يبدو أن عقدة رئاسة البرلمان العراقي التي استمرت طيلة الأشهر الستة الماضية اقتربت من الحسم بعد الإعلان عن ترشيح النائب الحالي ورئيس مجلس النواب الأسبق محمود المشهداني للمنصب.

مجلس النواب أعلن مؤخرا عبر مكتبه الإعلامي تحديد يوم السبت المقبل موعدا لانتخاب رئيسه الجديد خلفا للرئيس السابق محمد الحلبوسي الذي أبعد عن المنصب بقرار من المحكمة الاتحادية.

وأبدى مراقبون تخوفهم من عدم حسم الأمر في الجلسة المعلنة بسبب تحديد أكثر من موعد في وقت سابق، ولكن أخفق البرلمان في التصويت لرئيس الجديد بسبب الخلافات بين القوى السياسية ولاسيما العربية السنية.

وبالتزامن مع تحديد موعد انتخاب رئيس البرلمان، أعلنت كتلة الصدارة البرلمانية التي تضم 4 نواب (محمود المشهداني، محمد نوري العبد ربه، خالد العبيدي، طلال الزوبعي)، انضمامها إلى تحالف تقدم الوطني بزعامة محمد الحلبوسي، وذلك من أجل الإسراع في حسم ملف انتخاب رئيس مجلس النواب.

ويتنافس على منصب رئيس البرلمان في الوقت الحالي مرشحان هما محمود المشهداني بدعم من تحالف تقدم وسالم العيساوي بدعم من تحالف السيادة الذي يتزعمه خميس الخنجر، فيما ترى أوساط سياسية أن المشهداني سيحظى بدعم القوى الإطارية الشيعية بعد تبني نوري المالكي رئيس ائتلاف دولة القانون موضوع دعمه لرئاسة البرلمان.

وذهب محللون إلى أن الحلبوسي اضطر إلى القبول بهذه الصيغة بعد أن فشل في اللعب على التناقضات وتمرير مرشح تابع له.

وأكد القيادي في تحالف "عزم" حيدر الملا أن الحلبوسي أعلن تبنيه المشهداني رئيسًا لمجلس البرلمان بعد أن أغلقت الأبواب جميعها أمامه.

 

من هو المشهداني؟

وبالحديث عن المرشح الأبرز حظا لمنصب رئيس البرلمان، فقد عرف محمود المشهداني باطلاعه على خفايا العملية السياسية منذ عام 2003، إلا أنه لم يتمكن بعد خروجه من رئاسة البرلمان، من التحول إلى رمز للمكون السني، ولم يتبوأ زعامة المكون السني في المعادلة السياسية.

محمود المشهداني من مواليد عام 1948 في بغداد، أكمل دراسته الابتدائية والمتوسطة والإعدادية في مدينة الكاظمية التي كانت منطقة المشاهدة التي وُلد فيها، وتخرّج من كلية الطب بجامعة بغداد عام 1972 والتحق بالجيش العراقي برتبة ملازم، ثم تم إبعاده عن الجيش بسبب توجهاته الفكرية والسياسية الدينية، إذ حكمت عليه السلطات العراقية عام 2000 بالسجن 15 عاما، غير أن أفرج عنه في العفو العام الشهير الذي أطلقه الرئيس الأسبق صدام حسين قبيل الغزو الأمريكي للبلاد عام 2003.

ويعد المشهداني أول رئيس للبرلمان العراقي بعد الغزو الأميركي للبلاد، وكان يتصدر عناوين الأخبار بعد توليه رئاسة البرلمان بين عامي 2006 و2009، وشهد البرلمان في عهده سجالا كبيرا بسبب إقالته، غير أنه عُرف بحس الفكاهة في بعض جلسات البرلمان ولقاءاته التلفزيونية.

وينحدر المشهداني من عائلة سنية من قبيلة المشاهدة المعروفة بالعراق، وبعد تخرجه في الثانوية التحق بكلية الطب بجامعة بغداد عام 1966 وتخرج فيها عام 1972 برتبة ملازم في الجيش العراقي، حيث كانت دراسته على نفقة وزارة الدفاع العراقية.

وبعد سنوات ترقى في الجيش ليصبح برتبة رائد، إلا أن مسيرته العسكرية لم تكتمل، إذ تعرض للاعتقال بين عام 1980 و1981 ومكث في السجن حتى انتهاء محكوميته بسبب انتماءاته الفكرية وقيادته لجمعية الموحدين التي كانت محظورة لارتباطها بالفكر السلفي.

