بل تستغلها السلطات والجهات الفاعلة وأصحاب المصلحة، للاتحاد والارتقاء إلى المستوى المطلوب بهدف وحيد هو خدمة أهل سنجار، وشددت على أن المتضررين والنازحين بسبب ذلك الصراع يستحقون إعادة بناء حياتهم".

وأثنت رئيسة بعثة يونامي على "الجهود المستمرة للعراق لإعادة مواطنيه من مخيم الهول شمال شرق سوريا، معربة عن الأمل في أن تكون هناك زيادة في عودة أولئك المواطنين قريبا".

وشددت على أن "أي حكومة أخرى لديها مواطنون في مخيم الهول أو المرافق الأخرى في شمال شرق سوريا، يقع عليها واجب التصرف على وجه السرعة".

واستدركت المسؤولة الأممية: أن "إبقاء الناس إلى أجل غير مسمى في هذه الظروف التقييدية والفقيرة، يخلق في نهاية المطاف مخاطر حماية وأمن أكبر من إعادتهم بطريقة خاضعة للرقابة".

 

طلب إنهاء مهام بعثة يونامي

القائم بالأعمال المؤقت للممثلية الدائمة للعراق لدى الأمم المتحدة عباس كاظم قال: إن "حكومة بلاده تطلب إنهاء عمل بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق (يونامي) في 31 كانون الأول/ديسمبر عام 2025".

وأثناء استعراضه لطلب الحكومة العراقية أمام مجلس الأمن، دعا إلى "أن تقتصر جهود البعثة في الوقت المتبقي من العام الجاري على استكمال أعمالها فقط في ملفات الإصلاح الاقتصادي، وتقديم الخدمات، والتنمية المستدامة، والتغيير المناخي، وغيرها من الجوانب التنموية، وإنجاز التصفية وتحقيق إجراءات الغلق المسؤول خلال 2025".

وقال إن "حكومة العراق تؤكد أن إنهاء عمل ولاية البعثة جاء نتيجة طبيعية لتطور العلاقة بين العراق والأمم المتحدة، وتعميقا للتعاون على مستويات أخرى مختلفة".

وذكَّر كاظم بأن "بلاده تقدمت خلال شهر أيار/مايو 2023 بطلب إلى مجلس الأمن لتقليص ولاية يونامي، وإجراء تقييم موضوعي لعملها تمهيدا لإنهاء مهمتها وغلقها بشكل نهائي لانتفاء الظروف التي تأسست من أجلها البعثة".

وأعرب عن أمله في أن "يصدر مجلس الأمن قرارا يتضمن الاستجابة لطلب حكومة العراق وينظم متابعة المواضيع والملفات عبر استمرار عمل الوكالات المتخصصة والفريق القطري للأمم المتحدة".

ومن المقرر أن يصوت مجلس الأمن بحلول نهاية الشهر حول التجديد لمهام البعثة، الذي في العادة يكون لمدة سنة، وسط معلومات شبه مؤكدة عن ترشيح الأمين العام للأمم المتحدة لشخصية جديدة لإدارة مهام بعثة يونامي في العراق خلفا لبلاسخارت.

 

انقلاب على الحكومة

السياسي العراقي المعارض أحمد الأبيض أكد أن المبعوثة الأممية انقلبت في إحاطتها الأخيرة على حكومة السوداني والجهات النافذة في السلطة بسبب عدم التجديد لها للبقاء في مهامها على رأس البعثة الدولية.

وقال الأبيض في حديث لشبكة "الساعة"، إن "حكومة السوداني قدمت طلبا مؤخرا لإنهاء عمل بعثة الأمم المتحدة في العراق، وذلك بعد تسريب معلومات تفيد بنوايا أمين عام الأمم المتحدة إنطونيو غوتيريتش ترشيح شخصية أوربية معروفة بالصرامة والحزم والنزاهة"، مبينا أن "السلطات العراقية تخشى وجود مثل هكذا ممثل أممي يسعى لفرض رؤية المجتمع الدولي في عراق ما بعد 2003، والتي عمل عليها أول مبعوث أممي في العراق (سورجيو ديميلو) والذي قتل بتفجير في بغداد صيف 2003".

وأضاف أن "الإفادة الأخيرة لبلاسخارت وضعت الكثير من الحقائق الجارية في العراق أمام المجتمع الدولي، وهذه المعلومات لها أهمية بالغة في توضيح صورة البلاد الحقيقية التي تعاني من هيمنة الفصائل والنفوذ الخارجي والسلاح المنفلت وانتشار المخدرات والفساد المالي والإداري والإساءة للحريات والحقوق العامة وغيرها من المؤشرات السلبية".

واستبعد الأبيض: "استجابة مجلس الأمن الدولي لمطلب الحكومة العراقية بإنهاء عمل بعثة يونامي قريبا، خاصة بعد ما ورد في إفادة المبعوثة الأممية الأخيرة"، مؤكدا أن "المجتمع الدولي سينظر بأهمية إلى تقرير بلاسخارت والذي مفاده أن الولايات المتحدة والمجتمع الدولي والحكومات العراقية المتعاقبة فشلوا في بناء عراق ديمقراطي مزهر وآمن رغم مرور أكثر من 20 عاما على التغيير والإطاحة بالنظام السابق".

 

استمرار عمل البعثة الأممية

أما أستاذ العلوم السياسية قحطان الخفاجي فرجح أيضا خلال حديث مع شبكة "الساعة" تمديد عمل بعثة يونامي في العراق خلال المرحلة المقبلة.

وقال الخفاجي: إن "بلاسخارت نقلت وقائع ملموسة في المشهد العراقي لمجلس الأمن في تقريرها الأخير بالرغم من الواقع أكثر سوادا وبؤسا".

وأضاف أن "الأمم المتحدة لن تنسحب من العراق بناء على طلب حكومة السوداني قبل أيام"، مشددا على أن "الانسحاب الأممي في حال حصوله يعكس رسائل سياسية دولية خطيرة أبرزها إقرار واشنطن بتسليم العراق لإيران بشكل كامل"، مبينا أن "الانسحاب الأممي لم يحصل من العراق إلا إذا تحول العالم إلى نظام متعدد الأقطاب"، حسب تعبيره.