وبعد استبعاده من السلك العسكري، عمل طبيباً في عيادته الخاصة ببغداد، إلا أنه تعرض للاعتقال مرة أخرى عام 2000 لانتمائه للفكر السلفي ومعارضته للنظام السابق.

لم يُعرف عن المشهداني أي نشاط سياسي واضح قبل الغزو الأميركي إلا من خلال عمليتي اعتقال في 1980 و2000، إلا أنه وبعد الغزو الأميركي عام 2003 دخل الحياة السياسية بقوة، حيث انتُخِب عضوا للجنة صياغة الدستور.

بعد ذلك، عُرف عن المشهداني قربه من فصائل المقاومة العراقية ضد القوات الأمريكية، ما أدى لاعتقاله من القوات الأميركية عام 2004، ولم تمضِ أشهر على إطلاق سراحه حتى اعتقلته وزارة الداخلية العراقية عام 2005 لذات التهمة.

 

توليه منصب رئاسة البرلمان

عام 2006 كان مغايرا تماما في حياة المشهداني، حيث فاز بمقعد برلماني في أول انتخابات تشريعية بالبلاد، ثم انتدبته القوى السياسية السنية ليكون رئيسا للبرلمان العراقي بين 2006 و2009.

استمر في منصبه رئيسا للبرلمان العراقي حتى 23 كانون الأول 2008 عندما اضطر للاستقالة من منصبه على خلفية تهديدات بإقالته نتيجة لمشادات كلامية وتهجمه على بعض النواب، إذ إن استقالته جاءت بعد جمع كتل سياسية تواقيع 150 نائبا لإعفائه من المنصب.

 

المشهداني رئيس السن

يُعرف عن المشهداني أيضا علمه بخفايا العملية السياسية منذ عام 2003، إلا أنه لم يتمكن حتى بعد خروجه من رئاسة البرلمان من التحول إلى رمز سني ولم يتبوأ زعامة المكون في المعادلة السياسية، حيث لم يشكل أي كتلة سياسية أو حزب على غرار قادة سُنة أقل منه خبرة في العمل السياسي وأصغر سناً منه.

لم يوفق المشهداني في الوصول لقبة البرلمان بعد استقالته إلا بعد 13 عاما، حيث انتُخب نائبا عن محافظة بغداد في الانتخابات التشريعية التي جرت في العاشر من أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، ولكونه أكبر النواب سناً، فإن الدستور العراقي ينص على توليه أول جلسة برلمانية تمهد لانتخاب الرئيس الجديد لمجلس النواب ونائبيه.

 

المالكي يدعم المشهداني

واللافت في علاقة المشهداني بنوري المالكي، أن الأخير كان المايسترو لعملية إبعاد المشهداني عن المنصب عام 2009، لكنه اليوم أبرز الداعمين لعودته لرئاسة البرلمان، وذلك بسبب تعطيله للجلسة الأولى بعد انتخابات 2021 والتي كانت الكتلة الصدرية تسعى من خلالها لإعلان نفسها الكتلة البرلمانية الأكبر وبالتالي عطل مساعي التيار في تشكيل الحكومة التي ذهبت فيما بعد للإطار التنسيقي بعد استقالة الكتلة الصدرية من البرلمان وقرار زعيمهم مقتدى الصدر بعدم المشاركة في الحكومة.

 

إضعاف الزعامات السُنية

وعن الدعم المقدم من المالكي لتولي المشهداني منصب رئيس البرلمان، يؤكد الباحث السياسي أياد العنبر أنه يأتي لسبب مهم، وهو أن المالكي وعبر خطوة دعم المشهداني يسعى لتشتيت الزعامات السنية.

وقال العنبر إن "المالكي خير من يجيد لعبة التوازنات في المشهد السياسي، وبسبب دوره المتحكم في المشهد السياسي يحاول ضرب الزعامات السياسية السنية، وبالتالي فهو قد ينجح بهذه الخطوة على اعتبار أن المشهداني لا يملك ثقلا برلمانيا لأنه لا يحظى بدعم إلا العدد القليل من النواب"، مضيفاً أن "المالكي اختار المشهداني لأنه يريد إضعاف الزعامات السنية وأن لا يكون هناك زعيم سني بلغة الأرقام البرلمانية".

وأشار العنبر إلى أن "انتخاب رئيس مجلس النواب في الوقت الحالي يشهد ولأول مرة عدم وجود تدخل خارجي تركي أو خليجي أو إيراني، ولو كان هذا التدخل موجودا لكان التنافس على المنصب قد حسم في وقت مبكر"، حسب تعبيره.